بريد السماء الافتراضي

حوار مع الشاعر اللبناني بسّام حجار

كتابة وحوار:أسعد الجبوري

 

1 كانون الثاني/ يناير 1955 ـــــ 17 شباط/ فبراير 2009

 

 

 

 

كان يتمدد على سريره في تلك الساحة القريبة من صيدلية ((الأرواح المشتعلة)) ،وهو يدخنُ ،وإلى جانبه ممرضةٌ وطبيبٌ نفسي وحيوانُ ((التانتو)) برأسه المربع الصغير.

شعرنا بأن كلّ شئ يحتاج إلى تبرير في تلك اللحظة التي كنا فيها مع الشاعر اللبناني بسّام حجار وهو يمارسُ عزلته الثانية في هذه المنطقة من السماء.

وجهٌ تسّاقطُ منهُ الآلامُ.وجسدٌ يخرجُ منه البخارُ،ليشتعل احتراقاً وحنيناً إلى زمنٍ قد لا ندركُ طقوسه ولا معالمه،لأنه خاص بباطن شاعر شطبَ كلّ ظاهر له في وجوده الأول،وها هو يصممُ دون انفعال على عدم تكرار قصص الأمس ولا روائح ذاته القديمة التي قضى معظمها في لبنان.

نهض بسّامُ مغادراً السرير ،تتبعهُ ممرضتهُ، وهي تحملُ كيسَ سيروم  مصل الدم المحتوي على كل البروتينات،مع كتاب لم يبدو عنوانهُ واضحاً  .وقبل أن يصل إلينا بخطوات،رأيناهُ يهمسُ بأذن تلك الممرضة بعض كلمات ،لتتوقف عن ملاحقته.

آنذاك صافحنا بسّامُ مرحباً بكلمات مقتضبة ،وهو ما دفع بنا إلى الجلوس على تلك الأريكة المُنجدّة بقماش من المخمل الأحمر.وقبل أن يسيطر الوجوم على الجلسة ،قمنا بطرح الأسئلة عليه تماشياً مع وضع الشاعر الصحي.

قلنا له دون مقدمات:

■ كيف نجوتَ من جيولوجية اللقب العائلي حجار،لتدخل مجرى الماء ،فتكون شاعراً ؟

_ ربما لأنها دورة الماء في طبيعتي الساكنة .ذاك ما أظن به.فالأسماء والألقاب والكنى،خرائط للاستدلال على الشخصية،ولكنها في الغالب العام،تولي المرءَ أذى غير مقصود. كاللقب الذي ارتبط باسمي:حجار.

■ ولمَ لا تأخذُ المقصدَ الآخرَ من تحولات الحجر إلى ماء،مثلما تفعل ذلك ضرباتُ النيازك،عندما ترتطمُ بالصخر،فتخلقُ ألماساً وتفجر السوائل من الحجارة ؟

_ صحيح.ولكنني غير متأكد من حقيقة تلك الفكرة، سواء أن كنتُ مولوداً عن ذلك الاحتكاك أم لا .في كل الأحوال،أنا تركتُ للشعر حرية التصرف بي.

■ كيف تنظرُ للقصيدة.أهي لمبّةٌ فوق رأس الشاعر بسام حجار أم في جوفه؟

_ لمبّة في الجوف دون أسلاك.

■ ولا حتى تلك الأسلاك الموصولة بالمحبوب؟!

_ تلك أسلاكٌ قد لا يحتاجُ المحبوبُ المشتعلُ بالحرائق أصلاً .فما من حبّ إلا وكان مصباحاً تائهاً في منازل الأبد. وفي كلّ عاشقٍ مصعدُ نورٍ يقودُ إلى قلب المحبوب.

■ هل يتساوى حب النساء مع حب المدن برأيك؟

_ لا .وأبداً.المدنُ تتمظهرُ بصور النساء،فتتحوّل إلى لحم ودم وكلمات ،فيما النسوة،مدنٌ تختلف في التصاميم ،وتتفق بهندسة الشهوات فيمكن أن تلمس حجر أحداهنّ ،وسرعان ما تتشكل بين أصابعك إلى موجةٍ متناغمة من السحر والحب المُعطر .

■ هل ينطبق هذا المعنى على مدينة مثل صور رحمك الأول ؟

_ صورُ رسالةٌ بحريةٌ ،ما تزال مُشفّرةَ الأمواج في قلبي حتى بعد موتي الأول.

■ أنت تعيدنا إلى المرحلة الفلسفية التي سبق لك وأن مررتَ بدروسها في جامعة السوربون. ولكن،كيف يمكن فك الارتباط ما بين الشعري والفلسفي في النصّ المفتوح؟

_ ذلك لا يحدث إلا بقوة النار.ففصل الشعر عن الفلسفة،يشبهُ فكفكة قشرةِ بيضةِ الدجاجة عن محتواها الزلالي،ولكن دون الإساءة إلى مُحّ البَيْضَةٍ أو خدشه .

 

■ على ذكر الدجاجة.هل تعتقد بأن سيدنا نوح أخذ منهنّ اثنين إلى سطح سفينته ؟

_  نعم،ولكن سرعان ما تم التخلي عن الديك،فرُمي إلى الماء،لتبقى الدجاجة وحيدةً .

 

■ وما السببُ بإقصاء الديك عن سفينة سيدنا؟

_ لوقاحتهِ وصلفه بالصياح الدائم ليل نهار،الأمر الذي أغضب الطوفان،فدفع بآلهة المياه إلى تفريغ حمولة السفينة ،وكبّها بالقاع دون رأفةٍ ،تخلصاً من صياح ذلك الديك الذي أيقظ في مخلوقات السفينة الزئيرَ والعواءَ والنباحَ والخوارَ والثغاءَ والمواءَ والفحيحَ والزئيرَ والصهيلَ والقباعَ والمأمأةَ والنقيقَ .

 

■ وهل كان ثمة شعراء على ظهر سفينة سيدنا ؟

_ وجدتُ كثيرين في سراديب تلك السفينة،ولكنني لم اقترب من أحد.تركتهم نياما مع الحيوانات .فكلّ شاعرٍ يحتضنُ الحيوانَ الذي يشبههُ.

 

■ في أي من مجموعاتك الشعرية وجدتَ منسوبَ الطوفان أعلى.هل كان ذلك في كتاب : مشاغل رجل هادئ (1980)، لأروي كمن يخاف أن يرى (1985)، حكاية الرجل الذي أحب الكناري (1996)، بضعة أشياء (2002)، مجرد تعب (1996)، مديح الخيانة (1997)، ألبوم العائلة وتفسير الرخام (2008

_ لا علاقة لي بقياس النسب. فالشعرُ تنبؤ بكل ما هو مُحطم ومدبوغ الجلد.ولقد متعتُ نفسي طويلاً بتفسير الرخام ،بعد أن تداخلَ في مخ عظامي،وجعل دمي ليلاً غامقاً إلى حدود النّشْوة المرعبة.

 

■ أكان ذلك الخوفُ جزءاً من النشاط الفلسفي في جسد القصيدة،أم تطور جديد لرحلتك في التيه؟

_  لقد حاولت أن أبتكر لنفسي جسراً ما بين الميتافيزيقية وبين أزاهير حديقة روحٍ ،كنتُ أمسك ذبولها بيدي ثانية بثانية.

 

■ هل كنتَ مُترجماً لأعمال الآخرين في الشعر والرواية ،تأخذ منهم آلامهم،وتضيفها إلى سجلك الشخصي على سبيل المثال؟

_ لم أكن بطلاً عشوائياً. أنا صنعتُ نفسي من غبار الآخرين وظلالهم.وضعتُ حجري على أحجارهم،ثم دخلنا الطاحونة ،لنخرجَ من هناك موحدين كما الطحين الأبدي.

■ الطحين الميت الذي تَذروهُ الريحُ تقصدُ ؟

_ ليس أجمل من أن ترى ذلك في لقطة من كاميرة ديجيتال .فالموت لم يعد موظفاً في دائرة ميتافيزيقية،بقدر ما تجاوز حدوده،ليكون فوق كلّ الآلهة.

■كأنك خارج من حربٍ للتو ؟

_ لقد عشتُ حرب الثمانيات في لبنان،وقفزت من الشاحنة العسكرية إلى دراجة رجل البريد لتوزيع الرسائل المناوئة للموت.وبقدر ما كان المتعاركون يجربون أسلحتهم الثقيلة بالأجساد،كنت أجرّبُ في الشعر،لأخلق منحى خاص بي.

 

■ لكن تجربتك الشعرية بقيت محافظة إلى حد ما .أليس كذلك؟

_ لم أفكر بالقفزات،بقدر تفكيري بالإصغاء إلى الكيمياء التي تجعل داخلي حارّاً ومتدفقاً في ثقوب تلك اللغة التي لم ينجح أحدٌ بامتحان من امتحاناتها .

 

■ لمَ يكون ذلك.هل لأن اللغة أشبه بالمدفن الذي يواري فيه الزمنُ الشاعرَ روحاً ولحماً ؟

_ في كل قصيدة قبر.كنتُ اعرف ذلك.ليس عندي وحسب،بل لدى معظم شعراء العالم الكبار.كانت القصيدة تربة لاستحداث شئ يخص العدم،حتى في أعلى درجات التجلي في الغرام والحب .

 

■هل لأن الزمن الأيروسي هو لحظة من الانزلاق على نوع من أنواع العدم أو التيه ؟

_ بالضبط.فذاك لم يكن إلا اتحاداً صوفياً،يخرج منه ثمرٌ يصعب على الذبول أن يطال جماله سريعاً وبثمن رخيص.

 

■ هل هو العذاب الذي لحق بك من وراء مقتل شقيقتك دلال حجار بحادث سير.أم لأنك ترغب بالتجريب تعذيباً لكلمات الشعر واستغراقاً بالعزلة التي كانت منزلاً من منازلك بالأصل.؟

_ بعد وفاة أختي دلال،تقدم بي الموتُ خطواتٍ للانتساب إلى نقابته. بعبارة أدق،شكل لي موتُها حدثاً شعرياً مؤرقاً بالنسبة للغة.

 

■ هل يعتقد بسام حجار أن الشعرَ تجاورٌ مع الآخرين ،وإن لا نصّ حارقاً  بعيداً عن العلاقات الرابطة ما بين الشاعر وكتله الشعبية :القراء؟

_ لم أنس ذلك للحظة واحدة،على الرغم من العزلة التي ضربتها على نفسي.الآخرون بمثابة التربة التي تمشي عليها القصيدة كما أدرك،وليس من السليم أن يديرَ الشعرُ الظهر للآخر،مهما كانت الأسباب.

■ ولكن ثمة من يقول ،بأن لغة بسام حجار لغة مركبة ،يصعب تناولها بشكل عابر.كيف تمتزج مع الآخر ضمن تلك الروح الشعرية؟

_ أن نجعل من القارئ العابر قارئاً مقيماً في منازلنا اللغوية،فيتعلم منها ،مثلما تعلمنا من الأسلاف عبر تجاربنا في التأمل والكتابة .

 

■ ألا تعتقد بأن ذلك يتعلق بالحساسيات الخاصة ببناء الجملة صوراً ورموزاً وإشارات تتداخل ما بين الواقعي والخيالي على سبيل المثال؟

_ بالضبط.ولكن ذلك لا يكون شرطاً.فالتهكم هو الآخر حدثٌ في القصيدة.الجدية اللغوية ،سرعان ما تقضي على الوجود العاطفي للكلمات في غرف القصائد وحدائقها.

 

■ هل شعرتَ يوماً بأنك مجندٌ شعري،وليس شاعراً بقرار ذاتي منك؟

_ أنا من جنود الشعر الربانيّ،ربما نزلتْ على روحي لغةُ الطير الكئيب،فحلقتُ حول الوجود بما هو موجود عندي من أجنحة.

 

■ كأنكَ تعتقد بأن الشعر خرّبَ نفسك ؟

_ ليس الشعرُ هو الذي فعل ذلك،ولكنهم شرطة اللغة بالضبط.

 

■ ما القصد من وراء كلام كهذا ؟!

_ ليس غير تلك اللغة التي فقدت حريتها بالحركة داخل شعوب المتوسط.كنا نريدُ لغةً مفتوحة الأفواه والأبواب والخزائن،ولكننا لم نجد أمامنا إلا القمع واستهلاك طاقات الشعر بالأثمان البخسة .منعتنا الشرطةُ من نيل الكتابة بالسرعة الفائقة.

■ تقصد أن شرطة الذات ممن يعملون في الباطن،هم من جعلوا بسام حجار شاعراً سلحفاتياً ؟!!

_ شئ من هذا القبيل.

■ لماذا لم تعوّل على الخمر في كسر حركة السلحفاة التي بداخلك على سبيل المثال؟

_ من قال لكَ أنني لم أنتمِ إلى عوالم الثمالة التي جاء ذكرها هنا.فكلّ كأس يدخلُ جوفي ،كان يبني جدار برلين ما بيني وبيني بالضبط.وكنت أسألُ باطني عن ظاهري،فيتم في نفسي الخرس.

■ ألذاك كنت متجهم الوجه والورق ؟

_ الكتابةُ في لبنان مشروعٌ بلاستيكي مطاط.ونقطة على السطر.

■ هل هي السياسةُ التي أغلقتْ الأعينَ عن الشعر،فقدمتهُ طعاماً رخيصاً على موائد الأحزاب والمذاهب وطوائف الأسلحة والديانات والإقطاع والذباب ؟

_  أنا فقدت حياتي مع فقدان لبنان للكناري.واجهت الموت وجهاً لوجه،ثم قررتُ ركوب سفينة العدم،للمضي إلى آخر نقطة من تلك الكواكب الغائمة بأصوات الكمنجات.

■ من صنع كل ذاك التجهم.كلّ ذاك السكون المرعب على وجهك،بحيث من يراك ،يستذكر صورةً ما لشبح ؟!!

_ في البدء ،كان العدم على وجهي خربشةً،ولكنه لم يقتنع بذلك الدور كما يبدو،فقرر أخيراً تحويل الوجه إلى صحراء يجرفُ فيها الريحُ.

■ كتبَ عنكَ أحدُ الأصدقاء قائلاً : ((مات مترجم الوجع، وها نحن الآن، ندفن مكتبة ضخمة تحت التراب… نواري في الثرى لغزاً، كنا نسميه بسام حجار.)) فأي وقع لذلك في حياتك؟

_   كلام كهذا،هو حقيبة تُحْملُ على الظّهر دون تردد.

■ وهل كنت مترجماً للألم ؟

_ لقد جئتُ بالمحزونين إلى بنك الآلام، ليستثمروا أحزانهم في الكتابة.ذلك كل ما فعلته من وراء الترجمات التي سبق لي وأن قمتُ بانجازها .

■ لماذا لم تقم بالترجمة المعاكسة.من العربية إلى اللغات الأخرى؟

_ أن تترجم مؤلفاً عربياً إلى لغة أخرى،فذلك صعبٌ،لأن الكاتب العربي سفينة من الصعب أن تقوم بتعديلها إذا ما جنحت على ضفة من الضفاف.

■ بمن تأثر بسام حجار؟

_ بحمى الكتب.

■ وعلى منْ تنادي من الشعراء في أحلامك ؟

_ نومي ضيق،ولا يسمح لصوت آخر غير نعيق الغراب.

■ لقد أصبحت في السماء،ولكنك لم تكف عن ممارسة تقهير نفسك وتلبيسها ثياب الحِداد .لماذا تفعل بنفسك هكذا؟

_  لقد كنتُ حقلاً من الأوجاع،لا مجمعاً من النقاط.لذا ستستمر الآلام إلى أحايين طويلة  .

■ هل هي النزعة المازوخية التي فرضت سلطتها عليكَ في زمن الأرض ،مثلما تفرضها عليك  بعد انبعاثك في هذي السموات؟

_ ربما.ولكنني سعيد بمثل هذا الاحتباس الحراري الذي يجتاح جسدي.

■ هل كتبت شعراً هنا؟

_ ليس بعد.فأنا ماسكُ دفاتر الحِسابات .ويبدو أنني حصلتُ على وظيفة عند شاهبندر التجار الجديد في هذا المكان المستقبلي،فسأنشغلُ بتسجيل نّفقات زوار الجحيم .

■ وهل حصلت على مفتاح لاستعمالاتك الشخصية ؟

_ مفتاح ماذا؟!!

■ مفتاحٌ لأحد أبواب الجحيم نقصدُ ؟

_  أجل.لقد استعرتُ واحداً من الشاعر دانتي .

■ من أجل أن تفاوضهُ على كتابة قصيدة ،تحاكي ملحمته (( الكوميديا الإلهية)) ؟

_ لا أعتقد ذلك . ولكنني حاولت استعمال ذلك المفتاح بخواصي الجسدية،أردتُ أن أفتح ذاتي وأن أقرأ في أوراقها التي كانت غائمة.

■ وهل قرأت بأوراقك الخاصة تلك ؟

_ لم استطع قراءة ولا قصاصة حتى.فقد كانت أوراق أرشيفي ممزقة.

■ من فعل ذلك برأيك؟

_ الشخص الذي كان يتخذ من الغيوم ستائر للاختباء .كان يعمل معي في ((نوافذ)) المستقبل التي سرعان ما بات باصاً للركّاب القدامى .

■ هل ما زلتَ تتذكرُ أحداً من العالم السفلي؟

_ لا أتذكر إلا من أخطأ بقراءتي،واستعملني طعاماً لجرذان التأويل السلبي.

■ هل يخيفكَ النقدُ ؟

_ ولا حتى ما تذهب به الكنيسةُ من التعويل على العقاب لإصلاح صاحب الخطيئة.

■ هل تظنُ بأن الشاعر بعد الموت،يترك شعرهُ في الآخرين،كما كَومة التراب التي يتركها الخُلدُ على الأرض؟ ما مدى صحة ذلك؟

_ مهما تحدثوا عن التراب والجسد ،يبقى الشعر بعيداً عن ذلك،لأنه من المحاصيل الخيالية التي عادة ما تنجو من الحرث والتجريف والطمر والنسيان.

■ ماذا تفعل ،لو أشعل أحدهم قَدّاحةً بوجهك ؟

_ سأدخن نفسي بكل برودة أعصاب،وأنتقلُ إلى سرير عائم في الجو .

■ وماذا تفعل هناك.أكنت تنامُ على سرير مستشفى؟

_ لست صاحب الحظ الوحيد بالحصول على ذلك السرير،لأن الأغلبية العظمى من الكتّاب والشعراء والفنانين ،سيمضون القيلولة  على ذلك السرير.

■ هل كنت خائفاً يوم كنت ممدداً على ذلك السرير؟

_ كنتُ خائفاً من عدم حضور المسيح في حفلة الانطلاق إلى الملكوت.

■ذاك وحسب ؟!!

_ وماذا تريدُ مني أن أعترف لك:كنتُ ألعب بالزار مثلاً ؟؟

■ لا.ولكنك ربما كنتَ بانتظار أحد ما .

_ دعني أطمئنك ،بأن عدد المتفرجين على موتي،كان منخفضاً ،تماماً كما يحدث في الملاعب أثناء أية مباراة ودية محلية .

■ لم تكن تلك مشكلةً هامة.فبالتأكيد أن أحداً ،لا يمكنه قطع تذكرة للرحلة الأخيرة.ولكن السؤال هنا،هو كيف تم استقبالك في كاتولوغ الموتى ؟

_ كنت كما العجينة التي وقعت على صفيحة فرن مشتعل.ملأتني الحرارةُ ،وتبخر مائي في الحال،لأكون ناضجاً بين تلك الأقوام البيضاء.

■ وما اللغة التي استعملتها للتفاهم مع تلك الأقوام في ذلك الكاتولوغ السماوي؟

_ لا معرفة عندي بها. ولكنها لغة بأصوات ملونة ورائحة تشبه المانجو ،وليس فيها نقاط .

■ ولا تمشي أو تستقر على سطور ؟

_ أبداً .لأنها معلقة على حبال فقط،ولا تسمعها إلا بعد أن تشتدّ الريحُ بالغناء في الحناجر.

■ هل اجتمعت بالشياطين الشعريين في مكان ما من هذي السموات؟

_ الشياطين هنا،لا يكتبون شعراً،بل يبيعون للموتى الجدد مؤلفاتهم الفلسفية فقط.وكُنْ واثقاً بأنني تمتعت ببعض كتبهم الخاصة بالأجهزة التناسلية .

■ وما علاقة الفلسفات بطب الأجهزة التناسلية يا بسّام حجار؟

_  كتبهم تؤكد على أن الأعضاء التناسلية ،مثلما شكلت محور الحياة على الأرض،فإنها هي نفسها ،تعيد تكوين المخلوقات في السماء.

■ ولكن ثمة من يقول (( الشعر الحديث يبدأ بتصريحين للشيطان:لا عهد لنا بعهد لم نكن فيه كما نحن الآن،و ((أن تكون ضعيفاً يعني أن تكون بائساً ،عملاً أو معاناةً .)) !!

_ دعك من كلام الشاعر الإنكليزي جون ميلتون الذي عاش في القرن السابع عشر،فقد غيّر هذا الرجلُ الكثير من أفكاره هنا،بعد أن استرد بصرهُ من مرحلة العمى التي أصابته يوم كان على ذلك التراب البعيد .

■ تعني أن الشياطين جدليّون بامتياز ؟

_ هم كذلك تماماً .