«هذا هو فنُ الاقتحام بعينه.. أن تدخل الآخرة في رحلةٍ مستثناةٍ من قواعد الزمان والمكان وأنظمتهما الفيزيائية، وهو ما جرى فعلاً، عندما وصلنا إلى هناك مُحققين المرادَ بلقاءِ من كنَّا نريد الحوار معه.
كلُّ ذلك تمَّ عبر تلك السفرة الومضة ما بين الأرض وبين السماوات، وعندما تكفلَ ذلك البرزخ السريّ بإيصالنا إلى هناك، للقاءِ شاعرٍ سبقنا إلى السماوات ومناطقها وفنادقها وفراديسها، فالتقى أشخاصاً ورموزاً تاريخية شهيرة، وكتب عنهم مُصوّراً أحوالهم، وهو أمرٌ مثيرٌ للاضطراب، وغير قابل للتصديق الفوري في كل الأحوال»..
مقدمة، اختصرَ بها الأديب والشاعر العراقي «أسعد الجبوري» كلّ مايمكن أن نقوله عن مضمون «بريد السماء الافتراضي». الكتابُ الموسوعة، في احتوائه على حواراتٍ ثقافية-فكرية-كونية.. حوارات مبدعٍ أبى أن يحيا إلا بأنفاسِ الكلمات المنعشة والمدهشة، وفي فضاءاتٍ أيقظ أرواحها بإيقادِ حواسها. حواسُ شعراءٍ استنطقهم بعد أن استفزّهم، ببراعةِ أفكاره الحيّة والموحية.
من هنا يدخل «الجبوري» إلى عالم الموتى، مقتحماً رقادهم وباعثاً الحياة في أفكارهم. مستدعياً إياهم وسواء كانوا في الجحيم أو النعيم، إلى محاكمة تفرَّد بجعلها، بوابة دخوله الجريء إلى عالمٍ قامَ فيهِ:
«بفتح مجاري الأنفسِ والأجسادِ والنصوصِ الخاصة بالغائبين، ومن ثمَّ مناقشتها ونقل وجهات نظرهم الجديدة لقرَّائهم على الأرض مرة أخرى».
إنه الجزء الثاني لأضخم مشروعٍ إبداعي أنجزه…الجزءُ الذي كان أول من استحضره إليه وحاوره، الشاعر الإيطالي «دانتي» الذي سأله وبعد قراءته لكلِّ حياته، عن صراعه مع الجحيم ومغامراته وأوهامه.. تشرّده ونفيهِ بسبب معتقداته.. متاهته في الحياة، وتشظيّه مابين وجوده وعدمه..
عن تعايشه مع حواس الكلمات واشتعال طاقته الميتة-الحيّة، وعن ذاكرته الباحثة عن عوالم بعيدة عن الأرض وجحيمها، وعبر كوميدياه الإلهية.
عن شخصيته، عاطفته، غضبه، خياله، نصوصه ولغته وسخريته وفلسفته: «شعراء الأرض، أتوا للطواف حول جبال نار، والانتعاش بمعلقات الشياطين الصوتية المُعذِبة، وهي تتغنى بقصائدٍ عن الخداع والمذلة والهجران والقمع والكبتْ والاعتقالات ومدافع الحروب».
يستدعي «الجبوري» أيضاً، الشاعرة الروسية «آنا أخماتوفا» واجداً من «آلام الشعرِ المُثقل بكابوس الإرهاب الحديدي، الذي سبق وأن رفرف فوق رأسها»، مدخلاً إلى ما أراد منهُ تبيان آلامهِ وآلام الشّعر في أزمانٍ تتوارثُ إرهابها.
هكذا بدأ معها، باحثاً في معاناتها واضطهادها وطريقة التحامها بموتٍ تخيّله بمفرداتها: «عبارة عن رادارٍ يدير رأسهُ إلى حيث يتحرك الموت خارج الجسد، أو على مقربة منه».
تتوالى حوارات «بريد السماء الافتراضي» مُقتحمة ومتَّهِمة وكاشفة وناقدة وعاصفة، وفي استدعاءِ شعراءٍ تجاوز محاورهم، وبانتقاله بين أزمنتهم وأمكنتهم، واستعراضهُ لسيرهم وآثارهم وطريقة رحيلهم. أيضاً، ابتكارهِ لمشاهد لقائه بهم، وتحريضهم على الاعتراف بالمخفي من أسرارهم.. تجاوز، الحياة التي عاشوها، والنصوص التي أبدعوها.
إنها براعتهُ في الدخولِ إلى عوالم الخيال الإبداعي، تلك التي جعلتنا نرافقهُ استعداداً للقاء شعراء، منهم الياباني «ماتسوو باشو» الذي كان وفي مشهدٍ غرائبي:
«هارباً من نفسه ومن الآخرين. هكذا تخيّلنا المشهد عندما رأيناه راكضاً بتلك السرعة الفائقة، وهو يقطع الغابة بمعيَّة سرب نحلٍ، كان يحلقُ فوق رأسه أشبه بغيمةٍ داكنة الألوان.
لم ننتظر طويلاً، إنما قررنا اللحاق به، معتبرين مطاردتنا له عملاً أدبياً جاداً، لإجراء حوارٍ عن عوالمَ، لابد من الإفصاح عنها، ومعرفة الجوهر الذي يتشكل منه وجوده الثاني في السماء».
حتماً، هو ابتكارٌ لحياةٍ شعراء موتى، حاورهم «الجبوري» اعتماداً على نصوصهم، وبعد أن تخيّلهم، يكملون مسيرة إبداعهم في سماواتهم.
فعل ذلك أيضاً، بتمهيدهِ لحواره مع الشاعر السويدي «توماس ترانسترومر» ولكن هذه المرة عبر ملاحقته إلكترونياً، ولنتخيَّل المشهد الذي ابتكرهُ فبدأه: «عندما بعثنا له عبر الإيميل، رسالة تتضمنُ رغبتنا بمقابلته، لم يتأخر بالردّ طويلاً.. أمهلنا ساعةً واحدةً ليكون جاهزاً في المكان الذي تمَّ الاتفاق عليه، وذلك ما حصل فعلاً عندما وجدناهُ بانتظارنا على بابِ حظيرة الخيول، وهو بالملابس الرياضية، وممسكاً بيده سوطاً من الجلد الأسود».
أما عن بقية الشعراء ممن استدعاهم إلى هذا الجزء، واستقرأ أحوالهم الغيبية والأرضية، أيضاً، غرائب حياتهم ومعاناتهم وغموضهم وتمردهم وعزلتهم وعواصف أو نسائم مفرداتهم، فمنهم الشاعر السوري «بدوي الجبل» والإيراني «أحمد شاملو» والإنكليزي «بيرسي بايسش شيلي» والمغربي «أحمد المجاطي» و اليوناني «يانيس ريتسوس» والفرنسي «سان جون بيرس» والأرجنتيني «خوان خيلمان» والانكليزية «إديث سيتول» والروماني «الدادائي تريستان تزارا» والاسباني «أنطونيو ماشادو» والأمريكي «والت ويتمان» والعراقي «عبد الأمير الحصيري» والفارسي «عمر الخيام» وغيرهم..
كل هذا يدفعنا للتساؤل: هل هو هروب من عالمٍ أرضي مسكون بالدمار والموت والجهل، إلى عالم سماوي أمواته رغم «شذوذهم وجنونهم وانتحارهم» أكثر جدوى وإنسانية وإعمالاً للعقل؟.
ربما، لطالما مانراهُ من اقتتال الأحياء، يحتاج إلى من يشهد على بشاعته، وهو ماشهد عليه كُثر ومنهم «عمر الخيام» الذي قال عن بشاعة الحروب وسفكِ الدماء:
«منذ ولادة الأرض أو سقوطها من أحد ثقوب من الفضاء الكوني، وترابها يعاني سفك الدم، في السابق، كانت أدوات الموت بدائية، ولكن اكتشاف السيد «نوبل» للديناميت، ومن بعده مجيء صُناع الأسلحة الذكية، منح الهلاك حداثة استثنائية..».
بالتأكيد هو هروب «الجبوري» من حروب الأرض واقتتالات أبنائها، إلى سماواتٍ لم تمنعهُ الكآبة أو انتحار أمواتها، من إحياءِ ذاكرة نصوصهم تردُّ عنهم موتهم.. الموت في حروبٍ وضعهم رصاصها، كما وضع الشاعرة الروسية «مارينا تسفيتاييفا» في وصفها: «وضعتني الحروبُ على السبورة، ورشّتني بالرصاص الأسود للغة، كلّ حرب عشتها، كانت بمثابة إعلان مؤقت للموت، يوم كنت أكره العدم، ومع مرور الوقت، تضخم مرضي الطاعوني الطاعن بالسّن، حتى خفتُ على لغتي من الانهيار»..
باختصار.. «بريد السماء الافتراضي» هو الذاكرة السحرية والغرائبية، في قدرتها على إيقاظ الأحلام بمنبِّةِ الفكر الذي لاينام. ابتكار الخيال بذكاءٍ موسوعي، يستفزُّ العمق ويحرِّر العقل من كلّ سطحي.
هو ذاكرة الكونِ المسكون أرضياً وسماوياً، بشعراءٍ تمّت محاورتهم افتراضياً، تمت محاكمتهم وإدانتهم وقراءتهم، ومن قِبلِ شاعر رائي، سعى لإيجاد ذاكرة تتسع للعقول، بعد أن ضاقتْ ذاكرة الزمن الفضائي.
هو بريد «الجبوري» المتخم بخصوصيّته، بل الذي قال عنه بعد أن بات موسوعته:
«أحاول جدولة الشعراء الموتى في الذاكرة من جديد.. ليس هذا هو الأهم، بقدرِ هاجسي بضرورةِ محاكمةِ الشعراء الغائبين، والتفتيش في حيواتهم الأدبية والعاطفية والنفسية، من خلال التعاطي مع كل تلك الموضوعات نقداً وكشفاً وتعريةً وفضحاً..»..

http://thawra.sy/index.php/pculutre/160572-2019-01-23-00-15-23