بهاء إيعالي.. الشعر ثقيل كجثّة متيبّسة (*)
الشِّعر كلّما نزل إلى الدونية والفوضى، كلّما كان شِعراً
(*) إن السؤال عن اختياري للشعر هو السؤال الذي سأمضي أيامي وأنا أبحث عن إجابةٍ عنه، فأنا لا أعرف من اختار الآخر، أنا من اختاره؟ كنت أحلم أن ألعب كرة القدم في نادي ليفربول لكن كسرت اصبعي فتخلّيت عن هذا الحلم. هو من اختارني؟ فلنفكّر قليلاً.
قبل 3 سنواتٍ ماتت كريستين، الفتاة التي لم تحبّ الشعر يوماً ولن تحبه. يقال أن كل ما أكتبه أكتبه لها. لكن لا أعرف إن كان ذلك صحيحاً أم لا، فأنا لا أعرف لمن أكتب في الحقيقة، حتى أنّني لا أعرف لا متى ولا كيف. كلّ ما أعرفه في الحقيقة هو أنّني أكتب، في الحقيقة أنا لا أكتب، أنا أعوي. وفقط.الطريق التي اوصلتني إلى الشعر لا تشبه الشعر إطلاقاً، أنا تأخرت كثيراً لأعرف الشعر حقاً، وكل ما قرأته لم يكن له علاقة بالشعر، الشعر ثقيلٌ كجثّةٍ متيبّسة، وأنا كنت أحلم أن أكون خفيفاً ولكن…

علاقتي العابرة مع الشعر لم تمنعني بأن أجعله صديقاً دائماً، قرأت لسليم بركات، لوديع سعادة، لسركون بولص، للوتريامون، لبودلير، لريتسوس، للانهيدوانا، لهوميروس… لكنّني في الحقيقة لم أفكّر يوماً بأنّني متأثّر بهم أو بواحدٍ منهم، بل إنّني أعتقدُ أنّ ما قاله محمود درويش في قصيدته “إلى شاعر شاب” يجب أن تكون إنجيل الشعراء. ليس أكثر.

القول بأن الشعر ما زال قادراً على التعبير هو أمر صحيح، لكنّ لا داعي لتأليهه، بل إنّني أرى أن الشعر كلّما نزل إلى الدونية والفوضى، كلّما كان شعراً. في النهاية اسمه “شعر”.

تأخرت كثيراً في نشر كتابٍ لي، حضّرت خلال هذه الفترة أعمالاً عديدة، وكلها يمكنني نشرها، لكّن تأخري في النشر علمني أشياء كثيرة، أهمها ان الكتاب ليس صالحاً للنشر إلا حين تتأكد أنّه غير صالح لذلك، ولو أنّني نشرت وقتها لكنت الآن جمعت نسخ الكتاب وأحرقتها. هذا ما لن يحدث في الحقيقة. أما اليوم. فيكفي انّ كتابي وصل حيث يجب.

قصيدة:

زهرة الباباتيا

 

أطيلُ النّظرَ في الحقلِ البَعيد
كلُّ ما ألمحهُ بقايا عِطر لكِ
مثلما تَجْمعُ الأرضُ عَبيرَها بينَ بُتْلَتينِ صَغيرتينِ خَفيفتينِ
ومثلما في مَدينةٍ مُكتظّةٍ أستمعُ لِكنارٍ مُختَنِقٍ
أحاولُ جمعَ هذا العِطرِ في زُجاجةٍ ضيّقةٍ
أغنّي لفتاةِ الحَقلِ:
لا تركُضي كثيراً، إنّها زهرةُ البَابَاتيا
يُزعِجُها كَثْرَةُ الرّكضِ فوقَ جُثَثِ العُشْبِ؛
هكذا
كُلّما أرادَ العِطرُ أن يسيرَ بين جَنباتِ المَدينةِ
أقولُ: با با تيا، باباتيا
فيخرجُ بروميثْيوس منْ قيودِهِ

لينشر العطر بدل النار.

طفلةُ الحَقْلِ أَخرَجَتْ يوماً نايَها الصّغير

رآها ظِلّي وأشفَقَ على رأْسِها
بِبالِهِ
رُبّما
الشّتاءُ يَنتهي
وتَتَبَخّرُ رائحَةُ صَمْتِ الأشجارِ
ربّما
ما قالَتْهُ زهرةُ الباباتيا عن غِنائِها
لا يُكتَبُ في سجِلّاتِ الأحوالِ الشّخصيةِ
وربّما
ما أَخْبَرَها بهِ ستيفن سوفيسْتري أنّها البُرْجُ الذي لم يُصمّمْهُ

صَدّقَتْهُ

قد كانَ عِطْرُكِ رَقيقاً كورْقَةِ تبْغٍ أيّتُها الباباتيا

وقد كانَ وجهكِ القَرويُّ الأبيضُ
فيما كانَ الرَّصاصُ يَرتفعُ إلى وجهي
مَرْوحةً يَتّقي بها الحالِمونَ ذَوَبانَ المَوت
وحقلَ ذُرةٍ يعوِّدُني أنْ أقِفَ في وِسْطِهِ كفزّاعَةٍ للغِربان؛
أخْبَرَتْني
بينما سَقَطَتِ الرّصاصةُ قَبلي بشعرةِ كَلْبٍ
أرقصُ وطِفلةَ الحقلِ لتذوبَ الرّصاصاتُ قبلَ أنْ تصلَ إليكُمْ
كان ينبغي أن تُخبِريني أنَّ طفلةَ الحقلِ كَسَروا نايَها

فلم يبقَ سوى البندقيةُ آلةً موسيقيةً ترْقُصُ عليها.

كم بَلَّلَتْني الريحُ وأنا نائمٌ

وكم تَثاقَلَ وجهي وهو يَخْرجُ نحوَ أقدمِ أثَرٍ لقَذيفه.

أرسمي الحقلَ جَسَداً

أينما لمَسَتْهُ الطفلةُ تذوب
لئلا يَطالَها الدّخانُ
أرسميهِ جداراً لم تُعَلّقْ عليهِ نَعْوةُ مُناضِلٍ شيوعيٍ
وارتفعِي فوقي، فأنا لم أصلِ للغَيمِ بعدُ

ولن أكون إلا جِلْدَةَ أرضٍ تجْلِسِينَ فوقها.

(*) مساهمة بهاء إيعالي في ملف “الشعراء الجدد… لماذا أتيتم إلى الشعر؟”

https://www.almodon.com/culture