قرن على ميلاد فيرلنغيتي: "أميركا سلطعون يلتهم كل شيء"

لورنس فيرلنغيتي
قبل عدة أيام، في 24 مارس/ آذار الجاري، بلغ عرّاب “جيل البيت”، الشاعر والناشر الأميركي لورنس فيرلنغيتي، مئة عام بالتّمام والكمال. ويعود سبب الاحتفاء بميلاد فيرلنغيتي من طرف الأوساط الأدبية المختلفة عبر العالم، إلى كونه آخر من بقي من الأحياء من بين شعراء وكتّاب هذا الجيل الأسطوري. وبهذه المناسبة، توجّهت جريدة “لوفيغارو” الفرنسية مؤخراً بمجموعة من الأسئلة إلى هذا الشاعر/ الأيقونة، ونَشَرت بعضاً من أجوبته عنها ضمن تحقيق موسّع صدر قبل أكثر من عشرة أيام.

الفضول والسباحة ضدّ التيار
يقول فيرلنغيتي: “تربطني بفرنسا علاقة خاصة جداً. عندما كنتُ فتى صغيراً، عشت مع خالتي بالقرب من مدينة ستراسبورغ، وهي المدينة الّتي وُلد فيها القبطان دريفوس. لكن باريس هي الّتي قضيت فيها بعضاً من أجمل سنوات حياتي، غداة الحرب العالمية الثانية، حينما كنتُ طالباً في السوربون، بفضل منحة من برنامج “جي أي بيل” (وهو برنامج وطني يمنح قدماء المحاربين إمكانية التسجيل في أيّ جامعة من اختيارهم)”.
قضى فيرلنغيني أزيد من نصف قرن في الكتابة ونشر الأعمال الأدبية المتميّزة، ومع ذلك لم ينضب لديه ذلك الفضول الكبير، ولم يتوقّف انحيازه للسباحة ضدّ التيّار، خصوصاً إذا علمنا أنّه تجاوز في هذه الفترة الكثير من الصعاب والأخطار، على أكثر من مستوى. كما لم تتوقف أيضاً مشاكساته الكثيرة رغم تقدّمه في العمر، ذلك أنّه  كتب في عام 2017، وقد كان قد بلغ سن الثامنة والتسعين، قصيدة بعنوان “حصان طروادة ترامب”، بعد أسابيع قليلة من تسلّم دونالد ترامب مقاليد الحكم، وهي القصيدة الّتي جَلَد فيها “كلّ رجال الرئيس/ الّذين داهمونا بغرض تدمير الديمقراطية”. وحين طُلب منه التعليق عليها، أجاب: “هذه قصيدة لا تحتاج إلى تفسير. كل تفسير سوف يتضمّن خطأً في التواصل. القصيدة واضحة جدّاً بخصوص إدانة ترامب”.

ميلاد مغامرة الـ”سيتي لايتس”
خلال حياة طويلة وغنّية، قدّم فيرلنغيتي الكثير من القراءات الشعرية في الولايات المتحدة وأوروبا (خصوصاً بروكسل، مع منشورات مايلستروم)، وأصدر رواية ثالثة بعنوان “فتى صغير”، يقول عنها في الحوار: “أن تنشر رواية يعني أنّك قادر على قول شيء أصيل حقّاً. وأظنّ أن رواية “فتى صغير” تمثّل اعترافاً هامّاً بخصوص وضع العالم الرّاهن”.
كما يجب التذكير أنّ اسم لورنس فيرلنغيتي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمكتبة ودار نشر “سيتي لايتس” الشهيرة، الّتي يوجد مقرّها في سان فرانسيسكو، منذ منتصف الخمسينيات. وهي الدار الّتي أصدرت أعمال غينسبرغ، بورّوز، كورسو وآخرين كثر، وكلّهم كانوا من ممثّلي حركة “جيل البيت” الّتي أحدثت انقلاباً هائلاً في الأدب الأميركي. وفيما بعد، نشر أعمال بول باولز، مالكولم لاوري، نيل كاسادي، المعروف أكثر باسم “دين موريارتي”، وهو شخصيّة أساسية في رواية “على الطريق” لجاك كيرواك، إضافة طبعاً إلى أعمال تشارلز بوكوفسكي، دون أن

ننسى ترجمته ونشره لديوان “كلمات” للفرنسي جاك بريفير. وبعد ستين عاماً، لم تتغيّر نظرة فيرلنغيتي: “جيل البيت كان ظاهرة عابرة، وكانت لها أهمّية محدودة في وقت وجيز جدّاً”. لكن وأيّ ظاهرة، بالنسبة لهذا “الجيل العظيم”، كما يصفه ناقد أميركي!
لورنس فيرلنغيتي، الّذي يطلق عليه كيرواك في روايته “بيغ سور” اسم “لورنزو مونساتو”، سبق أن خطّ مسار حياته بشكلٍ رائع عبر دفاتر مذكراته الضخمة “الكتابة عبر المناظر”، الّتي ترجمتها دار “سوي” الفرنسية، وتتضمّن نصف قرن من الحوارات (حتى عام 2010)، ورحلات كثيرة تحرّكها دوافع الكتابة والسياسة، كانت مصدراً لعدد من القصائد (مثلاً: جنوب الحدود، ألف كلمة خوفاً على فيدل كاسترو…)، وأيضاً مشاهدات، وذكريات، وقراءات زاخرة بالدّهشة والشغف والغضب.

“السلطعون الضخم يلتهم كل شيء”
بدأ كلّ شيء بالنسبة لهذا الطفل المنحدر من أب إيطالي مهاجر، ومن أمّ فرنسية- برتغالية، في يوم من أيّام 1919 بنيويورك.  لكن بعد ولادته بوقت وجيز، عُهد برعايته إلى خالته إميلي (الّتي يطلق عليها لقب “أمّي الفرنسية”)، إذ هي التي جاءت به إلى منطقة الألزاس في فرنسا، حيث عاش إلى أن بلغ السادسة من العمر، قبل أن يعود إلى أهله في الولايات المتحدة. وفي عام 1941، انخرط هذا المناضل المستقبلي من أجل السّلام في صفوف البحرية الأميركية،  وبعدها بثلاث سنوات سوف يتسلّم قيادة بارجة لقنص الغوّاصات، شاركت في عمليات الإنزال العسكري الكبير يوم السادس من يونيو/حزيران. لكنّ الصّدمة سوف تحلُّ فيما بعد، خلال الصّيف الموالي، حينما طالع هذا البحّار الشاب ما لحق بمدينة ناغازاكي اليابانية من دمار، والّذي كتب عنه: “انهارت كلُّ الأرواح، هي أيضاً”. وفي نهاية الأربعينيات، بعد نيله شهادة ماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة كولومبيا، حول أعمال “روسكين” و”تارنر”، قضى ثلاث سنوات في السوربون بباريس، بغرض تحضير الدكتوراه. وفي هذه الفترة، قرأ أعمال كامو، سارتر، بروست، باوند، إليوت، ويليام كارلوس ويليام، والنيويوركية ماريان مور…
بعد عودته إلى أميركا، “هذا السلطعون الضّخم الذي يلتهم كلَّ شيء”، قرّر الاستقرار في سان فرانسيسكو. وهناك دشَّن مكتبة “سيتي لايتس” في شارع كولومبوس، تكريماً لاسم شارلي شابلن، وبعدها بعامين، أي في سنة 1955، أسَّس دار نشر بالاسم نفسه: وهنا انطلقت المغامرة أو الأسطورة الّتي جلبت إليها أعظم الأقلام في تلك الفترة. نشر فيها ديوانه الشعري

الأوّل “صورٌ من عالم زائل”، ثمّ ديوانه الثاني “جزيرة كوني العقل”، الّذي فاق عدد مبيعاته مليون نسخة عبر العالم، وكتب فيه: “أنتظر من يدافع عن قضيّتي/ وأنتظر/ انبعاثَ الأعجوبة/ وأنتظر لو أنّ أحداً/ يكتشف أميركا فعلاً”. أمّا اليوم، فهو يصرّح: “لا يمكن وصف أشعاري بانتمائها لحركة البيت، لأنّ لا علاقة لها بهذه الحركة. فهي بالرغم من أنّها تنتقد أميركا على الخصوص، تبقى متفائلة جداً، ولهذا لا علاقة لها بحركة البيت. نعم، “جزيرة كوني العقل” هو أفضل ديوان شعري كتبته على الإطلاق”.

“عواء”:  ثورة شعرية حقيقية
خلال هذه الفترة أيضاً، نشر فيرلنغيتي قصيدة “عواء” لألن غينسبرغ. وقد كان تأثيرها أكبر من ضربة صاعقة في سماء أميركا الواقعة تحت تأثير “ماكارثي” وموسيقى “الروك أند رول” الصاعدة. إنّها طوفان يتفجّر من الكلمات: “رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون عراةَ ومُهَسْترين يجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة”. وفور صدورها، رفعت ضدّها قضية في المحكمة بدعوى الفحش. وهي نُشرت ضمن سلسلة “شعراء الجيب”، الّتي ستعرف نجاحاً كبيراً في وقت لاحق. “بداخل كلِّ واحد منّا يوجد شابلن صغير”، هكذا يحبُّ أن يردِّد فيرلنغيتي دائماً، كما في كتاب سيرته باللّغة

الإيطالية، وهو من توقيع جيادا ديانو، ناشرة مذكّراته.
لم يتزحزح فيرلنغيتي يوماً عن قناعاته، بحسب ما جاء  في كتابه “الشعر: فنّ الفتنة” الصادر عام 2007، حيث يقول بشكل واضح وصريح: “اِزرع رؤيةً شاملة، ولتُعانِق العالم كلُّ نَظرةٍ من نظراتِكَ. عبِّر عن الوضوح الشَاسع للعالم الخارجي، عن الشَمس التي ترانا جميعاً، القمرِ الذي ينثر علينا ظلالهُ، البِرك الهادئةِ في الحدائقِ، أشجارِ الصّفصاف حيث تُغنّي مختبئةً عصافيرُ السُّمان، الغسقِ الذي يهبط على مجرى الماءِ والفضاءات الكبرى التي تنفتحُ على البحر”. لهذا، ظلّ فيرلنغيتي شغوفاً بالترحال عبر العالم الفسيح. وقادته “حياة التشرّد” عبر الولايات المتحدة، أوروبا، المكسيك وأميركا اللاتينية، البرازيل (عام 2010)، تاهيتي، هاييتي، المغرب، وبطبيعة الحال باريس، مدينته الثانية، الّتي يعود لزيارتها باستمرار، كما لو أنّ الأمر يتعلّق بطقوس الحجّ. كما اقتفى آثار والده “بريتشيا”، الذي قضى فترة في السجن لأنّه تظاهر ضدّ حرب فيتنام، وقابل عزرا باوند في سبوليت، وتيد هيوز، يفغيني يفتوتشينكو، وكتّاب جزيرة كوبا في هافانا عام 1960 (خمس سنوات قبل زيارة غينسبرغ)…
وعلى سبيل الخلاصة، يعترف لنا عرّاب “جيل البيت” الأخير: “إنّ ندمي الكبير هو أنّني لم أستطع أن أكون الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأميركية، حتّى أمنحها وجهاً جديداً. أما بالنسبة لمصدر فخري الأكبر، فهو قيامي بنشر أعمال ألن غينسبرغ في دار “سيتي لايتس”. لقد كان ذلك ثورة شعرية حقيقية”. وهي فعلاً ثورة، كما قال، لم تتوقّف عن إثارة اهتمام النقاد والقراء في كلّ قارّة من القارات الخمس، منذ أزيد من نصف قرن.

((ضفة ثالثة))