علاء رشيدي

يعتبر كتاب “طرق الرؤية”، الذي يضم محاضرات قدمها المؤرخ والناقد الفني البريطاني والروائي والشاعر الراحل جون برجر (1926-2017)، على شكل برنامج سمعي بصري لصالح قناة “بي بي سي”، واحداً من العلامات البحثية والنقدية الفارقة في تاريخ الكتابة للفن التشكيلي، وفي ظهور المقاربات التحليلية السيميائية الجديدة التي تتعامل مع اللوحة ومع الدراسات السوسيولوجية التي تتعلق بالفن التشكيلي في علاقته مع المجتمع.
يتألف الكتاب – الذي أنجز ترجمته العربية الكاتب السوري زياد عبد الله (دار المدى) في نفس سنة رحيل صاحبه عن عالمنا – من سبع مقالات مرقمة، ويمكن قراءتها بأي ترتيب، أربع منها تستخدم الكلمات والصور، وثلاث تستخدم الصور فقط، أي إنها مقالات مصورة خالصة (في طرق رؤية المرأة وفي السمات المتناقضة لتقليد اللوحة الزيتية) وهي تسعى إلى إثارة أكبر قدر من الأسئلة كما لو أنها مقالات شفاهية.
ينطلق برجر من أن “الرؤية تسبق الكلمات. ينظر الطفل ويدرك قبل أن يكون بمقدوره الكلام، لكن هناك معنى آخر لكون الرؤية سابقة للكلمات. إنها رؤية ما يؤسس مكاننا في العالم المحيط، نشرح العالم بالكلمات، لكن الكلمات لن تلغي حقيقة إننا محاطون به. والعلاقة بين ما نرى وما نعرف لم تحسم يوماً. نرى في كل مغيب الشمس، نعرف أن الأرض تفارقها، هذا عدا أن المعرفة، التوصيف، لم ينسجما تماماً مع البصر”.
في المقالة النصية الأولى يناقش برجر الأساليب التي تستقبل فيها الصورة بصرياً من قبل المتلقي: “تتأثر الطريقة التي نرى بها الأشياء بما نعرفه وبما نعتقد به. عندما كان الناس في القرون الوسطى يؤمنون بالوجود المادي للجحيم كان مشهد النار يعني لهم شيئاً مختلفاً عما يعنيه لنا اليوم. ما إن ننظر حتى نعي بأننا يمكن أن نكون موضوعاً للنظر أيضاً. تندمج عين الآخر مع أعيننا بما يضفي مصداقية كاملة على كوننا جزءاً من العالم المرئي. كل صورة هي نظرة أعيد خلقها وإنتاجها. إنها ظهور، أو مجموعة من التمظهرات، اقتطعت من المكان والزمان وقد ظهرت وحفظت فيهما”.
يوضح برجر التغيرات التي أدخلتاها آلتا التصوير الفوتوغرافي والسينمائي على مفهوم المنظور الذي نشأ وترسخ في عصر النهضة، ومن ثم تعرض إلى التغيرات والتحولات مع ابتكار الكاميرا الفوتوغرافية والسينمائية: “قامت آلة التصوير الفوتوغرافية بعزل المظاهر الآنية للأشياء، وبذلك دمرت فكرة ديمومة الصور. وبطريقة أخرى، أظهرت آلة التصوير أن فكرة الزمن العابر ليست مسألة منفصلة عن التجربة البصرية (باستثناء اللوحة الزيتية)”.
ويضيف برجر عن المنظور “إن ما تراه يعتمد على موقعك عندما رأيته، وله علاقة بوضعك في الزمان والمكان. لم يعد ممكناً تخيل أن كل شيء يتجه ويتلاقى في العين الإنسانية كما يتجه ويتلاقى عند نقطة التلاشي في اللانهاية. ليس معنى هذا أن الناس قد آمنوا قبل اختراع آلة التصوير أن باستطاعة كل إنسان أن يرى كل شيء. لكن المنظور قام بترتيب المجال البصري كما لو أن ذلك هو النموذجي فعلاً. كل رسم أو لوحة استخدمت المنظور، أوحت للمشاهد بأنه المركز الفريد للعالم. لكن آلة التصوير الفوتوغرافية، والسينمائية على الخصوص، أظهرت أنه لم يعد هناك مثل هذا المركز”.
في المقال النصي الثاني يتناول المؤرخ والناقد برجر حضور المرأة في الفن التشكيلي، اللوحة خصوصاً، منذ العصور الأولى للتصوير الزيتي الأوروبي الخاص بالمرأة العارية التي شكلت فيها النساء الموضوع الرئيسي المتكرر دوماً. وهو الذي نستطيع أن نكتشف فيه بعضاً من المعايير والأعراف التي جرت بواسطتها رؤية النساء والحكم عليهن كـ “منظر”.
في المقال الثالث يلفت برجر النظر إلى علاقة من النادر أن تمَّت الكتابة عنها، وهي تلك العلاقة بين اللوحة والثروة والتملك، فيكتب “تصور اللوحات الزيتية في أغلب الأحيان الأشياء التي يمكن شراؤها في الواقع. أن تمتلك شيئاً مصوراً وموضوعاً على سطح اللوحة لا يختلف في شيء عن شرائك له ووضعه في منزلك. وعندما تشتري لوحة تشتري أيضاً مرأى الأشياء التي تصورها اللوحة. إن اللوحة قبل أن تكون شيئاً آخر، هي عبارة عن أشياء بذاتها يمكن شراؤها وامتلاكها، إنها أشياء فريدة. إن راعي الفن لا يستطيع إحاطة نفسه بالموسيقى والقصائد بالطريقة ذاتها التي تحيط به لوحاته الخاصة”.
في هذا الإطار كتب الأنثروبولوجي كلود ليفي شترواس: “إنها هذه الرغبة الحادة الطامحة إلى الاستحواذ على الشيء لصالح المالك، أو حتى لصالح المشاهد، وهو ما يبدو لي أنه يشكل إحدى السمات الأساسية البارزة للفن في الحضارة الغربية”.
يتابع برجر عن قيمة اللوحة ضمن نظام المجتمع الرأسمالي بالتوضيح: “لقد فعل التصوير الزيتي بمظاهر الأشياء ما فعله رأس المال بالعلاقات الاجتماعية. لقد أحال كل شيء إلى تعادل الموضوعات، فأصبح كل شيء قابلاً للمبادلة لأن كل شيء قد تحول إلى سلعة، والواقع برمته يقاس آلياً بكونه شيئاً مادياً. تستطيع اللوحة أن تتكلم مع الروح عن طريق ما تشير إليه لا عن طريق ما يتم تصوره في الذهن أبداً. وبهذا أصبحت اللوحة الزيتية ناقلة لمظاهر الأشياء الخارجية”.
وعن العلاقة بين اللوحة والثروة يقول: “احتفت الأعمال الفنية الباكرة للتراث بالثروة التي كانت في تلك الأيام رمزاً لنظام اجتماعي أو إلهي ثابت. واحتفى التصوير الزيتي بنوع من الثروة الدينامية التي وجدت تسويغها الوحيد في القوة الشرائية العظمى للنقد. لذلك كان على اللوحة بالذات، أن تكون قادرة على إظهار مرغوبية ما يستطيع النقد شراءه. والمرغوبية البصرية لما يمكن شراؤه تكمن في محسوسيته المادية، وفي الكيفية التي سيجري فيها اللمس ليد مالك هذا الشيء”.
في المقال النصي الرابع والأخير، يعالج برجر موضوعة الإعلانات التجارية في حياتنا المعاصرة “في المدن التي نعيش فيها، كلنا نرى مئات الصور الإعلانية كل يوم، ليس هناك من صور أخرى تواجهنا بمثل هذا التكرار، ولا يوجد مجتمع آخر في التاريخ واجه مثل هذا التركيز في الصور، ومثل هذه الكثافة في الرسائل البصرية. لقد اعتدنا على مخاطبة الصور لنا إلى الحد الذي لم نعد نلحظ فيه وقعها الإجمالي علينا. إننا نتقبل النظام الشامل للصور الإعلانية كما نتقبل عنصر الطقس”.
يحاول برجر أن يوضح للقارئ الأثر التي تشكله الإعلانات في حياتنا المعاصرة من وجهة نظر التلقي البصري، فهو يرى أن الإعلانات التجارية هي لغة ومنظومة بصرية تحاول التأثير على وعي المتلقي: “فالإعلان ليس مجموعة من الرسائل المتنافسة، بل هو لغة بحد ذاتها تستخدم دائماً لتقديم العرض ذاته. في إطار الإعلان تعرض الاختيارات بين هذا أو ذاك النوع من مستحضر التجميل، هذا أو ذاك الموديل من السيارة، لكن الإعلان كمنظومة، لا يقدم في الواقع سوى عرض وحيد، فهو يعرض على كل منا أن نغير أنفسنا، أو حياتنا بشرائنا المزيد، وهذا المزيد الذي يعرضه سيجعلنا أكثر غنى رغم أننا في الحقيقة سنصبح أكثر فقراً بهذا الإنفاق”.
يفكك برجر الآليات التي تعمل فيها الإعلانات التجارية على مخاطبة وعي المتلقي، والوعد الذي تقدمه له بالسعادة والمتعة، ولكن أي نوع من السعادة أو المتعة تلك؟ نقرأ إجابة برجر: “ليس الإعلان إذاً احتفاءً بالمتعة بحد ذاتها، بل هو يدور دائماً حول الشاري المقبل الذي يقدم له صورة فاتنة عن نفسه، وذلك عن طريق المنتوج، أو الفرصة التي يحاول الإعلان بيعها له. وهكذا تجعله الصورة حاسداً لنفسه قدر المستطاع. لكن ما الذي يجعله موضع الحسد؟ إنه حسد الآخرين. فالإعلان التجاري يدور حول العلاقات الاجتماعية وليس حول الأشياء. ووعده له، ليس المتعة، بل السعادة التي يقدّرها الآخرون خارجاً عنه، سعادة أن يكون محسوداً هي المتعة”.

https://almadapaper.net/Details/21574