نائل بلعاوي

«أنا من أكثر الشعراء فقراً على هذه الأرض، وأكثرهم جنوناً».
بهذه الكلمات عرف إرنست هيربيك (1920/ 1991) نفسه مرة وقبل وفاته بقليل أمام جمهور صغير في مصح شهير للأمراض العقلية يدعى ماريا غوغينغ، القريب من العاصمة فيينا والريادي كونياً على صعيد اجتراح طرائق غير مسبوقة في علاج مرضاه، تلك التي تمثلت بداية في البحث المكثف عن مواهبهم الدفينة وحثهم على الكشف عنها ثم الخروج بها تالياً إلى العلن.. إلى جمهور المسارح، إن كان النزيل ممثلاً، إلى صالات عرض الأعمال الفنية، إن كان رساماً أو نحاتاً، وإلى صفحات المجلات الثقافية والصحف ودور النشر أو الأمسيات الأدبية حين يكون النزيل كاتباً أو شاعراً.
في ماريا غوغينغ تألقت مناهج العلاج النفسي بحثاً عن الآليات الأفضل والأرق لعلاج مرضاها والاقتراب حد الإدهاش من الدوافع الأولى التي هزت سياقاتهم النفسية الطبيعية الوليدة وأدخلتهم في غياهب الاضطرابات العصبية وحولتهم إلى مرضى. تألقت بحثاً وتطبيقاً وأوجدت لنفسها وسيلة خلابة تعيد من خلالها رسم صورة المصحات العقلية الأثيرة التي ترسخت في الوعي الجمعي بما هي أمكنة شبيهة بالسجون ومراكز الاعتقال الفجة والصارمة، مانحة إياها شكلاً جديداً سوف يبعدها منذ نهايات عام 1960 عن صورتها التقليدية: مراكز اعتقال، ويدخلها في حلة شديدة الجاذبية والعمق، لتصير ماريا غوغينغ مذاك وحتى موعد إغلاقها، مركزاً ريادياً لرعاية المواهب الكبرى التي تعثرت وتاه أصحابها في متاعب الروح وعذابات الجسد.
كانت نهايات عام 1960 هي البداية كما أسلفت، وقد حدثت بمحض صدفة عبقرية، تلك التي جاءت بالطبيب المتميز، ليو نافراتيل (1921 / 2006) لاستلام قسم الشيزوفرينيا في المصحة والإشراف على مرضاه، وهو القسم الأكثر شفافية وخطورة كما يمكن أن يقال، فهناك يلتقي الطبيب المعالج بواحدة من أقسى درجات التهتك النفسي التي يصلها الآدمي ويرزح تحت سطوتها العالية: الانفصام.. انفصام الأنا إلى أكثر من واحدة. أكثر من طقس ذاتي واحد وأكثر من سيرة شخصية واحدة. وهي حالة قد توقع الطبيب في حيرة مدوية لا يعرف معها تحديد الأنا الأولى، الأصيلة، أو العثور على كيفية منطقية للاستدلال على الثانية، المتخيلة، والحاضرة بقوة في سلوك المريض. ولكن الدكتور نافراتيل من طينة علمية مختلفة، ثورية وحالمة وقادرة على المغامرة، فقد جاء المذكور إلى المصحة من حقول معرفية متنوعة تحتل فيها الآداب والفنون حيزاً مركزياً يتناغم مع الأدوار المناطة بعلوم النفس عموماً ولا تبتعد عنها، بل تقاسمها كما جماليات، التفتيش عن طرائق ما لسبر أغوار هذه النفس البشرية الشائكة، فنفراتيل هو أديب ايضاً وعاشق كبير للموسيقى والشعر والرسم، وهو على إيمان كامل بقدرة الفنون والآداب على قراءة تلك النفس واستنطاقها، وصولا، في حالات ليست قليلة، إلى تمكينها من استرداد سويتها الغائبة/ علاجها، أو دفعها على الأقل نحو إخراج ما لديها من مواهب مبدعة، وهو الأمر الذي بدأ بحكاية إرنست هيربيك آنذاك:
«أخذت ورقة بيضاء صغيرة من فوق مكتبي وكتبت في أعلاها كلمة واحدة: الصباح. وقدمتها لإرنست هيربيك الجالس بهدوء لافت أمامي قائلاً: صف هذه الكلمة، فتناولها ولم يقل سوى: اعطني قلماً، وراح يكتب وأنا انتظر ولا أنظر نحوه إلى حين جاء جوابه بعد دقائق قليلة بهذه الكلمات:
في الخريف، هنا
تصطف رياح سحرية
لتلتقي بذلك الشعر الطويل
العصافير تطلق صفيرها
وتأكل».

لم يصدق الطبيب جواب مريضه في ذلك الصباح الذي وصفه بدقة في كتابه «الانفصام الشخصي وفن الشعر» 1985، يضيف: «شعرت بحرارة الشعر وهي تزلزل جسدي، كنت في حضرة شاعر حقيقي» .

لم يصدق الطبيب جواب مريضه في ذلك الصباح الذي وصفه بدقة في كتابه «الانفصام الشخصي وفن الشعر» 1985، يضيف: «شعرت بحرارة الشعر وهي تزلزل جسدي، كنت في حضرة شاعر حقيقي» و«ربما كانت الشعرية الألمانية تشهد في ذاك الصباح لحظة اكتشاف تجربة إبداعية ليست مثل غيرها جمالاً وغرائبية».
بعد قصيدة الصباح الأولى تلك في مشفى ماريا غوغينغ، سوف تتواصل الأوراق البيضاء التي يقدمها نافراتيل لهيربيك، وهي معنونة دائماً بكلمة واحدة يختارها الطبيب ويذهب المريض في وصفها، إلى حين قرر نافراتيل في عام 1966 إطلاع القراء والنقاد على ما تجمع لديه من قصائد كثيرة ولافتة، فقام بنشر البعض منها في مجلة ثقافية متخصصة وتحت هذا الاسم المستعار «ألكسندر» وهو الاسم الذي سيرافق قصائد هيربيك إلى حين وفاته، فقد حافظ الطبيب على الاسم الفعلي لمريضه ولم يكشف عنه إلى ما بعد وفاة صاحبه بقليل، حين أعلنه أمام ثلة من النقاد والقراء: «السيد إرنست هيربيك، مريض الانفصام الذي أشرفت على علاجه ونزيل مصحة ماريا غوغينغ لسنوات طويلة هو صاحب هذه القصائد، هو شاعرها الذي أخفيت اسمه لأسباب تتعلق برغبته هو أولا، فهيربيك ليس مثل غيره من الشعراء الذين قد يصابون بأمراض نفسية محتملة ويواصلون الكتابة في المشافي والبيوت، بل هو الوحيد، ربما الذي كشف مرضه عن موهبته وفجّرها.. كانت الموهبة الإبداعية حاضرة ولكنها دفينة ولم أقم أنا بغير مهمة فتح الباب أمامها».
فتح نافراتيل الباب ولم يغلق إلا بالموت، وما بين هذا وذاك كان هيربيك يكتب، يبدع، ويحفر اسمه عميقاً وبلا تخطيط مسبق أو رغبات معلنة في الذاكرة الشعرية الألمانية عموماً وفي الكونية من خلفها، لا بصفته شاعر المصحة المختلف، مريض الانفصام النفسي الكبير، بل عبر لغة تلقائية لا تمر بالسياقات الأثيرة التي عرفها الشعر خلال تاريخه الإنساني الطويل: الوزن والقافية أو الشكل الخارجي المطلوب والمحدد والموسيقى الداخلية اللازمة، فهو شاعر الكلام لحظة ولادته تماماً، كما هو .. وكأن هيربيك كان يكتب وهو يرى الكون من حوله لأول مرة، لتكون لغته وصوره بتلك الدهشة العظيمة، دهشة التلقي الأول ولا حدود لذته:
«لم يكتب هيربيك» يقول نافراتيل «قصيدة واحدة من تلقاء نفسه، كان يكتب حين أمد له تلك الورقة البيضاء الحاملة لعنوان ما، فيكتب، ولم يرجع ولا لمرة واحدة لتعديل شيء مما كتب.. ما ترونه أمامكم هو الشعر وقت تدفقه الفطري».

كان إرنست هيربيك ولم يزل مرآة حقيقية وصافية لها.. هو المريض الأبدي، هو المجنون؟ وهو الذي يثير إلى الآن كافة أسئلة العلاقة بين الإبداع والجنون.

مثل شاعره الاستثنائي، كما علينا أن نضيف، فطري المشاعر واللغة، الذي جاء الحياة بخلل خلقي/ تشوه في عظام الفك العلوي/ حرمه متعة النطق السليم للكلام، وأدخله، حسب أطباء علوم النفس، في أنفاق الانهيارت العصبية المبكرة التي قادت بدورها إلى انفصام ملحوظ في الشخصية سوف يقوده في العشرين من عمره إلى الإقامة العلاجية الأولى في مصحة فييناوية متخصصة. حدد الأطباء آنذاك حالة إرنست هيربيك بوصفها حالة متقدمة من الشيزوفرينيا فأدخلوه المصحة ليقيم ثلاث سنوات متواصلة فيها، ثم أخرجوه حين تحسنت حالته، ولكن الأعراض المرضية ذاتها عادت إليه من جديد بعد وقت قصير، فأدخلوه المصحة للمرة الثانية لمواصلة العلاج.. وهكذا: إقامة تمتد لأشهر أو سنوات في المشفى يتبعه خروج مؤقت، إلى حين جاء عام 1946 وأدخل هيربيك مصحة ماريا غوغينغ ولم يغادرها إلا لمدة عام واحد 1983، حين قرر نافراتيل حينها صلاحية مريضه للعيش وحيداً، في بيت مستقل. وهو الأمر الذي سيرفضه هيربيك لاحقاً ويطالب طبيبه بالسماح له بالعودة إلى مشفاه: «لا أعرف هذا العالم الذي يلتف من حولي، هو غريب وأنا غريب فيه، أريد العودة إلى ماريا غوغينغ والآن لو أمكن».
فعاد ومات هناك بعد إقامة طالت 46 عاماً، ليكون الشاعر الوحيد، كونياً ربما، الذي قضى عمره كاملا في مصحة للأمراض النفسية المتقدمة ويموت فيها عام 1991، مخلفاً أثراً شعرياً شديد القدرة على الإدهاش.. شديد الإثارة والقدرة على الرجوع بالروح الإنسانية إلى ينابيعها العليا، الأولى وغير الملوثة، حيث العلاقة مع الكون والطبيعة والحب والموت باقية في سياقها الأجمل، العادي التلقائي، وحيث الشاعر هو مرآة لكل تلك المكونات الأم، وقد كان إرنست هيربيك ولم يزل مرآة حقيقية وصافية لها.. هو المريض الأبدي، هو المجنون؟ وهو الذي يثير إلى الآن كافة أسئلة العلاقة بين الإبداع والجنون ويعمقً الرؤى التي تدور في فلكها الكبير: ما الجنون؟ وما الإبداع؟ وأين يتم التناغم السديمي بينهما وكيف؟
إرنست هيربيك هو السؤال والجواب.

٭ كاتب فلسطيني

((القدس العربي ))