منذ سنوات، يقوم الشاعر والناقد والباحث اللبناني الدكتور شربل داغر  باقتراح قراءة جديدة ومراجعة واسعة للشعر العربي الحديث، ظهرت في كتب عدّة، تناول في أوّلها “الشعر العصري”، ثمّ “كيان النص”، و”القصيدة المنثورة”، وأخيراً كتابه الصادر حديثاً عن “منتدى المعارف” بعنوان “الشعر العربي الحديث: قصيدة النثر“. وقد قامت هذه الكتب الأربعة وفق خطة تحقيبية، نظرت إلى التقطيعات التاريخية لهذا الشعر، بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مثلما حرصت على درس وتحليل “التغيرات البنائية” فيه.

ويلبّي هذا الكتاب الجديد، الخاص بقصيدة النثر العربية، مهمّتين على الأقلّ: يتوقّف لدرس قصيدة ظهرت نصوصها الأولى في العقد الأول من النّصف الثاني من القرن العشرين، ما يشكل مرحلة إنتاج شعري ممتدّة حتّى أيّامنا هذه، ويتوقّف من جهة ثانية لتحليل قصيدة “صعبة” الدرس، عدا أنها تثير مشاكل في نسبتها إلى نطاق الشعرية. كما يقوم هذا الدرس على أنّ قصيدة النثر نصٌّ له مرتكزات ثلاثة: لغوية، وأدبية وجمالية، تتكفّل بدراستها مقاربة تحليلية، تتوقّف عند “المستويات الأربعة” الّتي تبني القصيدة وتظهر عليها، وهي تشكّلات وتجلّيات في : الطباعة، والوزن، والنحو، والمعنى. وهذا ما تطمح إليه “المعاينة”، في السبيل الإجرائي، ما دام أنّ هذه القصيدة تحضر من دون نموذج مسبق، ومتبدّلة في ما تقوم عليه.

من القصيدة المنثورة إلى قصيدة النثر

هكذا، يعالج القسم الأول من الكتاب، بفصوله الأربعة، كيفية تولّد قصيدة النثر بالعربية، متوقفاً عند مدوّنة واسعة، بين المجلات الأدبية (أبولّو، والأديب، والآداب وشعر وغيرها)، المعنية بهذه القصيدة، والمجموعات الشعرية الأولى، لا سيما عند محمد الماغوط في “حزن في ضوء القمر”، و”لن” لأنسي الحاح. فيدرس الفصل الأول التغيّرات البنائية الّتي أصابت الشعر العربي في العقود الأولى من القرن العشرين، وجعلته يجرّب أشكال خروج مختلفة على العروض، وانبناءات نحويّة مغايرة، و”موضوعات” وسُبل بناء جديدة للمعنى. ثمّ يتناول الفصل الثاني التغيّرات البنائية الّتي عرفتها تجارب شعرية متعدّدة، حاولت توليد قصيدة بالنثر، في”الشعر المنثور” خصوصاً.

أمّا الفصلان الثالث والرابع فيعالجان تجربة الماغوط والحاج الأولى تحديداً، لجهة اتّصالهما بسابق الشعر المنثور، من جهة، ولجهة تفاعلهما بتجديدات الشعر الفرنسي المتأخّر، من جهة ثانية. كما يعالج هذان الفصلان مجموع الأبنية في المجموعتين وفق قراءة نسقية لها، كما تتجلّى في “مستويات” كلّ قصيدة. وهذه الوقوفات المختلفة تندرج حسب الكاتب في منظور تاريخي شعري، ما يكشف عن الخروج المتعدّد والمتنوّع على الشعرية المعهودة، صوب قصيدتين مختلفتين، غير متباعدتين، بل متفاعلتين: “قصيدة التفعيلة”، و”قصيدة النثر” (كما جرت تسميتهما) ، كما يكشف خصوصاً عن نموذجين مختلفين في بناء قصيدة النثر بالعربية، ما يجعل المنطلق مفتوحاً على التعدّد والتباين.

قصيدة النثر في الخطاب الموازي

يتوقّف القسم الثاني من الكتاب عند مسائل متّصلة ب”الخطاب الموازي” لقصيدة النثر، أي الخطاب الّذي عالج هذه القصيدة، بين تعريف ونقد وترجمة، والّذي تعالق معها، بين فلسفة ثقافة وسياسة. ذلك أنّ هذه القصيدة صنيع ثقافي بمقدار ما هي صنيع أدبي ولغوي، أي أنّها صنيع لا يتعيّن فقط في نطاق الشعر المخصوص، وإنّما يستمدّ كذلك عناصر نشأته وبنائه من خطاب موازٍ  له، ما يتعيّن في القراءة، في الإطّلاع، في التثاقف، كما في الانضواء الحزبي، أو الإيديولوجي. هذا ما قاد البحث إلى فحص الخطاب المتعالق مع هذه القصيدة، معالجاً أسباب التفاعل وظواهره وتجلّياته، ما يقوم في : الترجمة، والنقد، والتفلسف وغيرها من علوم إنسانية مختلفة. وتبقى الحاجة إلى درس هذا الخطاب لازمة في قصيدة النثر، ربّما أكثر من غيرها من أصناف الشعر العربي الحديث، ما دام أنّها انطلقت من لزوم التّفاعل مع شعر الغير، وبما تبلور فيه من نماذج وأساليب وأشكال وقيم وظواهر، بل قد تشكّل هذه القصيدة أوسع انخراط للشعر العربي في الشعر الأجنبي، من جهة، والأشدّ تجذّراً وانغماساً في قضايا الحاضر العربي، من جهة ثانية.

نحو شعرية جديدة ومغايرة

لقد سعى هذا الكتاب إلى تجنّب الجدل الخلافي حول القصيدة، من دون أن يتغافل عن أسباب الخلاف وحججه، طالباً إعادة هذه القصيدة إلى نطاقها المخصوص: في تاريخها، وأبنيتها، وشعريتها. كما لم يسلّم الكتاب سلفاً ب”شعرية” هذه القصيدة، بل جعل منها موضوع فحص، على أن يثبت الدرس شعريتها. والأكيد هو أن هذه القصيدة تكفّلت بأكثر من تحدٍّ، في أسباب قيامها، وجاهرت بإحداث شعرية جديدة للقصيدة، ما جعل مهمّة الدارس أصعب بالضرورة.

ولعلّ أهمّ ما خلص إليه هذا الكتاب هو إقراره بأنّ ما ابتدأ في قصيدة النثر (وفي غيرها قبلها) أخرج القصيدة من الشعرية العربية القديمة والمعهودة، ومن “العمود” باختصار. بل زادت هذه القصيدة من شعريّة الشعر، وأغنتها، وجعلتها تواكب مثلما تصنع جمالية متواشجة مع أكثر من فنّ. وما كان ينتظم في مثال يحتكم إلى مرجعيته الداخلية الخاصة به، بات يتعيّن بالتفاعل والتأثّر بغيره، بمرجعيات مغايرة، ما أدخل الشعر العربي في “عالمية” غير نظامية، لكنّها قابلة لحوارات ممكنة مع شعر الغير.  ولهذا هي قصائد، وليست قصيدة. وهي ليست شكلاً أو نوعاً، وفق الفهم المتداول. إنها تنتقل بالشعر والنثر وغيرهما إلى حيث لم يكونا أبداً، ما يجعلها، كبناءٍ لغويّ وأدبي، مغايرة وغير مستقرّة، وما يجعلها، كبناء جمالي، تتعالق وتتفاعل مع “موجات” الفنّ الحديث، ولا سيما في تشكّلاته التجريبية.

وإجمالاً، يرى الكاتب أنّ قصيدة النثر حملت إلى الشعر العربي المتأخّر شعرية جديدة، مغايرة، ما يحسب لها، لا ضدّها. وما تمثّل في مساعٍ أولى مع القصيدة المنثورة، بين الريحاني وجبران وغيرهما، ثمّ مع قصيدة النثر بين الماغوط والحاج وغيرهما، انتهى إلى أن يكون صنفاً عامراً في العربية، بعدد شعرائه، وانتاجاته، وترجماته، والدراسات المخصّصة له، هنا وهناك، فضلاً عن أنّ هذه القصيدة جدّدت، في أحوال كثيرة، طرق النّظر إلى الشّعر والقصيدة والشعرية. بل يمكن القول إنّها استجابت لتحدّيين متباينين ومتلازمين: التّفاعل مع تجارب شعرية متعدّدة في العالم، من جهة، و”إبراز” جوانب من عالم المتكّلم بالعربية، وأحواله، من جهة ثانية. وهو ما لم يضطّلع به سابق القصيدة العربية، أي أن تكون متجذّرة ومنفتحة في آن، وأن تكون تعبيراً وإرسالاً منغمسَين في التاريخية الاجتماعية، فضلاً عن الجمالية.

://www.alaraby.co.uk/diffah/book