أكرم الأمير.. رحيل مبكّر عن الشعر
(كريم الأمير خلال تصوير إحدى قراءاته)

في نهاية مجموعته الشعرية “طيور تفضّل المشي” (2014)، كتب الشاعر العراقي أكرم الأمير “أعتقد أن هذا يكفي، لقد متّ وانتهى الأمر”. رحل الشاعر البصراوي الشاب أول أمس في مدينته بعد صراع مع سرطان الرئة عاش معه معاناة طويلة قبل أن يفارق الحياة تاركاً الكثير من القصائد التي تكشف عن موهبة لم نعرفها بما يكفي.

قبل أشهر، كان أصدقاؤه يخرجون إلى التظاهر في شوراع البصرة حاملين اسمه على يافطة معهم، لأن جسده كان أوهن من المشاركة. كما يبدو أن حساباته على تويتر وفيسبوك مثل ذاكرة يستعين بها في مرضه، فيكتب وينشر ويتواصل، وفيها سنجد مجموعة من أحدث ما كتب من قصائد، وربما تكون الأخيرة هي “لا يوجد شيء اسمه الرقم واحد”.

سنقرأه وهو يفكّر في رئته وجسده بتغريدة صغيرة على حسابه في تويتر عام 2012، فيقول: “رائحة تطهّر رئتي من نجاسة التبغ، وتعيد لكريّات دمي رونقها الطفولي، لمسة تمشط ما في اليدين من خطوط عكرتها الأزمنة”، لكننا نراه جالساً في أمسيات شعرية وسيجارته لا تفارق يده.

بموت الأمير، أحد الأسماء التي ظهرت ما بعد 2003، ننتبه إلى شعره، ونفتح تسجيلات يوتيوب لنسمعه وهو يقرأ في تظاهرات شعرية؛ خاصة في “مهرجان المربد الشعري” الذي شارك فيه أكثر من مرة. نسمعه يقول “القارب يبدو أثقل حين يلامس اليابسة، يتمسك بالطين كما لو أنه يريد أن يعود شجرة، هكذا هي الأجساد ثقيلة بعد الموت”.

درس الأمير الفنون الجميلة في جامعة البصرة وتخصص في المسرح، وكان أيضاً إعلامياً في رابطة السينما والتلفزيون وعمل مع المركز الوطني للتنمية البشرية، ونشر العديد من القصائد في مواقع مختلفة، لعلّ ما لم يصدر منها في كتاب سيجد بين أصدقائه من يجمعها وينشرها.

ساءت حالة الأمير الصحية في السنة الأخيرة إلى درجة كبيرة، ما جعل “اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين” يناشد وزارة الصحة والجهات الرسمية، للتدخل لإنقاذ حياته، حيث طالب بنقله من الهند التي سافر إليها وأجرى عملية تأزمت صحته بعدها، إلى مشافي بغداد، وهو الذي وصفه بيان الاتحاد آنذاك بأنه “الاسم الإبداعي الأصيل، والطاقة الشابة المثابرة، والاهتمام به يعني ربح الوطن لجيل يحمل مشعل الثقافة والمعرفة”.

من قصائد الأمير واحدة بعنوان “ذاكرة”:
الماضي،
قطرةُ زيتٍ محروق
تفترسُ مُفكرتي الصغيرة،
تمتد …
في الانتظار…
ذوبان حروف،
لا خلاص لورقي القادم،
الزيتُ صيادٌ ماهر
بعينين يعانقهما (الاستكماتزم)
لا يفرقان بين النسور الجارحة والنوارس،
حروفٌ تشابهت،
عالمٌ من مسوخ
يعرفونني أخافهم
مفكرتي
فتيل أيامي المحاكةِ بالتعاسةِ والوجع،
وجعٌ لا يدعني اشتاق اليه،
تعاسة تشابهتُ معها بالملامحِ،
حديد وهواء رطب
ليلة حمراء…
الصدأ جنين!

عن هذه القصيدة، يقول الناقد سعد الدغمان: “وظّف الماضي بصفته المعاشة كتاريخ سردي انطلق منه لصياغة فكرة القصيدة، وبناء الحبكة لترسم صورة الحدث الذي تناوله، وعبّر عنه كخلجات بينها في أبياته تعبيراً واضحاً ينقل مشاعره تجاه الأحداث التي عصفت بحياته، ليجسّدها للقرّاء كتجربة حياتية معبّرة عن الذات بصيغة السرد الذاتي… جاء توصيفه بصيغة التشبيه التي استخدمها بصورة الزيت المحترق، وهذا الاحتراق لا يخلف وراءه من أثر سوى رائحة تبقى عالقة في الأذهان، وبقعة أرض محروقة”.

وعن “طيور تفضّل المشي”، يقول الدغمان: “ضمّت 26 قصيدة مختلفة البناء والأسلوب من بين عناوينها: “كرات ثابتة”، “ما قبل النهار”، “30 يوماً”، “مصابيح طلع”، “بليا تشو”، “جوع”، “مجمرة الليل”، “تسع ثوانٍ”، وغيرها من العناوين. عالج مواضيعه بلغة بسيطة، واستخدم التشبيه والوصف والمقارنة، ولجأ للمضارع لاستمرارية الحدث، وركز على الماضي كواقع معاش”.

من قصائده الأخيرة التي نشرها على صفحته في “فيسبوك”:
حين أنهى الأخرس حديثه الطويل،
طقطق أصابع يديه!
فبين حديث وآخر ترتجفُ اصابعه
كما لو أنها تجر نفَساً،
هذا الأخرسُ، صديقي
وهو ايضاً لا يلفظ حرف “الراء”!
ففي حربِ 2003 حينَ كُنا بِمتناول الشظايا،
خسر احد أصابعه!.
هذا الكائنُ المهجور
يعيشُ الصمتَ وكأنه في عبورٍ مستمرٍ للشارع!
ودائماً عندما أتحدث معه، لا يحرك يديهِ ابداً،
فلقد عرفتُ هذا الرجل مؤدباً ولا يقاطعُ كلامَ أحد!
صديقي الأخرس هذا،
حاول مرة أن يقول كلمة “صواريخ”،
حينها شعرتُ بأن كفه يصفع وجه العالم!

((العربي الجديد))