بلال اللبابيدي

ما الذي يمكن أن يحدث لو أن فراشة خفقت بجناحها في مكان ما؟ يجيب إدوارد نورتون لورينز على هذا السؤال ــ مطلع الستينيات من القرن المنصرم ــ بأنه من الممكن أن ينجم عن هذا الاهتزاز الخفيف إعصار كارثي، كان هذا الرياضي الباحث في مجال الأرصاد الجوية يعمل على دراسة التأثير المتعاظم للتغيرات الصغيرة في الحالة الجوية، وكان اهتمامه منصبا على وضع خوارزميات حاسوبية للتنبؤ الجوي تتمتع بأكبر قدر من الحساسية والمصداقية، من خلال تحليل ما يسمى تغيرات الحالة الأولى، وإن كانت طفيفة ــ كاهتزاز جناح الفراشة في مكان ما ــ ليكون المنتهى إعصار مدمر في مكان آخر. ويعنون محمود درويش يومياته المكتوبة ما بين 2006 و2007 بأثر الفراشة، ومنها قصيدة يستهلها بقوله: أثرُ الفراشة لا يُرى، أثرُ الفراشة لا يزول. مستحضرا تاريخا كاملا يمكنه أن ينداح وراء هذا الأثر. لا يمكن تجاوز الحقيقة التي تقول بأن عموم النظم السياسية عبر التاريخ كانت تعتمد في سعيها لترسيخ سلطتها ـ التي كانت في الأغلب سلطة مطلقة ـ على مفهوم أثر الفراشة. (لم يكن هذا المصطلح قد صُك للتداول قبل إدوارد نورتون) ولكنه كان فاعلا ومحركا جوانيا في مسير التاريخ، فلو جعلنا فكرة ما (كفكرة الحرية مثلا) مكان اهتزاز جناح الفراشة فلسوف ترى مباشرة بأن السلطة السياسية – وعبر التاريخ كله – قد مارست أشد أنواع البطش للحيلولة دون انتشار هذه الفكرة خارج أدمغة من فكروا فيها، وإن تدعيم السلطة لذاتها يقتضي عمل السيف والنطع، واجتثاث الفتنة باجتثاث رؤوسها التي أينعت، وتجفيف منابعها، وزراعة الخوف في حقول العقل، وتسميد هذا الخوف بالديني، بل وبالخرافي أيضا، وحصره باليومي، وتهديده بالعدمي، والتلويح بهذا العدم كبديل عن الطاعة، والحث المستميت على إنكار أي فكر، ما لم يكن مصكوكا من قبل السلطة ذاتها، التي صادرت عبر التاريخ مهنة صناعة الحقيقة المطلقة، فلا حقيقة خارجها، ولأن الفراشة التي قد تهز جناحها اليوم قد تقض عرشا في الغد، ففي أحد وجوه مقتل غيلان الدمشقي، أنه كان قد هز جناح فراشة تقول بنفي الجبرية عن القدر، وأن الإنسان حر، قال شيوخ حضروا مجلس هشام، لقتل هذا الزنديق أحب إلى الله من قتل ألف رومي، وما زالوا يتناسلون في البلاط والقصور الرئاسية حتى اليوم.

ففي أحد وجوه مقتل غيلان الدمشقي، أنه كان قد هز جناح فراشة تقول بنفي الجبرية عن القدر، وأن الإنسان حر، قال شيوخ حضروا مجلس هشام، لقتل هذا الزنديق أحب إلى الله من قتل ألف رومي.

نظرية الفوضى

يبدو أثر الفراشة إذن مقبولا وبمنطق بسيط، بل كثيرا ما حدثت لأحدنا مواقف يمكن تفسيرها به، كمتوالية من الأحداث تشبه لعبة الدومينو، تسقط ملعقة الطعام فيحاول أحدهم التقاطها، فيصطدم رأسه بالكرسي، يُشج مما يستدعي قطبا جراحية، لكنها كانت فاسدة ملوثة، تلاها تسمم في الدم وموت. فهل كان من الممكن تجنب هذا الموت بترك الملعقة على الأرض؟
كتب آلان تيتلي، الأكاديمي والقاص الإيرلندي، قصة عنوانها «نظرية الفوضى» ــ وهو الرسم الآخر الذي اختاره نورتون لشرح أثر الفراشة في الجمل الفيزيائية ــ تحكي القصة عن سيدة تسأل بروفيسورا عن سبب الزلزال الذي دمر المدينة، وترفض بشيء من الغباء تفسيراته التي قدمها تباعا، فقد رأى بأن السيدة المتدينة، قد ترضى ربما بالتفسير الديني الذي يقول بالعقاب الإلهي للخاطئين، ولكنها رفضته لأنها كانت ـ وكذلك عائلتها ـ من المؤمنين القائمين بواجباتهم الإيمانية، فلم هم الآن مسحوقون تحت الردم؟ كما ورفضت تفسيراته التي تستند إلى الجيولوجيا، فلم يكن منه – بعد نفاد صبره – سوى أن قال «السبب في الزلزال الذي دمر مدينتنا هو أن نملة «ضرطت» في أرخبيل ريو ديل فويجو».

حرّاس الفضيلة

لم يكن من أحد ـ بعد السلطة السياسية طبعا ـ أشد حرصا على سد الباب في وجه أثر الفراشة من حراس الفضيلة، فعند تلاقي المثل العامي «تحت السواهي دواهي» مع البيت الشعري الذي يقول: «كل الحوادث مبداها من النظر ما أعظم النار إلا من مستصغر الشرر» يمكننا ملاحظة جدار عال من الحرمانية الدينية يقف عائقا أمام المخاطرين بأرواحهم في رحلة النظر تلك، وإلى جانبه مقالات طويلة تحذر من العواقب الكارثية للنظرة، ما دفع الفقهاء للتقشف في ما يحق للخاطب رؤيته من المخطوبة، ورفع النصوص القائلة بتحريم النظر في وجه موجة جارفة من متذوقي الجمال الذي انداح حين تلاقحت الحضارات وانفتحت البلاد على ما هو أبعد من رمال الصحراء، كل ذلك كان صداً وقائياً لهذا الأثر الذي تمت شيطنته بنجاح فائق، رغم أنه كان أهم الينابيع التي ولدت تاريخا من العشق مصبوبا في تاريخ من الأدب، إذ لم يكن من شيء أشد خطرا وتفجيرا لمتوالية التعلق، فالحب، فالهيام ودرجاته التي تنتهي بالموت شغفا، من نظرة العين، فقد مجّد الجاهليون مقالة المثقب العبدي، لأنه التفت لهذه الأخذة الساحرة، ثم تفجرت خيالات الشعراء وقرائحهم بكل ما هو مبهر في جماله، ولم يكن حتى وفاض الشعراء العميان خاليا من أثره، إذ يكتفي بشار بن برد بلمسة من فاطم كي يلهب خيال الشعر: «أفاطم قد وصفت لنا بحسن وإنا لا نراك فالمسينا». وكذلك فإن العذريين هاموا ربما من النظرة الأولى، ثم انتهوا تلك النهايات الحزينة، كغيلان مية، قد هام حتى بكى، وأنشد «ما بال عينيك منها الماء ينسكبُ كأنه من كُلى مفريةٍ سَرِبُ». قالوا له: لو قلتها في الجاهلية لسجدت العرب لها. يقول حراس الفضيلة بأنه لا قيمة لكل هذا المنتج أمام وزنه كمعصية تستدعي توبة نصوحا، ولكنهم، في الوقت ذاته، لم يلاحظوا أن الإرتاج بالحرمانية على هذا الحيز الشعوري الضاغط، قد ولّد ربما ما هو أسوأ حين شطحت الصوفية في أثر فراشتها نحو الوقوع في التباس الخطاب الشعري الصوفي للمعشوقة ومثنويتها المبهمة مع الذات الإلهية. وكأن تصريف الفائض من العشق ـ حين لا يجد محبوبة ذات صفات أرضية بشرية لأسباب تتعلق ربما بمثنوية الحلال والحرام – قد نفّس كربته بجعلها سماوية مطلقة، هنا لن يستطع الشرطي حارس الفضيلة أن يستوقف هذا الحب عند كل ناصية مدققا في ثبوتياته وشرعيته، لكن الأمر ليس بالسهل طبعا، إذ لم يخل من حسبة ذات طبيعة سلفية كأن تنظر لأثر هذه الفراشة على أنه قد يصل بصاحبه للخروج عن الملة.

أنشرها ولك الأجر

حقيقي هو أثر الفراشة، ولكننا في عتبة انتباهنا المرتفعة لا نلحظه، ولو لحظناه فلا نوليه اهتماما، يبدو وكأنه مندرج في تلك الإشارات المرهفة التي تسمعها المخلوقات عدا البشر قبل الزلزال، حقيقي هو، وله سهام تضرب في كل اتجاه في الحياة، ولكن أين هي دفعة الحياة الأولى في هذا الهيكل المعقد؟ تلك الدفعة التي بدأت معها حركات الجينوم تعتلج بجملة عبقرية من عمليات الترجمة المفضية للشكل وللوظيفة وللحياة، للصحة أو للمرض، وللموت أيضا. لعلنا لا نرى هنا أثر هذه الفراشة قدر ما نعيش نتيجته الظاهرة على الجسد.

القوة الناعمة ليست سوى اليقين بأثر الفراشة في المستقبل، قوة الكلمة، الفكرة، الإشاعة، في التأسيس لانهيار ذي نهاية شكسبيرية، والعمل عليه – بدم سياسي إنكليزي ــ لقطف ثماره اللاحقة

وتظهـــر قـــوة هــــذا الأثـــــر جلية في الأمــــراض التي تستند في حدوثها إلى خطأ بحرف وراثي واحد، كفقر الدم المنجلي مثـــلا، فالخطأ في هذا الحرف سيفضي لهبوط القدرة على نقل الأوكسجين الضروري للحياة، ســـتقفر الأنسجة منه، ثم تتشظى تباعا وتموت في شكل نوبات كارثية.
أسوأ ما في الأمر انتباه المؤمنين بقوة الطب البديل لتطبيق الواتس آب، إنهم – وعبر هذه التقنية – يمهدون لرجعة عصر الأعشاب، وفجر جالينوس الجديد، ما قد يتفق مع رؤية ديستوبية لنهاية هذا العالم، فحين يعجز الطب تبدأ الخرافة، وقد تبدأ أحيانا كثيرة قبل أن يمتحن الطب أعجز أم لا. ذلك لأن الخرافي والماورائي قد يعرض بثمن بخس، بل ربما هو مجاني، لقاء دعوات صالحة يريدها ناشر الرسالة مستخدم التطبيق، وأثر الفراشة هنا هو قدرة هذا التطبيق على بث الرسالة بدون التدقيق في صحة محتواها، وكذلك في إغفال مصدرها، لتصل وفق أثر فراشي لعدد كبير متزايد من القراء، يغلب أن يكون مضمونها خاليا من أي قيمة علمية، بل هو في أغلبه جهالة تلبس ثوبا يسمى pseudoscience العلم الكاذب، وتجد ــ في غياب القدرة على محاكمة الأمر بمنطق عقلي بسيط قبل محاكمته وفق معايير الطب المعقدة – شريحة كبرى من القراء الذين لا يكتفون بالقراءة فقط، بل يذهبون وبكبسة زر نحو التبشير الأعمى به عبر إنشرها ولك الأجر.

ديستوبيا سوداء

كذلك فإن القوة الناعمة ليست سوى اليقين بأثر الفراشة في المستقبل، قوة الكلمة، الفكرة، الإشاعة، في التأسيس لانهيار ذي نهاية شكسبيرية، والعمل عليه – بدم سياسي إنكليزي ــ لقطف ثماره اللاحقة، هنا حيث لا تنفع القوة الغاشمة، بل ربما تأتي بنتائج ضد المصلحة السياسية، وقد انتبهت الفاشيات كلها لهذا الأمر فجعلت همها الأكبر في التأسيس البطيء ــ وعبر عمليات تربوية فاشية ــ لأجيال تحمل الفكرة الفاشية قبل عربة الحاكم، القوة هنا كانت تراهن على ضبط المتجه المجتمعي بأقسى ما يمكن من عمليات رقابية، هي تعرف بأن هذا لم يكن مثاليا ومكتملا، تعرف بأن اعتلاج الرفض موجود في الأعماق السحيقة للنفس تحت طبقات الخوف، وأن هذا الاعتلاج يميل لاتخاذ مسارات متباعدة، لا يمكن ضبطها بغير التخويف والبطش، ميكافللي يقول بأنه من الأفضل للحاكم أن يكون مهابا على أن يكون محبوبا، لقد حدث ورأت الأنظمة مآل هذا الاعتلاج في السنوات السابقة، ولكنها لا تزال تنكر مصدره الداخلي، كحاصل مصيري لأثر فراشة بعيدة خفقت منذ خمسين سنة في زنازين ومعتقلات وبربرية عسكرية، وتصر على وصمه بالخارجي والمستورد والمؤامراتي. كان من الممكن الحيلولة دون المذبحة بتوليد مشروع وطني يقدم مصالحة تاريخية تعيد الحق وتقيم العدالة وتفتح المستقبل نحو دولة مواطنة. لا يمكن الركون ـ وفق منطق بسيط من مقدمات ونتائج ـ لتفاؤل يقول بأن المقبل جيد، بل هي ديستوبيا مظلمة لا يسعها خيال أشد العدمين سوادا، فجناح الفراشة الذي اهتز هنا كان قرابة خمسمئة ألف ضحية، وبضعة ملايين من المشردين، ومدنا منكوبة، وعشرات الآلاف من المعتقلين يموتون كل ساعة تحت التعذيب. وجيل جديد يخضع لشروط فيها أقسى ما يمكن تخيله من أكاسير فاشية. فهو أثر الفراشة الذي لا يُرى، وكذلك أثرها الذي لا يزول.

٭ كاتب من سوريا

((القدس العربي))