من خلال عنوانه، يوحي معرض “برج بابل.. مغامرات في الترجمة”، المُقام حالياً في “جامعة أكسفورد” البريطانية، بأنه يأخذ زائريه، ولو تخيّلاً، إلى ذلك البرج وحكاية تبلبل الألسنة الأسطورية التي التصقت به، إلّا أنه يتجاوز في الحقيقة هذا البرج وأسطورته ودوران البشر حول لغة كونية واحدة؛ فالمعرض يُقدِّم بعضاً من كنوز “مكتبات بودلين” الثمانية والعشرين، ويأخذ الزائرين في رحلة استكشاف لمطلَق وجود الترجمة وقوّتها في حركة الأفكار والقصص والممارسات الثقافية حول العالم.

نقطة انطلاق المعرض هي استكشاف الكيفية التي تنقّلت بها القصص عبر الأزمنة والأمكنة واللغات ووسائط التوصيل، والوسيلةُ عرض مجموعة مدهشة من محفوظات مجموعات مكتبات بودلين، تتضمّن كنوزاً قديمة تتسلسل من لفائف أوراق برديٍّ من القرن الثاني الميلادي كُتبت عليها إلياذة هوميروس، فكتاب رياضيات بيزنطي من القرن التاسع، فمخطوطات يزيّنها توليف بين الكلمات والأشكال الزخرفية، كما تمثّلها مخطوطة قرآنية من القرن السادس عشر، فقصص الحوريات والجنيات، فالكتب الدينية، وصولاً إلى عرض أشياء معاصرة؛ مثل علامات دالّة على اتجاهات الطرق، وأدوات وسم العلامات، ومنشورات، وكلُّها تلفت الانتباه إلى تعدُّد اللغات والخطابات الموجَّهة إلى جمهور عالمي واسع.

وينسف هذا المعرض، فيما ينسف من أفكار شائعة، فكرة أن الترجمة هي نقل نص، كلمة بكلمة، إلى لغة أخرى، أو أنها لم تعد إلا طرازاً بالياً في عصر برامج الترجمة الآلية وسيادة وعالمية اللغة الإنكليزية، ويُظهر، بدلاً، من ذلك بوضوح كيف أن الترجمة فعلُ خلْقٍ وتأويل، وهي جزء من حياتنا اليومية منذ بداية الزمان.

وتضيف كاترين كويل، أستاذة الأدب الألماني في جامعة أكسفورد، وأمينة المعرض المساعدة، المزيد من الإيضاحات بالقول إن المعرض “يستكشف التوتُّر بين سعي البشر منذ العصور القديمة إلى لغة جامعة مانعة، مثل اللاتينية أو الإسبرانتو أو الإنكليزية اليوم، وبين واقعة أن المجتمعات اليوم تُواصل رعاية لغاتها ولهجاتها والحفاظ عليها كجزءٍ من صيانتها لهويتها الثقافية. وخلال ذلك يلقي، الضوء على كيف أن الترجمة تبني جسوراً بين اللغات، وكيف أن المناطق الحدودية بين اللغات يمكن أن تكون أراضيَ خصبةً للمقاومة وبلورة القدرات الإبداعية”.

بلفت النظر إلى هذا التوتُّر، واستكشاف ترجمات الكتب السماوية والقصص الخيالية والخرافية، ومحاولة إيجاد لغة علمية كونية، اجتذب المعرض زواراً من مختلف الأعمار، كباراً وصغاراً، وكلِّ معنيٍّ باللغة والعلوم والديانات وقوّة القصص.

ويأخذ المعرض في اعتباره، وهو يلقي أضواءَ على التعدُّدية الثقافية وتعدُّد الهويات، عدداً من القضايا لا تمسّ مسّاً مباشراً بريطانيا وهي تقترب من الخروج من الاتحاد الأوروبي فقط، بل وتمس أكثر من بلد في زمن أصبح فيه التعدُّد الثقافي وتعدُّد الهويات من حقائق العصر الراهن الماثلة في كل زاوية من زوايا هذا العالم.

ويرى المنظّمون أن الجزر البريطانية، التي هي محور تفكيرهم من حيث المنطلق، كانت دائماً ولا تزال متعدّدة اللغات، في إيماءة ربما إلى أن من الخير الاعتراف بهذه الحقيقة في مواجهة نزعات التعصُّب للغة الواحدة والجغرافية الواحدة، أو حتى العنصر الواحد، التي تلوح في أفق أكثر من مجتمع أوروبي على وجه الخصوص. وفي ما يتعلّق بلغات المستقبل، يلفت النظر اهتمامُ المنظّمين بمشكلة شائكة هي كيفية تمييز المواقع التي تُطمَر فيها النفايات النووية مستقبلاً، وكيفية جعل علامات التحذير مفهومة طوال آلاف السنوات القادمة، بدءاً من الزمن الراهن.

وفي المعرض تبرز، بالإضافة إلى صفحات من المخطوطات العربية المميّزة، عدّة مواد أكثرها أهميةً مخطوطة فريدة من نوعها ترجع إلى عام 1541، تُدعى “مخطوطة مندوزا” تحمل كتابةً بالصور مخطوطة باليد، وإلى جوارها كتابة بلغة الناهواتل المكسيكية القديمة، وكتابة باللغة الإسبانية، الغرض منها إعلام الحكّام الإسبان بما أصبح لهم من أراضٍ جديدة في المكسيك، أو بما اغتُصب من أراضي المكسيك إذا توخّينا الدقّة.

ويبرز، أيضاً، دفتر ملحوظات غير منشورة لكاتب القصص الخيالية الشاعر الإنكليزي جون رونالد تولكن (1892- 1973)، صاحب مسلسل “سيد الخواتم” و”الهوبيت” تُظهر ابتكاره لمدوّنة الكشّاف الخاصة، القسم وقواعد السلوك.. إلخ، في سن السابعة عشرة، وهو يدرس لغة الإسبرانتو. وتُعدّ هذه أول النماذج البدائية المعروفة عن اختراعه للأبجدية التي ستتطوّر إلى اختراع لغات الجن في رواياته الخيالية.

وهناك رسوم إيضاحية وضعها الرسّام الفرنسي هنري ماتيس لرواية جيمس جويس الشهيرة، “يولسيوس”، صوّر فيها مشاهد من أوديسة هوميروس بدلاً من مشاهد الرواية التي لم يقرأها. وبين المعروضات أيضاً، نجد نسخاً متنوّعة من قصّة سندريلا، واحدة لشارل بيرول، وأخرى للأخوين غريم، وثالثة لشيرلي هيوز، ونشاهد فيلماً يُظهر، والنموذج هو هذه القصة، كيف تتنقّل القصص من ثقافة إلى أخرى، وكيف تُحدث الأمكنة والأزمنة ووسائط النقل تغييرات في القصة وشخصياتها.

تُرينا واجهات العرض التي ضمّت هذه المخطوطات والصور والمواد الفريدة، كما يقول أحد موظّفي مكتبات بودلين، “بالإضافة إلى الإثارة التي تحملها، كيف شكّلت الترجمة حياتنا المعاصرة في مجالات العلوم والدين والسياسة والأدب والصحة والأغذية”.

يُضاف إلى ذلك، أن كنوز مكتبات بودلين من هذه الأعمال المعروضة إنما نشأت عن عمليات ترجمة من لغة إلى أخرى، ويمكن أن يغيّر الكشف عنها طريقة تفكيرنا حول الترجمة ومفاعيلها في هذه الأيام، ولم يترك منظّمو المعرض وسيلة إلّا واستخدموها لجعل الزائرين يختبرون هذا بأنفسهم، وأكثر هذه الوسائل جدّةً كانت توفير فرصة الاستماع إلى نصوص من مخطوطات المعرض تُقرأ بلغاتها الأصلية، بدءاً من لغة مرتفعات التيبت في الصين، مروراً بالسنسكريتية فالفارسية فالعربية، وصولاً إلى الإيطالية والألمانية.

https://www.alaraby.co.uk/culture/2019/3