مات لي تاي پي أو لي باي من القمر) يقول الصينيون. ذات ليلة صافية، كان الشاعر يتقاسم العشاء مع أصدقائه على متن قارب فوق النهر الكبير. كان الهواء نقيًا والمياه ساكنة لا ترتسم على صفحتها تجعيدة واحدة، والقمر يشع من أعماق النهر، حيث كانت تنعكس النجوم كلها. مبهورًا بسحر المشهد، انحنى لي باي على حافة القارب، وراح يحدق إلى الأعماق. ثم فجأةً، صاح: في الأماكن المجهولة، لا يوجد ارتفاع ولا عمق. القمر يناديني ويُفهِمُني. لا فرق في أن تصعد أو تنزل حتى تصل إلى العالم الآخر. ثم تمدَّد على صفحة الماء، وللمرَّة الأخيرة، ذهب نحو القمر.

 

الوردة الحمراء
لي باي (٧٠١-٧٦٢) الصين

بالقرب من النافذة، تجلس زوجة المحارب.
مثقلة القلب، تطرز وردة بيضاء
على وسادة من الحرير.
تخز الإبرة إصبعها!
يسيل الدم على الوردة البيضاء
التي تتلون بالأحمر.

ثم تسمع وقع سنابك حصان يجمح.
تُرى! أهو حبيبها الذي يعود أخيرًا؟

لكنها ليست سوى دقات قلبها الذي يخفق
بعنف في صدرها…
تحني رأسها على الوسادة
وحول الوردة الحمراء،
تطرز دموعًا من فضة.

 

***

 

ظل ورقة برتقال
تي تون لينغ (٧٧٢-٨٤٥) الصين

وحيدةً في الغرفة
تطرِّز الصبيَّة أزهارًا حريريّة
فجأةً، تسمع صوت نايٍ بعيد…
ترتجف.
تتخيّل شابًا يكلمها بأشياء عن الحب.

عبر ورق النافذة،
على ركبتيها، يحطُّ ظلُّ ورقة برتقال.

تغمضُ عينيها

وتحلم أن يدًا تمزق ثوبها.

 

***

 

ريف
دو فو (٧١٢-٧٧٠) الصين

في الشهر الثامن، وقد أوغل الخريف،
أسمعُ عواء الريح، إذ تنتزع طبقات سطح كوخي الثلاث.
يعبر القش المتطاير النهر ويتناثر على الضفاف.
بعضه يعلو ويظلُّ معلَّقًا على أغصان الغابة،
وبعضه يسقط متلولبًا في المطارح الخفيضة.
يهرع أطفال القرية، يسخرون من شيخوختي وعجزي،
وبوقاحة، يسرقون القش ويختفون في غياض القصب.
أصرخ حتى يجفَّ حلقي وتتقرَّح شفتيَّ، بلا جدوى.
أُقفل عائدًا إلى كوخي متكئًا على عصاي وأتنهَّد…
مبلَّلًا، أفكِّر، كيف أقضيك أيها الليل الطويل؟
ثم أقول في نفسي، ليتني أستطيع تشييد قصرٍ بآلاف الغرف
لكل أولئك الذين يرتجفون بردًا في هذا العالم.