الشاعر الكبير والشاعر المتوسط

أدونيس

                  

 

 ” يقسم القباج الشعراء إلى ثلاث طبقات: أدباء كبار (طبقة 1)، وأدباء وسط (طبقة 2)، وأدباء نابتون (طبقة 3). ويعلق على هذا قائلا: نعتقد أننا أمام طبقة واحدة تضم الشعراء المغاربة. وقد شاء لها منطق التاريخ والتطور الثقافي أن يتفرع النهر إلى جداول تأخذ ماء قوتها من أصلها، وسر جريانها من عدم تشرنقها وتعاملها مع غيرها، واحتراسها من تكييف قنوات التعامل طلبا لانسجام، وبحثا عن التئام، ودفعا لكل احترام “

                    مصطفى الشليح، في بلاغة القصيدة المغربية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1999، ص: 75.

عن أدونيس وسؤال شهرزاد

         سِتارة كبيرة حمراء تتدلى نياشينها المزركشة ببعض الأصفر والأخضر عتبة مِنصَّة المسرح الكبير. موسيقى فيروزية هادئة وحشْدٌ من المثقفين والفنانين ومن عشّاق الفن والشعر كادوا ملء مدرّجات المسرح في الأعلى والأسفل. ترقُّبٌ قصير… وفُتِحَ الجزءُ الأول من الستارة. تصفيقاتٌ لمقدم محترف للحفل.  وترحيبٌ من طرف رئيسة جمعية لطيفة، رغم مبالغتها في مدح الضيف القادم من بعيد.

         أيها الحضور الكريم يسعدنا أن نقدم لكم الشاعر الكبير أدونيس.

         أجلسُ مع ابنتي ورفيقتي وابني في الصفّ الثاني. شعراءٌ خلفي وأمامي وبعض رجال الصحافة وشخصيات رسمية تتقدم المشهد الحافل. كل الكلمات كانت تردد الكلمة المحفوظة: الشاعر الكبير.

         جلسة كبيرة لشاعر كبير، وتقديم قصير بمدح للمغرب وأهله، ثم قراءات تلائم المكان وأناسهُ. قرأ الشاعر الكبير: قصيدته الهائلة: “مراكش فاس والفضاء ينسح التأويل”، وكانت شهرزاد ابنتي تلتفت إليّ منبهرة وأنا أردِّدُ بعض المقاطع التي كنتُ قد حفظتها من كثرة القراءة حين نشرت بمجلة الثقافة الجديدة التي كان يشرف عليها الشاعر محمد بنيس مع جماعته، والتي كنت أعود إليها بين الفينة والأحرى. شهرزاد كانت تبلغ السبع سنوات آنذاك.

         استمتعنا بالجلسة الشعرية، وفور انتهاء الشاعر من قراءة قصائده، وقبل أن تطأ قدماه أرض الناس خارج المنصّة العالية، تَجَمْهرَ الخلقُ تحتها، بحيث وجدنا صعوبة في السلام عليه أنا من يعرفه كثيرا ويعرفني قليلا. تقدم إدريس الخوري وجرَّني من يدي وقدَّمني له مع زوجتي وابنتي شهرزاد… حديث قصير بحكم معرفة الشاعر الكبير باسم أخي محمد العمراوي الذي استضافه مرات في محترفاته بفرنسا.

         ونحن خارجون من المسرح، الْتَفَتَتْ إليّ ابنتي شهرزاد قائلة بسخريتها المعتادة:

         ــــ أبي، إذا كان أدونيس شاعرا كبيرا، فهل أنت شاعر متوسّط؟

                 تلك كانت أسباب النزول المثيرة للمشهد كله.

متى يصير الشاعر كبيرا؟

       من هو الشاعر؟ ومتى يصير كبيرا؟ هل هناك مقاييس لتحديد نسبة الكِبَر كقسمة العمر الزّمني على العمر العقلي مضروبة في 100 كما يتم في مقياس IQ العالمي لقياس نسبة ذكاء الكبار والصغار؟ وهل يُبرّر هذا حديث المثقفين وعامة الناس عن الكبار والصغار من الشعراء؟

         حين كتب ابن سلام الجمحي كتابه طبقات الشعراء فقد كان يقصد التصنيف الزمني بالأساس وبعده تأتي المعايير والمقاييس بناء على الذوق وشبهِ إجْماعِ المُتلقّي. فهو يذكر في تقديمه الطريقة والمحتوى الذي سيضمنه كتابه يقول: ” وللشّعْر صناعةٌ وثقافةٌ يعرفها أهلُ العلم كسائر أصناف العلم والصِّناعات منها ما تَثْقَفُه العينُ، ومنها ما تَثْقَفُه الأذن ومنها ما تثقفه اليدُ ومنها ما يثقفه اللسان من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا تعرفه بصفةٍ ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهْبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها وسَتُّوَقَها ومُفَرَّغَها… “[1].

         توفي ابن سلام سنة 231 ه على الأرجح. وكان من أوائل من حدَّدَ معايير للتصنيف حسب العصر أولاً، ثم انطلاقا من العصْرِ نفسه. نعتقد أنه فعل ذلك بنفس الهاجس الذي طرحته شهرزاد ضمنيا (عمرها آنذاك 7سنوات): من هو الشاعر الكبير يا أبي؟ وكأن حالها يقول: لم لا تنعتُ أنت يا أبي بالشاعر الكبير؟

         التمييز حاصلٌ عند القدماء في الجودة إذن؟ فما الجودة؟ وهل مقياس الجودة هو المُحدِّدُ أم الكمّ أم الطول أم العمر؟ ثم ما مكانة الإعلام الصانع للكبير والمُبْقي للمُهمَّش صغيرا رغم الجودة؟

         يقول الأصمعي: ” لا يصيرُ الشاعر في قريض الشعر فَحْلا حتى يروي أشعار العرب، ويسمعَ الأخبار ويعرف المعاني وتدور في مسامِعه الألفاظ، وأوَّل ذلك أن يعلم العروض ليكون ميزانا له على قوله، والنحو ليصلح به لسانه وليقيم إعرابه؟ والنسيب وأيام الناس ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم”[2]. هكذا قاس القدماء معيار الشاعر في ارتباطه بشعره.

          إلا أن الشاعر في الظاهر هو ذلك الكائن المنفوخ بشِعْره، المتوهِّم، النرجسي والأناني أحيانا. قد يشعر أنه فوق العادة وفَوْق الناس بما أن الإلهام يأتيه من عبقر، ومن كائنات خارجية غير مرئية إلا لَهُ. أليس لكل شاعر جِنِّيهُ حسب اعتقاد القدماء وكذا بعض المحدثين.

         حين قالت العرب قديما: المرءُ مفْتونٌ إما بِشِعْره أو بِوَلَدِهِ فقد كانوا يدركون ما يقولون. فالفتنة نائمةٌ قد تستيقظ فجأة في غفلة مِنَّا. نستقبلُ قولاً أو فعلا، أَعْني شعرا، أو وَلداً نُحيط به حياتنا، هو صانع مجدنا (الشعر والولد، وقد قدم الشعر عن الولد في الفتنة)، ثم يأتي المال بعد ذلك فيَحُدُّ من فتنتهما، ولكن ليتربَّع المشهد كلّه، ألَمْ يُشر القرآن إلى ذلك مُلخِّصا حالتهم حين نص على أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، ليتبعها بالباقيات الصالحات أحسن عند ربك[3].

         ما يتبقى يؤسسه العمل الصالح هنا. قد لا يؤسّسه الشعراء إلا إذا كانوا شعراء. لأن ما يتبقّى هو الجمال والحب. ولكن أي شعر؟ وأي شاعر؟ لنعد للاستنجاد بالقدماء للخروج من ورطة أطلقنا عليها وما نزال صفة الشاعر الكبير.

         يرى إحسان عباس نقلا عن القدماء أن ” الفحولة صفة غريزية تعنى التفرُّد الذي يتطلب: ” غلَبَة صفة الشِّعر عن صفات أخرى في المرء”… وهذه الغلبة تستدعي عددا معينا من القصائد التي تكفل لصاحبها التفرد”[4]. التفرُّد. هكذا إذن. فكيف يأتي التفرد؟ الصدقُ وامتلاك اللغة وقوة التأثير الخفيّة التي تُحَسُّ ولا تُفْرَكُ. لا يكفي امتلاك أدوات الشعر رغم أهميتا لتكون شاعرا، فأنت شاعر في الحياة كما في الكلام والكتابة، لا ينفصل هذا عن ذاك. الموقف هو سَيّدٌ، بل هو السَّيِّد.

         لا شعر مع امتلاك الكرسي وتثبيت الذات عليه إلى الأبد، ذلك مبتغى السياسي والوصولي والانتهازي والساعي إلى مِلكية مادية قد تكون وهمية تخلُقها السلطة والحكم والتحكم. الآخرُ (المتلقّي) يُصَيّرُ الشاعر كبيرا رغم كونه قد يرفض ذلك (دون نطق كلمة كبير)، ولنتذكر حالةسيوران[5] مثلا، والذي كان يرفض كل شهرة زائفة فهو: ” كاتب/شاعر فذُّ أو فلنقل متفرد” ولا شك أنه لم يحزن مثلما حزن سنة 1988 حين مُنح جائزة بول موران Paul Morand فاضطر إلى رفضها صارخا”[6]. ورغم ذلك فقد كان سيوران يعطي أهمية للشعر لا الشاعر. يقول عنه محمد علي اليوسفي ناقلا قولة له ” بقدر ما تطول علاقتنا بالشعر نتمكن من مغالبة الخواء الداخلي. وبالشعر كما بالموسيقى، نلامس شيئا ما، جوهريا. وفي الشعر يُستبعد الزمن، فإذا أنت خارج الصيرورة … الموسيقى والشعر غيبوبتان متساميتان”[7]

       المعايير

         يقول مصطفى الشليح في أطروحته الهامة عن القصيدة المغربية: ” من هنا نرتئي أنه، من الأليق، تناول الشعر المغربي، باعتباره ظواهر تتطور، وقضايا تسلمك واحدة منها إلى أخرى، وِفْق منطق التداخل والتراكب والتوالد بين الظواهر والقضايا، وبناء على معيار التنامي في التحول البنائي للقصيدة المغربية”[8].

         وإذن فالتطور سيحصل مع الشعر أكثر من ارتباطه بالشاعر الفذ الفحل. لا نقصد هنا المدارس الشعرية أو الجماعات كما حصل مع جماعة الديوان أو أبولو أو شعراء المهجر لدى العرب. او مجموعة الغارة الشعرية في المغرب، أو مجموعة الشعراء المرتبطين بالخط المغربي في الثقافة الجديدة مع بنيس وبلبداوي والطوبي على سبيل المثال لا الحصر. وقد نذهب بعيدا في جماعات أخرى عالمية كمجموعة شعراء جيل الغضب في أمريكا. ولن ننسى الدور الهام الذي لعبه الشعراء السرياليون وأعتقد أن كل هذه الحركات المتمثلة في مجموعات محددة تشترك في رؤى وتصورات أتت بناء على تمرد على المجتمع وعلى سلطة الأب المرتبطة بالشاعر الكبير.

         كن كبيرا وارفض التربع على كرسي وثير عالٍ، بعيدٍ عن أرض الناس. تَمَرَّدْ وتَفَرَّدْ واتركْ كبرك للآخرين. ألم يفعلها شارل بوكوفسكي في أشهر برنامج ومع أقوى مقدم هو برناربيفو في برنامج علامة استفهام.

         فكعادته وأكثر قليلا يتناول بوكوفسكي الكثير من الخمر قبل الصعود إلى منصة تصوير البرنامج. سيدخن بشراهة وسيصعد رفقة قنينته إلى أستوديو “بيفو” يقول رافاييل سوران عن الحدث الفضيحة في مقدمة ترجمة ديوان” الحب كلب من جهنم” لشارل بوكوفسكي: أثناء دعوته لبرنامج تلفزيوني رفقة مهتمين آخرين مثل: كافانا والدكتور فردير سيشرب بوكوفسكي قنينة من الخمر الأبيض مباشرة في بث مباشر. سيزعج الروائية كاترين بايزان حين وضع يده على مؤخرتها، وسيسب كل الناس. برنار بيفو مستاء سيخرجه من منطقة التصوير. لم يسبق لنا أن شاهدنا مثل هذا في برنامج تلفزي محترم. الحدث سينشر على الصفحات الأولى من الجرائد، ويمتد الأمر إلى غاية نيويورك. والسينمائي الإيطالي ماركو فريري سيصور ذلك من خلال حكايات الحمق العادي مسندا دور شخصية بوكوفسكي لبين كازارا. الحدث/ الفوضى لن يمنع كتابا كبارا مثل فيليب سوليريس وألفوس بودار من التعرف على عبقرية شخصية لا مثيل لها[9].

         ولنتذكر القولة الخالدة لشاعر متفرد هو محمود درويش الذي كان يردد دائما: ” ارحمونا من هذا الحب القاسي”

       مِن الشاعر الكبير إلى الشاعر المتفرد

         قد يوازي شاعر متفرد (أفضل هذا اللفظ على لفظ الشاعر الكبير) مثل: المتنبي أو محمود درويش أو أدونيس، أو إزارا باوند أو بابلو نيرودا أو شارل بوكوفسكي أو بودلير، كل المجموعات لامتلاك الموقف قبل القول الشعري. وهكذا لن نجد لدى هؤلاء المتفرين سعي حثيث لامتلاك السلطة باستثناء سلطة الشعر ولنذكر قولة عبد الله العروي: ” لا فيلسوف ولا شاعر أبدا على رأس الدولة. كلما وأينما حصل ذلك عمت الفوضى ونزل الخراب”[10]. ولنشر إلى حالة شاعر متفرد هو ليوبولد سيغار سنغور حين أصبح رئيسا.

         يقول ابن قتيبة: ” فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه في متخيره ويرذل الشعر الرصين ولا يعيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله، ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن ولا خصّ قوما دون قوم بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر وجعل كل قديم حديثا في عصره وكل شرف خارِجّية في أوله”[11] ( ورد في شرحه لخارِجِيّة : مَنْ يَسودُ مِن غيرِ أن يكون له قَدَمٌ ). ثم أردف قائلا: ” كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه”[12].

         إذا أضفنا إلى هذا ما أورده ابن رشيق في باب فضل الشعر، أمكننا تلمس الشاعر من غيره، المصنوع والمطبوع من الشعر حسب قوله، أو الصافي والمتكلف حسب آخرين. فالمقياس هو الشعر ذاته ولا سيء غير ذلك. يقول صاحب العمدة: ” وكلام العرب نوعان: منظوم ومنثور: ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة، ومتوسطة، ورديئة، فإذا اتفق الطبقتان في القدرة، وتساوتا في القيمة، ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى، كان الحكم للشعر ظاهرا في القيمة، لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة”[13].

         معترف العادة هو المتحكم إذن، فمن يصنع هذا المعترف؟ وبأية طريقة. لقد قتل القدماء هذا الموضوع بحثا بهدف الشعر وبالشعر لا بغيره، من خلال اللغة والأدب، والمعايير التي وضعوها بعيدا عن أضواء وهمية قد تُصنع من خارج الشعر دليل قاطع على ذلك.

آه ياسيوران

         شاعر كبير. شاعر متوسط. شاعر صنعه الإعلام. شاعر رديء. مسميات يصعب علينا الكشف عن معايير لها إلا من داخل الشعر وبالشعر.

         إن الشاعر (أو هكذا نتصوره) هو قطعة لهب تقف على الهاوية باستمرار، مدفوعة بجني، من أجل تنبؤ سيحصل حتما عاجلا أم آجلا، استنادا إلى حالة الفقد الأول، بحثا عن خلاص يصعب فيه الفصل بين المادة وظلها، أي بين الشاعر وشعره.

         مفهوم يأتي من الخروج، خروج من سكون، وإقامة دائمة ومستمرة في الشيء، باللغة وتجلياتها، في المشهد الآني المستند إلى سكنى الجني في قمقم الذات، في مسام العقل وفي فوران الروح العاتية، فما معنى أن تكون شاعرا الآن؟ معناه ببساطة أن تكون ساحرا يحول الكلام إلى حرارة، والحرارة إلى رؤى متصاعدة متماسكة الواحدة تلو الأخرى. تختلف طريقة كل ساحر عن آخر باختلاف التقنيات والأسلوب، واختلاف عرض طريقة خلاص الضحية عن السيد، ونَفَسُ الساحر هو ما يخرج الروح  ( روح الشعر ) من الجسد (جسد الشاعر)، ويحول اضطراب الجني إلى إقامة دائمة في الحلم[14] .

         وبالعودة لشهرزاد التي لا تقرأ شعري إلا لماما، أحمد الله أنها وضعتني في قائمة التوسط لا أدنى السلم، بما أنني ألازمها غالبا على أرض الناس بعيدا عن وهم سلطة الكراسي المثبتة مساميرها بإحكام بعيدا عن الناس وهمومهم وقريبا شيئا من سيوران.


*شاعر وكاتب من المغرب
((ضفة ثالثة))