لوحة نهاد ويشو

بدأ أدب الاعتراف في أوروبا. كان طقسًا كنسيًا، له الفضل في ظهور هذا النوع الأدبي، ارتكازًا إلى أن “الاعتراف” يعني تطهر المعترف من الخطايا والذنوب.

ولعل اعترافات القس أوغسطين الصادمة، هي أول ما عرفناه كنوع أدبي له سماته، فقد انتشرت كتابات الاعترافات في أوروبا أوائل القرن الثامن عشر، وهي الفترة اللاحقة لصدور اعترافات أوغسطين.

الاعتراف يعنى أن يعترف الإنسان على نفسه، بقوله فعلت كذا وكذا، وقلت كذا، وهو أيضًا شهادة على الآخرين المشاركين في الفعل، المقصود بالاعتراف هو البوح الصريح، أو الكشف عن المستور، الذي فُعل من قبل، إنه جزء من سيرتنا، الاعتراف في الكنيسة بين رجل الدين والشخص المعترف، أما “أدب الاعتراف” فهو اعتراف على الملأ لكل أفراد المجتمع، ولجميع القراء.

بالطبع، فإن فكرة الاعتراف، تتنافى مع فكرة تجميل ذواتنا وتاريخنا وسيرتنا، ثمة من يخلق أسطورته، أي يذكر – على سبيل المثال – أنه من أصول تنتسب إلى الرسول “صلى الله عليه وسلم” أي من الأشراف، أو من الأولياء، أو أنه من أسرة غنية كانت تمتلك الأراضي والدور، ولكن الزمن فعل فعلته، إلخ..

الحقيقة أننا نشأنا في مجتمعات تتواطأ مع الكذب، فالاعتراف بالحقيقة، يعد صدمة للمجتمع ولعاداته ومعتقداته، إنه فكرة لا يصح أن تنتشر بين أفراد المجتمع الصالح، إنما علينا أن نذكر الفضائل والحسنات، ونخفي الأخطاء والعيوب والنقائص، أي نتجمل ونزيف، وفكرة الاعتراف في مجتمعاتنا مرتبطة بفكرة الحلال والحرام.

لا يقبل الأدباء على كتابة أدب الاعتراف، لأن ذلك يتسبب في “جُرسة” وكسر للحدود والتابوهات، وانتقاص من هيبة ومكانة الأديب، وفقده احترام الآخرين.

لن نجد أدب الاعتراف في مدوناتنا العربية، لأننا نرفض الكشف والصراحة والتعري النفسي والوجداني أمام الآخرين، أحيلك إلى كل ما يكتب على صفحات الفيسبوك، لن تجد إلا التأنق، فلا ينقصنا إلا أجنحة الملائكة، فكلنا أنقياء طيبون، أما الاعتراف فهو يؤكد على ضعفنا وبشريتنا وارتكابنا الخطايا والشرور.

عندما نقرأ أدب الاعتراف في كتابات جان جاك روسو، أو أوسكار وايلد، أو أندريه جيد، أو بدلدوين، أو جان جنيه، وغيرهم، نجد أننا أمام كتابة تعترف بالنقائص، وتقدم تأملات الذات، وإعلائها، وليس للحط من قدرها، بل تقول إنها قادرة على المواجهة، وتعتز بتحديها للنفاق والكذب، أدب الاعتراف يحتاج إلى مبدع لديه شجاعة المواجهة، ومواجهة النفس أولًا، ومواجهة المجتمع ثانيًا، يساعد الكاتب على هذا، المناخ أو البيئة الثقافية والتربية الحاضنة، فهي التي تثمن الاعتراف وتقدره. والدافع هو التخلص من الخوف والخجل.

كيف يسمح لكاتب عربي أن يكتب أدب الاعتراف على مدونة عربية؟

إذا كان يتحاشى الكتابة الورقية في هذا اللون الأدبي، فإن الكتاب له متلقوه، وهم قله في وطننا العربي، بضعة آلاف من النسخ، تطبع، وتوزع هنا أو هناك، أما المدونة فهي مفتوحة للجميع، لكل من يتصفح على وسائل السوشيال ميديا، وهم بالملايين، أي أن الفضيحة تصبح ” بجلاجل”!، وتنهال التعليقات، والسخرية، والشتائم على الفور، فأين هذا الكاتب الذي يقوى على ذلك؟

منذ سنوات قدمت الإذاعة المصرية برنامجًا بعنوان “اعترافات ليلية”. كان يذاع في وقت متأخر من الليل. أعتقد أن اختيار الوقت كان مقصودًا، فلأجل  أن لا يكون البرنامج جماهيريًا، ويواجه انتقادات، رغم هذا، فقد صوبت إليه سهام النقد من قبل بعض الأقلام، التي اعتبرته برنامجًا يحض على الرذيلة.. وبعد فترة توقف البرنامج!.

وأذكر أن إحدى الكاتبات تحدثت في ندوة عن تجربتها الشخصية، فلاقت هجومًا عنيفًا وصل حد التجريح، فآثرت الابتعاد عن الوسط الثقافي. هذا هو جزاء كل من يتخطى حدود المقبول في مجتمعاتنا العربية.

كتب بعض مبدعينا أدب الاعتراف في صيغتين: الأولى روايات مثل “المرايا” لنجيب محفوظ. كل شخصيات الرواية التقى بهم محفوظ، وهم شخصيات حقيقية، قدمهم، وقدّم رأيه وموقفه منهم، كذلك ما فعله الطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” وأحمد إبراهيم الفقيه في ثلاثيته، أما الصيغة الثانية فتتمثل في السيرة الذاتية كما هو الحال في “أوراق العمر” للويس عوض الذي تحدث فيها عن علاقته بأفراد أسرته: بأبيه وأخيه الأصغر وإخوته، كشف لويس عوض الكثير من الأمور، وخصوصًا علاقته المتوترة بأبيه. وكتب محمد جبريل سيرته الذاتية في “حكايات عن جزيرة فاروس″ و”أيامي القاهرية” و”الحياة ثانية”، و”مقصدي البوح لا الشكوى” وجمال الغيطاني في “التجليات”، و”أيام الحصر”، وسيرة شكري عياد، “ذكريات” رفعت السعيد، و”بيضة النعام” لرؤوف مسعد، و”رأيت رام الله” لمريد البرغوثي. الاعترافات تأتي في ثنايا العمل الإبداعي وليست مقصودة لذاتها، لا يمكن – بالطبع- أن نغفل “الأيام” لطه حسين، و”عصفور من الشرق” و”سجن العمر” و”من ذكريات الفن والقضاء” لتوفيق الحكيم، و”أنا” و”عرفت هؤلاء” للعقاد و”حياتي” لأحمد أمين.. وما كتبه ميخائيل نعيمة، وأحمد فارس الشدياق، وغيرهم.

لم تجرؤ المرأة العربية أن تكتب “أدب الاعتراف”، وإن يجدر بنا التوقف عند مذكرات الأميرة العمانية “وليم” – باللغة الألمانية – التي تتأرجح بين السيرة الذاتية والاعتراف.

من الصعب أن نجد كاتبة تهبنا أدب الاعتراف، سنظل لسنوات ندور في فلك كتابة السيرة الذاتية، ما كتبته فدوى طوقان، ورواية كوليت خورى “ليلة معه”، وما نشرته غادة السمان من رسائل متبادلة بينها وبين الروائي والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، وكتابات ديزي الأمير عن علاقتها بالشاعر خليل حاوى، و”مذكرات طبيبة” لنوال السعداوي، و”حملة تفتيش – أوراق شخصية ” للطيفة الزيات، وكتابات صافيناز كاظم وفاطمة المرنيسي.

في رأيي فإن كتاب “بلا حشومة في الجنسانية النسائية في المغرب” من أدب الاعتراف، الكتاب من تأليف سمية نعمان جسوس، وترجمة وتحقيق عبدالرحيم خزعل، يتناول اعترافات نساء مارسن الجنس خارج مؤسسة الزواج، وكيف واجهن مشكلات من قبل فقدان العذرية، والحمل، ورفض اعتراف الأب بابنه، وكيفية إعالة أبنائهن، وعدم تقبل أسرهن لهن، وطرق الخداع المتبعة ليلة الزفاف، وكيفية ملاحظة الأم أن ابنتها تمارس الجنس دون فقدان غشاء البكارة إلخ، الكتاب طبع منه أكثر من ثلاثين طبعة بالمغرب، منذ أن صدر في 2003. على الرغم من أن الكتاب يقدم اعترافات نساء بائسات، تعيسات، فإنه كتب بأسلوب مرح، بذل فيه جهد كبير لاستنطاق الحالات، دون كذب أو تجميل، فضلًا عن التجميع، والكتابة، والتحليل، واستخلاص النتائج.

لعل الكاتبات النسويات كن أكثر انفتاحًا، للنهل من تجاربهن الحياتية، والحديث عن ذواتهن، وتقديم بعض الاعترافات، أشير إلى كتابات حميدة نعنع عن تجربة السفر والترحال في روايتها “الوطن في العينين”، وما كتبته علوية صبح في روايتها “اسمه الغرام” عن سيرة والدتها التي عانت تجربة الزواج صغيرة بغير إرادتها، ثم عشقها لشاب آخر، ومعاشرته معاشرة الأزواج، ونبذ أسرتها لها، ثم زواجها ممن أحبت، وفقدانها هذا العاشق في حادث أليم. تعترف الكاتبة في أحد الحوارات الصحافية أن أمها لامتها لأنها قدمت سيرة حياتها على أنها رواية، وقالت “هذه سيرة حياتي”. كانت الأم أكثر شجاعة من ابنتها الكاتبة المرموقة، واجهت المجتمع بتفاصيل حياتها عاشت بالصدق مع نفسها، رفضت الزيف، وارتضت حكم المجتمع عليها.

وهناك بعض الأعمال التي تلامس أدب الاعتراف، مثل رواية “بنات الرياض” بما تثيره من مشكلات تواجه جيل الشباب، وإفادته من وسائل الاتصال الحديثة، في تلقي الرسائل، والرد عليها.

لا أتصور أن الكاتبة العربية سيتاح لها أن تكتب أدب الاعتراف، أن تكتب عن حياتها بصدق، فهي تعاني من ضغوط شديدة، السطوة الذكورية تمنعها من البوح، والكشف، وتعرية المستور، المجتمع لا يبيح للرجل أن يعترف، لقد تندر البعض من زواج لطيفة الزيات برشاد رشدي، كان السؤال لماذا؟ وحين جاءت إجابتها عبر أوراق شخصية “الجنس أسقط روما” كانت صادقة في ما قالته. هذه هي الحقيقة دون تجميل أو زواق.