جهاد مجيد

ملأ المفكر النابغة علي الشوك سنوات عمره بالعطاء المتميز الثر, وبالعمل الثقافي والإنساني الفذ. وصفتُه قبل أسابيع لأحد الأصدقاء بسنديانة الثقافة العراقية؛ وهو وصف جدير به وبقلة قليلة من المبدعين العراقيين الذين زامنوا أجيالاً مختلفة في عقود مختلفة.

رحل علي الشوك وترك إرثه الفكري الكبير بصماته الواضحة بارزة في تاريخ الثقافة العراقية والعربية. رحل عنا قبله مبدعون كثر, مبدعون من الطراز الأول تركوا في نفسي كما في نفوس كثيرين غيري آثاراً للأسى والحزن وهم أهل بكل ما نقابلهم به من التقدير والتبجيل والحفاوة , لكنني لم أنبر للكتابة عنهم كما أفعل الآن للكتابة عن رحيل سنديانة الثقافة العراقية أستاذي الجليل علي الشوك، وسبب ذلك معرفتي الشخصية بهذا الرائد المعطاء من رواد الحركة الفكرية التقدمية في العراق .
لقد تشرفت بأن أتعرف على علي الشوك وأنا على مقاعد الدراسة, فقد درسني الرياضيات في الثانوية الجعفرية الأهلية النهارية, وكانت الجعفرية وقتذاك ملاذاً للاساتذة الوطنيين والتقدميين والشيوعيين ممن طالتهم هجمة انقلاب شباط الدموي الفاشستي عام 1963 بعد خروجهم من السجن أو بعد اعتقالهم في العهد العارفي ولكن لم يُعادوا الى وظائفهم فتوجهوا الى العمل في مجالات أهلية وواحد منها الثانوية الجعفرية التي كان مديرها الأديب المعروف محمد جواد الغبان وهو واحد من الرعيل الاول المؤسس لاتحاد الأدباء العراقيين. حل الراحل علي الشوك للتدريس في الجعفرية كما حل فيها أساتذة آخرون من بينهم الاديب هاشم الطعان, وحتى المفكر الاقتصادي الاشهر إبراهيم كبة وزير الاقتصاد في حكومة عبد الكريم قاسم اضطر لتدريس مادة الانكليزية في هذه الثانوية.
وكأديب كبير ومربي قدير رعى علي الشوك الملكات الأدبية لدى الطلاب, وهذا ما فعله الاستاذ هاشم الطعان فتوشجت أواصر العلاقة الثقافية بهذين الاستاذين التاريخيين بالنسبة اليَّ. وقد تشرفت بأن قرأ لي أستاذي علي الشوك قصصي التي أحسست بنضجها قبل أن أضعها بين يديه وكانت أربعاً. وقد استقبلها باهتمام ودوَّن ملاحظاته عليها بعناية مما عزز فيَّ الثقة بما أكتب ؛ فدفعت باثنتين منها لتنشرا في مجلة (العاملون في النفط) ولم أستطع نشر الثالثة لأنها كانت تتناول كارثة انقلاب شباط والتي قال عنها الاستاذ الشوك إنها أثارت شجونه والى الآن أنا متأسف لعدم نشري الرابعة، والتي كانت بطلتها لاجئة فلسطينية يدفعها الحنين الى بيتها في الأرض المحتلة الى محاولة اجتياز اسلاك المخيم الحدودي ليرديها الجنود الاسرائيليون قتيلةً على أرضها بعد أن كانت قد مرّت بالجنود العرب السادرين عن حالهم والقصة بمثابة نبوءة بما عرف فيما بعد بنكسة حزيران.
في الفترة ذاتها عرضت على استاذي علي الشوك مقالة لي منشورة في ملحق جريدة الجمهورية المعروف( بالبرتقالي) والمقال عبارة عن سجال بيني وبين أحد الكتّاب ممن لهم حظوة آنذاك في الصحافة الرسمية لكن الاستاذ الشوك أخبرني انه غير ميالٍ الى أسلوب المجادلة والمنابزة في الحوار.
بعد سنوات التقينا في اتحاد الأدباء- بعد تأسيسه الثاني- مطلع السبعينيات من القرن الماضي وكذلك الاستاذ هاشم الطعان وقد عاملاني كزميل برحابة صدر وروحية عالية تنمان عن كبر في نفس ووعي أصيل.
في منتصف سبعينيات القرن العشرين عقد في بغداد مؤتمر كتًاب آسيا وافريقيا والتقينا بأدباء كثيرين من كل القارات وكنا نحن الأدباء الشباب آنذاك شغوفين بذلك وتكفَّل الاستاذ علي الشوك من دون كلل بمهمة تعريفنا لهم وبهم والقيام بالترجمة لنا ولهم وهو الاستاذ الكبير. وكنا شبيبة أدبية بمثابة تلامذة له على جميع الصعد. وقتذاك كنت قد نشرت روايتي الأولى (الهشيم) فذكرها لأحد الكتّاب من غانا؛ فقال مستغربا: من الصعب أن يكتب رواية وهو بهذا العمر !!
وما أن ترجم الأستاذ الشوك عبارته، سارعت لاجابته بانكليزيتي المتواضعة جدا :
If the conditions life were difficult ,writing the novel becomes easy.
وقد استعنت لاحقا لكتابتها بصورتها الصحيحة ( اذا كانت شروط الحياة صعبة فان كتابة الرواية تكون سهلة.)
أعجب أستاذي بردِّي؛ وقال بالحرف الواحد: برافو عليك.
ويصدف أن يصحبني يسيارته المسكوفج البيجية في طريقه الى بيته عبوراً من الرصافة إلى الشواكة، فكان يستثمر الوقت وهو يدعوني الى نبذ الحدة او التطرّف سواء في الاتحاد أو في المساجلات الثقافية كما كان يفعل حين كنا نعبر جسر الاحرار مشياً من ساحة(الوثبة) حيث كانت الثانوية الجعفرية الى الشواكة لأودعه، مواصلاً السير إلى (علاوي الحلة). وكان في المشوارين هو هو ..التفكير الهادئ..النبرة الصوتية الهادئة..تضييق العينين عند الكلام وكأنه يدقق النظر في عبارته قبل أن يفوه بها وكان تأثير القراءة جلياً في عينيه.
في تلك الفترة فاجأ الاستاذ علي الشوك الأوساط الثقافية المحلية والعربية باطروحته( الفنطازية ) في كتاب جلب فيه الرياضيات الى الأدب وذهب بالأدب الى الرياضيات، ثم أعقبه بكتابه المدهش (الدادائية). وكلا الكتابين عكسا تفوقه الذهني والمعرفي في المشهد الثقافي.
ومنذ اواخر السبعينيات غيبتنا الحملة الديكتاتورية الشرسة عن بعضنا بعضاً، ولم ألتق به إلا أواخر الثمانينيات حينما جاء في أحد الملتقيات الثقافية, وكان مضطراً للمجئ, بسبب شأن عائلي مهم جدا كان عليه أن ينجزه , أمر غاية في الأهمية يتعلق بحياته العائلية.
وكان اللقاء به مناسبة سعيدة لا توصف, انفردنا أكثر من مرة وكنت أتابعه عبر الهاتف الذي زودني برقمه وأظنه هاتف بيته في الشواكة. وحين ودعته شكا من جحود الأدباء الذين له أفضال عليهم ولم يهتموا به. وربما لم يجيئوا حتى للسلام عليه. وكان محقاً في ذلك , فللأستاذ علي الشوك أياد بيض على كثير من الادباء وبتأكيدهم على ذلك، فالقاص الكبير فؤاد التكرلي يذكر دوما أن لعلي الشوك الفضل في نشر مجموعته الأولى (الوجه الآخر) بعد ان ضاقت به سبل نشرها. وذكر لي مباشرة صديقي القاص الراحل غازي العبادي:انه حينما قرر ترك التعليم والذهاب للدراسة في الاتحاد السوفيتي وكان علي الشوك يشغل منصباً فاعلاً في التربية وجهه الى القيام باجراء ووافق له عليه ليضمن له حقوقه الوظيفية ولولاه لما حصل عليها بعد عودته من الدراسة. وعلى صفحات مجلة المثقف التي كان علي الشوك أحد أركانها المهمين نمت مواهب بكر لكثير من الأدباء في الخمسينيات والستينيات. وقد بشَّر هو بالكثير من التجارب التي اكتسبت أهميتها لاحقاً. ومجلة المثقف من أبرز المجلات الثقافية في تاريخ الحركة الادبية والفكرية في العراق ولا تضاهيها في هذه المكانة ولا الدور الذي نهضت به إلا مجلات قليلة ومنها مجلة المجلة التي كان يصدرها المفكر العراقي حسين الرحال ومجلة الثقافة الجديدة التي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي ومجلة الكلمة النجفية التي أصدرها حداثيو الأدب آنذاك حميد المطبعي وموسى كريدي وعبد الأمير معلة وعبد الاله الصائغ. وقد أمدني الاستاذ علي الشوك بأعداد من مجلة (المثقف) التي انقطع صدورها بعد انقلاب 63 الدموي، وكانت فرصة ثمينة للاطلاع على تجارب لم يكن متيسراً الإطلاع عليها آنذاك، لان أصحابها أما في السجون او المهاجر أو متوارون في بقاع مجهولة من الوطن .
إن الاستاذ علي الشوك هو المثقف العراقي الامثل الذي تنطبق عليه صفة المثقف العضوي فهو منذ تخرجه من الحامعة الاميركية في بيروت أواخر الأربعينيات نشط بشكل بارز في الحركة الثقافية العراقية, وأسهم في تأسيس جمعية الخريجين أبان العهد الملكي وكانت جمعية نشطة ثقافياً وسياسياً ولعبت دوراً جوهرياً في شحذ وتحفيز المثقفين للعمل الثقافي والسياسي والاجتماعي. وانبثقت عنها مجلة مهمة هي مجلة( المثقف ) بتميزها بالتجديد والرصانة والمبدئية, وواصلتا-الجمعية والمجلة-نشاطاتهما في العهد الجمهوري واستقطبتا أفواجاً جديدة من المثقفين المبدعين واستمر احتضان التجارب الجديدة المتميزة في الشعر والقصة والفن. وفي السبعينيات كان علي الشوك فاعلاً في اتحاد الأدباء إدارياً وثقافياً. وفي الغربة ازداد نتاجه الفكري, وكنت اتلقف اخبار اصداراته التي ما كان ميسورا الحصول عليها, وهي كشوفات في الموسيقى واللغة والفلسفة والأديان خاصة وكتابة الرواية.
ثم…رحل السنديانة.. رحل تاركاً في القلب أسىً بليغاً وغصة شديدة, ولكن الأشد وقعاً الغصة التي حملها معه الى مثواه وهي الإهمال الذي قوبل به من مواطنيه ووطنه العراق، الذي قدّم له العطاءات الكبيرة التي بذل فيها عصارة جهوده الذهنية والبدنية . كان حرياً ,بل كان واجباً ,على وزارات الثقافة المتعاقبة منذ 2003أن تحتفي بسنديانة الثقافة العراقية, كأن تخصص له أسبوعاً ثقافياً او حلقة دراسية في الأقل, لتعميم عطاء هذا المفكر الرمز, العراقي الرمز, وحري باتحاد الأدباء ونقابتي المعلمين والصحفيين إقامة حلقات دراسية أو ندوات فكرية لتناول آثاره القيمة.
وحري بأمانة بغداد أن تطلق اسم هذا البغدادي العريق على أحد شوارعها أو إحدى ساحاتها؛ فهو ابن الشواكة التي حملت اسم عائلته والتي ولد فيها كما ولد فيها أجداده..لكنه…لم يعد إليها ككل العراقيين الشرفاء الذين رحلوا جسدياً في مغترباتهم.
فلنطلق اسم ( علي الشوك ) على أحد معالم شواكته؛ ليخلِّد الاسمُ المكان.

((المدى))