كيم هايسوون: سوف أمحو قصيدتي البيضاء

 

سوف أمحو قصيدتي البيضاء
 (الشاعرة، فراكفورت، 2019)

وجه

هناك (أنت) آخر بداخلك
هذه (الأنت) التي بداخلك تواصل سحبك بقوة إلى عمقك، تتقوس أظافرك إلى الداخل، فيما تغوص أسطوانات أذنيك في أعماق جسدك. حينها، من المحتمل أن تغادر هذه الحياة في اللحظة التي تقرر (الأنت) التي بداخلك أن تسحب ذراعها المتشبثة بك.

وجهك ساكن الملامح لطالما تدفعك (الأنت) التي بداخلك بكل قوة، هذا الوجه ينحني نحو وجهي خارج الأنا التي بداخلك، أستطيع أن أشعر بـ(الأنت) التي بداخلك تنظر إليّ من داخل عينيك؛ لكنها لم تطلق سراحك من قبضتها الشديدة بعد، فأنت لازلت تقاوم بشدّة.

“الأنت” التي بداخلك، خارقة للدرجة التي تجعل “الأنا” التي بداخلي تنجرّ إلى داخلك.
أنت الآن تحتسي كأساً من النبيذ الأحمر، تمسك بقطعة من الجبن في يدك.

الأنا التي بداخلي تفكر بالطريقة التي تحوّل بها الحليب إلى جبن، وأقلق: أي روح داخل البقرة سبحت في كأس الحليب.
حتى لو كنت بعيداً، بالقرب مني هنا توجد “الأنت” التي بداخلك. لا أستطيع الهرب وتجنب هذه “الأنت” التي بداخلك.
قد أكون حبيسة سجن الغياب.
لكني سأكون على قيد الحياة.
لطالما (الأنا) التي بداخلي تواصل التشبث بي
لكني وفي كل الأحوال سأنقل الحليب المصنوع مني لطاولتك كل صباح.
■■■
يوم أبيض، ليلة بيضاء

ثلج أبيض. أرنب أبيض. ليلة بيضاء لأن الثلج الأبيض سقط طوال الليل.
الأرنب الأبيض يحدق في نافذة مصقولة بيضاء. ثوب أبيض. ورقة بيضاء.
المعصم الأبيض. قبعة بيضاء. تنورة بيضاء. قدمان بيضاوان تتحولان. حذاء أبيض.
ولادة طفل أبيض بفعل الثلوج البيضاء. الأرز الأبيض الذي تأكله وأنت تحمل مظلة بيضاء.
تجرعتها، الحبة البيضاء التي تجعل الدم أبيض.
إله أبيض داخل ثلج أبيض يعلو إلى ارتفاع النافذة. هناك سر أبيض داخل الثلج الأبيض.
بطانية بيضاء. عرق أبيض. الجلد الأبيض للطفل يسوع.
الجدار الأبيض شاهق. شفاه بيضاء. أنف أبيض. الكثير من الفئران البيضاء في الحليب الأبيض.
تنفس أبيض، لا يقدر على التنفس.
لا طريق لأن الثلج الأبيض يواصل الهطول.
شيطان أبيض. جحيم أبيض. إنه بعيد جداً. تثاؤب أبيض. نوم أبيض.
أرجوك، انزع الضمادات البيضاء.
كتابة بيضاء على ورقة بيضاء. سوف أمحو قصيدتي البيضاء.
يا سذاجة غفران الإله الأبيض، افتحي حمام دمي في الخارج.

إنه استثنائي.
في كل صباح أفتح جفني الأبيض،
أضغط معجون الأسنان الأبيض،
أغرز الفرشاة في أسناني البيضاء، بينما أنصب خيمة بيضاء، وأغادرها نحو الباب.

مجرفة بيضاء داخل الثلج الأبيض. منزل واحد أبيض. نافذة بيضاء.
مصباح أبيض داخل ستارة بيضاء. جد أبيض، أرجوك تناول طعامك. الله أرسل خبزاً أبيض.
فراشة بيضاء. فراشة. فراشة. فراشة. أمي، أرجوك انظري إلى الفراشة البيضاء.
يا إلهي، هل يعقل هذا؟ كم مضى من الأيام؟
أم بيضاء. سعال أبيض. تنهد أبيض. صدور بيضاء. مسحوق الثلج الأبيض ينزلق خلف الأذنين البيضاوين ويستقر بهدوء على سطح المكتب. ثلج أبيض يسقط.
ابتسامة بيضاء لامرأة شابة بيضاء. الطيور البيضاء تحط وتتجمع واحداً واحداً.
عيون الطيور المغلقة. الطائر الأبيض يدفعني إلى الأسفل. إنها ثقيلة جداً.
أرجوك، ادفع البطانية جانباً. قناديل البحر تتكاثر داخل البحر. البحر يرتجّ مثل هلام.
بحر أبيض. البحر ينهار مثل مسحوق أبيض. أرنب أبيض فوق الرمل الأبيض. معصم أبيض. إبرة بيضاء.

الثلج الأبيض في كل مكان
جدران الثلج الأبيض في كل مكان
لكني أواصل دفع الجدار الأبيض أعلى فأعلى في الهواء
أين هي نهاية حضارتي؟
جحيم من حنان
نملة بيضاء وقعت في جحيم السكر الأبيض
ذاب السكر الأبيض
جحيم السكر الأبيض يأسر النمل الأبيض كالعسل
لا أستطيع التنفس.
■■■
بعد رحيلك

عندما ترحل، لا تتركني لا تتركني
بعد أن تأتي، لا تأتِ لا تأتِ
عندما تغادر سيغلقون عينيك، ضع يديك معاً وابكِ،
لا تذهب
لا تذهب
عندما تلتصق بالنافذة مثل قطة وتقول:
افتحوا الباب، افتحوا الباب
سيقولون لك
لا تأتِ، لا تأتِ
سيلصقون دمية من ورق على عصا الخيزران ويقولون
لا تأتِ، لا تأتِ
سيلقون بملابسك في النار ويقولون
لا تأتِ، لا تأتِ
لهذا السبب أنت بلا أقدام
بلا أجنحة
الآن لا عليك سوى الطيرن
ولن تستطيع الهبوط
أنت مرئي حتى وإن اختبأت
أنت تعرف كل شيء حتى بلا دماغ
تشعر بالبرد حتى بلا جسد
لهذا السبب، هذا الصباح ستختبئ ملابس نومك أسفل السرير
تنتحب صامتة ووحيدة
سيتجمع الماء في تابوتك
لقد غادرت التابوت بالفعل

رأسك سيترك علامة على وسادة القمر
جسدك سيترك علامة على الغطاء السحابي

إذن، بعد أن تذهب، لا تذهب
إذن، بعد أن تأتي لا تأتِ
*

Kim Hyesoon شاعرة كورية جنوبية من مواليد 1955، تُعدّ من أبرز شعراء بلادها المعاصرين، تعيش في سيؤول وتُعلّم الكتابة الإبداعية هناك. بدأت النشر عام 1979 وكانت من النساء القليلات اللواتي نشرن في الصحافة الأدبية، في مجلة “الأدب والإبداع” وصحيفة “الخلق والنقد”، اللتين قادتا الحركة الأدبية المعارضة للحكم العسكري الدكتاتوري المدعوم من الولايات المتحدة في السبعينات والثمانينات.

حظيت هايسون بالاعتراف النقدي في نهايات التسعينات، نتيجةً للحضور القوي للمرأة في أعمالها الأدبية، ولأن الأخيرة تمتاز بتجاوزها التوقّعات الجمالية من شعر المرأة المسكون باللغة السلبية المنفعلة.

في تجربتها، تستكشف هايسوون الوجود المتعدّد والمتزامن للمرأة كجدّات وأمّهات وبنات في سياق المجتمع الأبوي المتعصّب في بلادها، فيما تتجلى شعريتها في محاولتها المستمرة لمقاومة الأشكال الأدبية التقليدية واللغة التي حددها الرجال في كوريا لفترة طويلة. بالنسبة إليها: “النساء الشاعرات يعارضن ويقاومن ظروفهن، مستخدمات أشكالاً غير تقليدية من اللغة، لأن مقاومتهن قادتهن إلى لغة غير حقيقية، سريالية، وحتى خيالية. لغة شعر المرأة هي لغة داخلية، لكنها ثورية وتتّسم بالتحدي”.

صدرت لها مجموعة من المجموعات الشعرية؛ من بينها: “من نجمة أخرى” (1981)، و”ماكينة الحب الشحيحة” (1997/ الصورة للترجمة الإنكليزية)، و”زجاج من النبيذ الأحمر” (2004). وفي النقد، صدر لها: “تكتبين كأنك امرأة” (2002). تُرجمت عددٌ من أعمالها إلى الإنكليزية والإسبانية والروسية والألمانية.

** ترجمة أمير داود

((العربي الجديد))

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *