ترجمة وتقديم عبد المنعم الشنتوف:

يقترب هذا النص الذي نقدم ترجمته العربية من تفاصيل سيرة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس في مدينة الإسكندرية التي رأى فيها النور عام 1863 وتوفي بها عام 1933.
ويرصد النص بجرأة تعبيرية لافتة سمات هذا العبور من خلال التركيز على العلاقات التي احتفظ بها الشاعر مع فضاء المدينة والشقة التي كان يقيم داخلها والتي تحولت بعد وفاته إلى متحف ومع الشخوص التي خصبت سيرته سلبا وإيجابا وأسهمت في تشكيل تجربته الشعرية. يبدو تركيز الكاتب دالا على التميز الذي ميز حضور الشاعر في مدينة كوزموبوليتية ومتعددة والتي حملته على أن يبدع قصيدة تحفر في زمن المدينة الأسطوري وتروم بالاحتكام إلى بعض سماته قراءة الحاضر والحدس بالمستقبل.
عاش الشاعر على امتداد هذه السيرة الاستثنائية في حالة توحد مطلق بالذات والفضاء الذي أثث تفاصيله وفق رؤيته الخاصة إلى العالم. ولعل في هذا الاختيار ما يفسر جهل أو تجاهل الاسكندرانيين لحضوره الحياتي والشعري. سوف يحيلنا هذا النص إلى العلاقة التي وصلته بالكاتب البريطاني فورستر والتي سوف يستثمرها لاحقا في كتابه المعروف عن الإسكندرية.
النص:
لن يتأخر قرص الشمس الأحمر في الغياب ، غير أن أشعتها الأخيرة ما تفتأ تنير الواجهات المصطخبة لجبهة البحر. كان رجل يتسكع قرب رصيف الميناء الجديد وما يميزه ذلك القناع الراشح بالسأم وقليل من الزوغان والذي تحف به الظلال وحاجبان كثان كانا بمثابة خطين معقوفين بسواد فحمي، وكان يرتدي بذلة ضابط، فيما كانت شارة الصليب الأحمر تزين كم القميص. كان ثمة أسطول حقيقي من السفن راسيا في الحوض الشرقي للميناء. سفن حربية وبوارج تابعة للبحرية الملكية البريطانية علاوة على السفن التابعة لشركة ستيمشيبس التي تصل المدينة بالقارات والمدن الأخرى: نيويورك، مارسي وميلبورن. توقفت عين الضابط مليا عند السفن التي تتهيأ للإبحار في اتجاه بومباي وشرع في التفكير من جديد في الشهور الستة التي قضاها في الهند قبل الحرب. كان قد حل بالإسكندرية منذ أسابيع فقط، ولم يستطع أن يمنع نفسه من مقارنة الهند بهذه المدينة الكوزموبوليتية والباردة التي حل بها بمحض الصدفة تقريبا للعمل متطوعا في الصليب الأحمر. فعل ذلك ببساطة؛ لأنه قرر أنه على الرغم من أن هذه الحرب لا تعنيه في شيء أو تهم أصحابه في بلومبوري وهم: ليتون ستراشي، دورا كارينغتون، جون ماينار كينس، وبصرف النظر عن كونها تحول بينه وبين كتابة الروايات، فإنه لم يعد من المناسب على الإطلاق أن يبقى في لندن كي يحرر مجموعة ملاحظات لكاتالوغات المتحف الوطني البريطاني في الوقت الذي يسقط فيه أصدقاؤه تباعا مثل الذباب في رغوة الشامبانيا أو على ضفاف الدردنيل. كان الميناء موجودا سلفا في ظل رصيف قايتباي، لكن الغروب كان يجلل بحمرة ظافرة المنازل التي كانت تنسحب في اتجاه صخور سلسلة.كانت أجراس كنيسة سانت أنستاس ودير سانت كاترين تتشكل على سماء ذات صفاء حاد. تفتقر هذه المدينة إلى الغرابة والرومانسية، يقول المتجول الذي لم يكن بعيدا حينها عن مشاطرة الرأي المستقى من شاتوبريان في خصوص الإسكندرية. غير أنني ملزم على الإقرار بأن مصر تتوفر عند الغروب على شيء يفوق الهند. كان فورستر يواصل مسيره وهو يتوغل في خضم التعدد الذي يصطخب حوله والذي يتمثل في بحارة بريطانيين وتجار سوريين أو أرمن وأعيان يونانيين ومتسولين وبورجوازيين مصريين. وأطفال إيطاليين. كانوا يمضون في آن واحد في اتجاه الكورنيش لكي ينعموا بهدوء وقت الغروب. كان يمشي حين هتف أحدهم باسمه قائلا: فورستر. فورستر.
وقد تعرف بسهولة على صديقه بيركليس أنستاسياديس، وهو رجل أعمال يوناني وهاو للفن التشكيلي. والذي كان يلقنه دروسا في اللغة الإنجليزية.
قال له بيركليس صارخا: لدي موعد مع كفافيس. هل ترغب في المجيء صحبتي؟
كان فورستر كاتبا معروفا وخصوصا منذ أن نشر في لندن عمله الروائي ‘ نهايات هواردز’ و’غرفة تطل على آرنو’. لم يتوقف منذ وصوله في خريف 1915 عن سماع أخبار هذا الرجل الذي يكتب باللغة اليونانية الذي لم يكن يرتدي غير ثياب غامقة الألوان والذي كان يتمتع بشهرة غامضة.وملغزة تقريبا، والذي كان بعض المعجبين يهمسون باسمه فيما يشبه السر. كان قد أحيط علما عن طريق بعض الثقاة بأن كفافيس يوزع قصائده على أصدقائه في شكل أوراق مرقونة وأنه كان ينشط سهرات مثقفين وكتاب كان يتحدث خلالها إلى ساعة متأخرة من الليل عن روايات منشورة في لندن أو باريس أو أثينا. يروي فورستر في هذا السياق كيف أنه يلتقي بعد هذا الاتصال الأول ألكسندر كفافيس في الشارع. لا يمكننا في أيامنا هاته أن نعتبر الإسكندرية راهنا عاصمة للروح ولأنها تأسست على زراعة وتجارة القطن والتي أصبحت تنافسها فيه تجارة البصل والبيض، ولأنها بنيت وشيدت بشكل سيئ، فإنه يمكننا أن نكيل لها كثيرا من النقد الصارم. ولا يخفى في هذا الخصوص أن ساكنتها أو غالبتهم لا تبخل عليها بمثل هذا النقد. وعلى الرغم من ذلك، فإن إحساسا لذيذا يغمر أحيانا هاته الساكنة وهي تعبر أزقتها. وهو صوت لا يترقب جوابا وإنما يروم الاحتفاء بمبدأ الفردانية. وهم يلتفتون ليباغتوا بجنتلمان يوناني يعتمر قبعة من القش وهو واقف في جمود وفي وضع شبه منحرف بالمقارنة مع باقي الكون.. ومن الممكن حينها أن يمد ذراعيه. تقول له حينها: أوه. السيد كفافيس ؟ نعم. أنا السيد كفافيس .
إما أن يغادر شقته قاصدا مكتبه حيث يعمل، ويختفي حينها بمجرد أن تلمحه وهو يجود بحركة معبرة عن الخيبة، أو يغادر مكتبه عائدا إلى شقته، ويحدث حينها أن يوطد العزم على الشروع في جملة ضخمة ومعقدة لكنها متوازنة ومليئة بالاعتراضات التي لا تتداخل فيما بينها وبالتلميحات التي تتعارض فعلا.. جملة تقصد بشكل منطقي إلى هدفها المحدوس سلفا والتي تكون نهايتها أكثر إشراقا وأكثر مخالفة للتوقع مما كان ينتظر. وفي أحايين عدة، تكتمل الجملة في الشارع. وفي أحايين أخرى تموت بعنف بتأثير كثافة حركة المواصلات، وقد تستمر الجملة أحيانا إلى أن يصل إلى شقته. وتتناول السلوكيات الخائنة للإمبراطور ألكسيس كومين في عام 1096 أو بالزيتون ومساراته وأثمنته أو مصير بعض الأصدقاء أو جورج إليوت أو لهجات آسيا الصغرى. وهي منطوقة باليسر نفسه باللغة اليونانية أو الانجليزية أو الفرنسية. وعلى الرغم من ثقافته الثرة وعمقه الإنساني والطيبة الصافية التي تسم أحكامه، فإننا نشعر بأن جملته هاته تحتل أيضا وضعية منحرفة ومنزاحة بعض الشيء بالمقارنة مع باقي الكون.. إنها جملة شاعر..
قادت انزلاقات جملة ذات تأثير مغناطيسي فورستر سريعا إلى شقة كفافيس. اكتشف الكاتب البريطاني داخلا معتما ومشحونا بالأثاث والأشياء.؛ وهو ما بدا لناظره مفرطا في طابعه الشرقي. كان الانطباع مفرطا في القوة بتأثير افتقار شقة كفافيس للكهرباء واعتماده في الإنارة ليلا على الشمعدانات. وخلال واحدة من هاته الزيارات الأولى، سأل فورستر كفافيس عن شعره ، لكن الشاعر لم يلبث أن قاطعه قائلا: لن يكون في مقدورك إطلاقا فهم أي شيء من شعري. لن يحدث ذلك مطلقا..
لم تثبط هذه الملاحظة من عزم الرجلين ولم تحل بينهما وبين الانكباب سوية على مخطوط المدينة، وقد استنفر فورستر كل مخزونه من دروس اللغة اليونانية في المدرسة العمومية لينجح في قراءة بضع مقاطع من شعره: تقول سوف أذهب إلى بلدان أخرى. وإلى سواحل أخرى. وسوف أنتهي حتما بالعثور على مدينة أفضل من هاته. تطلع كفافيس إلى فورستر في التو بعينين مغايرتين وقال في اندهاش: لكنها رائعة بالفعل. إنها رائعة حقا.
تخلقت صداقتهما هكذا وتقوت مع مرور الأيام بتأثير إعجاب متبادل ومتعاظم. وباسم هذه الصداقة سلم كفافيس مفاتيح مدينته إلى فورستر الذي أتاحت له منظمة الصليب الأحمر مزيدا من الوقت الفائض أعانه على الرؤية، بحكم أن ـ وهذا صحيح- لكل رؤية، ينبغي توفر نظر ملائم ومناسب لما ينبغي أن يرى. هكذا أضحى في مقدور فورستر الذي أصبح عارفا أن يشرع في اكتشاف سحر المدينة الذي قاومه حتى تلك اللحظة وأدرك حسب اعترافه ‘ كل السحر والقدامة والعتاقة وكل التعقيد’.وسوف ينشر ابتداء من سنة 1917 في جريدة البريد المصري ـ إيجيشيان ميل- ما أطلق عليه اسم ‘قصاصات اسكندرانية’. وفي عام 1922، دون في كتاب نشره في دار النشر اللندنية هوغارث ‘فاروس وفاريلون’ جميع ملاحظاته وانطباعاته عن الإسكندرية ورسم الخطوط الأولى لبورتريه أولي عن المدينة بوصفها حاضرة روحانية. وقد خصص الفصل الأخير لكفافيس الذي عمد إلى تعريف القراء الانجليز به ونشر على سبيل التمثيل إلى ستيفن سبيندر وو.ه. اودن ولورانس داريل. وبعد سنوات من ذلك نشر فورستر ‘دليل الإسكندرية’؛ وهو الكتاب الذي لم يفارقني على امتداد تسكعي على غير هدى في أزقة المدينة ‘ كتابي الأزرق عن الحاج إلى الإسكندرية’ وينتهي الجزء الأول من الكتاب بتقدير خاص لكفافيس. ولم يكف الروائي عن التعبير عن امتنانه للشاعر. وفي المرحلة التي شهدت لقاءاتهما الأولى، وكان كفافيس في العقد الخامس من عمره قد كتب بعضا من أجمل قصائده التي سوف يكتب ترتيبا زمنيا لصدورها.وهكذا سوف نحاط علما بان قصيدة ‘الآلهة تهجر أنطونيو’ هي دعوة حقيقية إلى الشجاعة والفضيلة وأننا سوف نعثر فيها كما في المنجز الرئيس للشاعر على مزيج غير قابل للانصهار من المشاعر والمعرفة والفكر’ سيفيريس.1911.
لكن من هو هذا الرجل الذي كان عدوا لكل الزخارف والتنميقات والذي كان مبدعا وصانعا للإيجاز والذي كان يكتب في الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر والذي تكشف نصوصه عن زخم هائل من الانفعالات. كتب الشاعر اليوناني سيفيريس ‘إنه الانفعال الذي نستشعره ونحن نرى تمثالا لم يعد له وجود’ لقد أتاح كفافيس نفسه بعض الإشارات السير ذاتية عام 1924 في شهادة خص بها مجلة نيا تيشني التي كانت تصدر في الإسكندرية: تعود أصولي إلى القسطنطنية، ولدت في الإسكندرية داخل منزل في زنقة شريف. غادرت المدينة في سنوات عمري الأولى وقضيت فترة من طفولتي في إنجلترا. زرت من جديد هذه البلاد بعد أن استويت رجلا. أقمت أيضا لفترة قصيرة في فرنسا. أقمت في عهد الشباب لمدة سنتين في القسطنطنية. أما اليونان، فلم تطأها قدمي منذ زمن بعيد. كان عملي الأخير في مكتب حكومي ملحق بوزارة الأشغال العمومية في مصر. أتقن الإنجليزية والفرنسية وقليلا من الإيطالية.’
حتى وإن لم ننس بأن الأساس مما تتيحه حياته من نور وصفاء ذي مظهر صوفي قد تجلى في بضع مئات من الصفحات المنثورة- مرآة واعية رسم في عمقها الشاعر بورتريه الذاتي وحيث يظهر أحيانا مثلما هو، وكما لو أن الأبدية غيرته’- فإنه يلزمنا أن نحرك بعض الذكريات المدسوسة في غياهب سيرته المتواضعة والقابلة للمقارنة على أكثر من صعيد وفي سياق المرحلة ذاتها بالحياة التي عرفها الشاعر البرتغالي بيسوا في لشبونة العاصمة الأخرى الآيلة بدورها للسقوط. ولد كفافيس عام 1863 في الإسكندرية وتوفي بها عام 1933. كان أبوه الذي تعود أصوله إلى القسطنطنية قد أسس في لندن شركة لاستيراد ولتصدير القطن باسم شركة كفافيس إخوان المحدودة عرفت الازدهار لسنوات طويلة، قبل أن يقترن بابنة تاجر ألماس يوناني من بيرا كانت أسبابها متصلة بالأرستقراطية الفارنية. أدت ثروة وإفلاس تجارته إلى حمل العائلة على الاستقرار في الإسكندرية رغم عودة عابرة إلى البوسفور غب اضطرابات في مصر. تردد كفافيس الاسكندراني الشاب على ثانوية هرمس الراقية. ولم يكن عمره يتجاوز العشرين حين شرع في كتابة وتحرير قاموس تاريخي لم يلبث أن انصرف عنه حين خط الاسم المحتوم: الإسكندر. زاول لفترة من الزمن الصحافة ثم لم يلبث أن أصبح موظفا ثم رئيس قلم في وزارة الهجرة. أسر أحد زملائه إلى كاتب سيرته روبير ليدل: بأن وتيرته في العمل كانت محدودة. ‘كان يتجنب استعمال المصعد كي يتحاشى انكشاف أمره حين وصوله متأخرا. كان يصعد الأدراج وقد لاحت سمات التفكير على وجهه وهو على أهبة الاستعداد لتقديم تفسير مقنع وملائم إذا ما اكتشف أحد أمره..كان يشعر بالانزعاج دائما بسبب قبعته. وإذا حدث ورأى ‘فراَّش’ في الطريق فإنه يطلب منه تعليق القبعة فوق مكتبه قبل وصوله. عاش صحبة أمه التي كان يمحضها حبا جارفا والتي كان يرافقها كلما وسعه الأمر إلى نادي سان ستيفانو أو نادي السبورتينغ من أجل لعب الويست أو اللانسنيت وضمن لنفسه حياة محترمة بفضل بعض العمليات المثمرة في البورصة. وسوف يقيم لاحقا في شقة واقعة في وسط المدينة بزنقة ليبسوس كانت تنشط فيها بعض العاهرات والتي اختار لها أصدقاء كفافيس الانجليز زنقة كلابسيوس أي ليبسوس الساخنة. كتب قائلا: أين يمكنني العثور على سكن أفضل من هذا؟ ثمة في المقدمة ماخور يتيح لذة الجسد. وهنا الكنيسة التي تغفر الخطايا وهناك في البعيد المستشفى حيث نموت. بيد أن علاقة كفافيس بعاهرات زنقة ليبسوس – وهو ما كنتم تعرفونه سلفا- لم تكن تتجاوز تبادل تحية الصباح والمساء.
فقدت زنقة ليبسوس اليوم للأسف الشديد سمعتها القبيحة وأصبحت تحمل على أية حال اسم شرم الشيخ. يتعلق الأمر بزنقة شعبية وضيقة ومغمورة بالشمس. ولم نعد نصادف فيها في الغالب إلا سكانا محترمين وعمال ميكانيك يصلحون سيارات عتيقة ومتهالكة بمحاذاة الأرصفة وصناعا تقليديين كما هو الشأن في حي سان أنطوان. تحولت شقة كفافيس إلى متحف وقد صادفت في الزيارتين الأخيرتين اللتين قمت بهما فوق الأدراج جماعات من الصبايا اليونانيات كن يتبعن دليلا كان يحمل راية عليها شعار كفافيس ، وكن يطلق صرخات حادة شبيهة بتلك التي كنا نسمعها في مقبرة الأب لاشيز قرب قبر جين موريسون.. بعض الهدايا التذكارية وسريره ذو الأعمدة النحاسية وبعض الإيقونات والقوارير متاحة لإشباع فضول الزائر.. ثمة علاوة على ذلك رسالة من مارغريت يورسنار التي قامت بتقديمه إلى القراء الفرنسيين.: ‘لقد علمتني أناقته وبساطته وكثافته الكثير، وأعترف بأنني أحس ببعض الفخر حين كنت من أوائل من ترجموا أعماله إلى اللغة الفرنسية. تطل نوافذ المحراب على سطوح من القصدير العامرة بالأتربة والقاذورات. هل كان لكفافيس نصيب من هذا المشهد من القمامة حين كان يفتح مصراعي نافذته. بلى إذا نحن صدقنا سيفيريس الذي كتب منذ سنة 1953 أي بعد أن قام شخصيا بزيارة شقة الشاعر بأنه لم يفهم إطلاقا حتى تلك اللحظة كيف ‘كتب كفافيس عمله الأدبي وهو ينوء تحت وطأة فظاعة من هذا القبيل’.
يقع مطعم ليليت الذي تعود ملكيته إلى مدام كريستينا على بعد خطوتين من زنقة شرم الشيخ. . لكنني لم أكن ألم بمنزلها في كل مرة أقوم فيها بزيارتي الطقوسية إلى ظلال وأغراض الشقة المتحف للسلام عليها بدافع اللياقة والاعتراف بالجميل فحسب- كانت السيدة كريستينا هي التي كلفت أحد موظفيها ـ ولعلكم تتذكرون ذلك- أثناء إقامتي الأولى في الإسكندرية كي يقودني إلى منزل كفافيس – كنت أعرج عليها لأنني كنت أجد لذة في أن أحثها على أن تروي لي حكاية لقائها الأول بكفافيس في أحد الأيام التي ذهبت فيها صحبة أمها بقصد شراء حذاء:
كنت أبلغ من العمر ست سنوات ولم يكن المكان ببعيد عن هنا. شعرت بخوف عظيم؛ لأنني اعتقد أنني رأيت بابولا، وهي شخصية كانت تخيف الأطفال. كان كفافيس يرتدي معطفا طويلا من الحرير الأسود ويلف عنقه بمنديل أحمر، وكان يمشي وقد شبك يديه خلف ظهره.. أتذكر شخصا ذا نحول شديد وما يميز وجهه أنف معقوف وشعر أسود مصفف بالدهن. وذا أناقة غريبة وإن كان لباسه إنجليزيا ومثيرا للسخرية ويكاد يتساقط مزقا.
حكاية مستعادة عشرات المرات في الظل المنعش للمطعم، ودائما وفق النبرة الواثقة واليقينية ذاتها.. كانت كريستينا تتقمص شخصية الشاعر الذي كان يمشي محدثا ما يشبه الحفيف داخل معطفه الأسود في يوم الجمعة المقدس والطفلة التي كانت وهي مصلوبة بالابتسامة المتخلقة عن هذا التجلي والكلام الفاقد للمعنى والذي لم يكن موجها لأحد.
عندما لم يكن يتحدث بمفرده أو يكتب أو يداوم مكرها في المكتب، فإن كفافيس كان يتسكع في الأزقة المعتمة والمحجوبة عن الشمس بحثا عن الشبان الصغار والملذات المحرمة: ‘لقد رأيت وفيما يشبه التحديق المكثف الجمال حتى أصبحت عيناي ممتلئتين به.أو كان يعد بأن يغير حياته، وكان يتأمل من شرفة بيته بعضا من حركة الشارع والمتاجر. وكان يدلف إلى الكنائس وسرعان ما يجنح ويعود تفكيره إلى العهد البيزنطي الذهبي.
كان مفرطا في الأناقة وأليفا وبه نوع من الترفع والتعالي والرغبة في الظهور والتبجح، وكان يتردد على المقاهي الصغيرة المخصصة لمدخني النارجيلة أو يتسلل إلى المنازل التي يتردد عليها أشخاص مجهولون أو ذوو سمعة مشبوهة’. وكان يقرأ.. عاينت مرة في القنصلية اليونانية الكتب التي كانت تحويها مكتبته. وقمت بتدوين أسماء هؤلاء المؤلفين: جيبون. ميشلي. رينان. ميلتون. فونتنيل. موليير. طين. تيرز. ماكولاي. روسكين. طوماس هاردي. ستاندال. موسي. روبير برونينغ. وأناطول فرانس. كان معجبا برواية هذا الأخير التي كانت أحداثها تجري في الإسكندرية والموسومة ‘طايس’ ضدا على أصدقائه ومن بينهم الروائي اليوناني المقيم في الإسكندرية ستراتيس تسيركاس والذي لم يكن يجد غضاضة في تقبل آيات ثنائه. كان رجلا يحب أن يتنفس جو مدينته الكوسموبوليتية والحضرية في آن واحد وذات الوطأة الثقيلة أيضا وإن كانت ترزح تحت وطأة تعب مزمن.
تعثر عينا الشاعر في فوضى واضطراب الحاضر على ألوان ورغبات الماضي.. وهو يجمع أيضا ذهب الأسماء المفقودة في غبار الأزقة.. إنه راء بشكل عكسي ولا يحدس أويتوقع المستقبل إلا بقراءة الماضي في خطوط يده. وتتوجه محاوراته في آن واحد إلى مارك أنطونيو وآخيل وباتروكل ونيبتون والكتاب المعاصرين. يتجول في المقابر ويتآلف مع التماثيل ويفك رموز الكتابات المنقوشة فوق الشواهد الرخامية للقبور. يشرئب على الوجوه الثاوية تحت التراب مثل رجل يبحث في السماء عن نور النجوم الميتة، ويعاين الدماء وهي تتأجج في أوردتها الصخرية. تحدثه جل ارتعاشات المدينة عن إنسانية ما تفتأ تتقاطع داخلها الظلال الحية للعالم كما تم اكتشافه من لدن الإسكندر.. تسرح روحه في امتدادات مملكة لا متناهية هي بالفعل بلاد للقبور والجدران الآيلة للسقوط وحيث تتجاوز حدودها آخر المدن الفارسية في باكتريان وإلى حدود الهند وكيدروسي. ‘لقد شكلته وكونته الإسكندرية’ وتزوج كل استعاراتها ومظاهرها. فهو معاصر للإسكندر الأكبر وبطليموس وسيزاريون.. تتقاطع آلاف الأصداء العظيمة داخل هذه الروح الحائرة التي لا ترغب في أن تفرض عليها رؤية محددة.. وسوف نكتشفه مساء جالسا في العتمة مضاء بشموع خافتة. ويقطع الصوت الناتج عن تعاقب حبات مسبحة هذا الصمت. يشتمل الشاعر على مظهر كهنوتي عصي على الفهم. فهو يأمل في العيش في سياق من الغموض والغرابة وأن يصرخ في حضور من حوله بذلك.
قاد سرطان الحنجرة عام 1932 الشاعر الذي لم يكن يعلق في غرفته إلا مرايا ذات زجاج غامق حتى يتحاشى رؤية نفسه وهو يزحف نحو الشيخوخة إلى أثينا. يقول وهو يتنهد: ومن يصدق أن ثمة خمسا وعشرين قصيدة تلزمني كتابتها. وبعد سنة من ذلك، وفي يوم عيد ميلاده، دخل في غيبوبة الاحتضار في المستشفى اليوناني القريب من زنقة ليبسوس. حضر بطريرك الإسكندرية لأول مرة قرب الغرفة لكي يقدم له الدعم الروحي للكنيسة ودون أن يتم إخبار الشاعر بذلك. وسوف يرفض كفافيس الذي لم يتخل عن معتقده الأورثودوكسي دخوله إلى الغرفة. سوف يعود البطريرك بعد ساعات من ذلك وقد حالفه التوفيق والنجاح ليحصل كفافيس على القربان المقدس ويلفظ أنفاسه في تمام الساعة الثانية صباحا. وسوف يوارى جثمانه الثرى بعد زوال اليوم نفسه في المقبرة الأورثودوكسية ‘كانت الورود أمام رأسه والياسمين عند قدميه’

((القدس العربي))