بريد السماء الافتراضي

حوار مع الشاعر اليمني وضاح اليمن

89 هـ/708م

كتابة وحوار

أسعد الجبوري

 

 

بعد أيامٍ  طويلةٍ من التنقيب ما بين الرصافة والجسر،فقدنا الأمل بالعثور على دليل يشير إلى وجوده فوق سطح الأرض.لذا انطلقنا برحلة أخرى في المجرى المائي للبحث عن الشاعر وضاح اليمن. وما أن أصبحنا تحت نهر دجلة ،حتى عثرنا على بابٍ ضيقٍ.فدخلنا من خلاله بزورقنا المطاطي ،لنعثر على بقايا أضلع لصندوق مرصع بالعاج وبصور لزهور ووجوه وكتابات شعرية في الرقة والحب والحنين والوفاء . آنذاك التقطنا الأنفاس ونصبنا الكمين للشاعر اليمني عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني،الذي لقب بالوضّاح لوسامته،وكان من شعراء الغزل في العصر الأموي.

كانت حركة مياه دجلة تلامسُ رؤوسنا من فوق،فيما كنا نتحرق لتلك اللحظة التي نجتمع بالشاعر الوسيم من أجل إجراء هذا الحوار.ولم يدم غيابه طويلاً،فبعد أقل من ساعة،وإذا به يشق المياه علينا يداً بيد الشاعرة ليلى الأخيلية وهي من الثمالة بذلك الوضع الثقيل.

تبادلنا التحيات مع وضاح ،فيما ألقت ليلى الأخيلية جسدها وسط الزورق،يقفزُ بعدها وضاح ،ومن ثم ننطلق إلى نهاية الأرض جنوباً.نصلُ .وما أن نخرج من مجرى المياه ،حتى نجد أنفسنا في بستان وارف الظلال تحرسه حيواناتُ (( التروما)) .نجلسُ تحت النخيل هنا، نتبادل الأحاديث والكؤوس وبعد ذلك نبدأ بالحوار سائلين الشاعر وضاح اليمن : 

 

س:أين اتسعت بك الدنيا ،وأين ضاقت عليك يا وضاح اليمن ؟

ج/ لقد اتسعت الدنيا تحت قدميّ أرضاً،وضاقت على ذهني خنقاً،وذلك عندما قمتُ بوضعِ قناعٍ على وجهي خوفاً على النساء من الفتنة .

س: تقصد إن وجهك كان فاتناً بجمالهِ ؟

ج/أجل.فقد كانت وسامتي سحراً يفجر في النساء الشهوات دون حدود.

س:هل كنت خائفاً من التحرش الجنسي ؟

ج/ بل ومن الاغتصاب.

س:وكيف تجرؤ نساء قبائل العرب على ذلك وهنّ حريمٌ مقيدات بسلاسل العادات والتقاليد في الجزيرة ؟

ج/لا تظنن ذلك.فمن نساء العرب من كنّ متحررات من القيود ،ويستطعنّ تجاوز المحرمات من خلال ثغرات الرجال.

س:هل جمالُ وضاح أم شعرهُ ،هو من فتح له قلوب الحريم ؟

ج/جمالي أولاً،فهو الذي صاغ شعري وأضفى عليه المحاسن والفتن،لتصبح الكلمات مثل كرات جمر تشتعل في البدن.

س:تقصد أبدان النساء يا وضاح؟

ج/ليس من أجساد قابلة للحرائق أكثر من أجساد الحريم .فتحت كل إزّار موقدٌ تشبُ فيه النيران حتى التهاب اللحوم وفيضان الشهوات.

س:ألا تبالغُ في ذلك يا وضاحُ ؟

ج/ما لمستُ امرأةً من قبائل العرب ،إلا واحترقتُ بحواسيّ آنذاك.

س:أتعتبرُ جمالَ الرجالِ علّة عند النساء،أم هو تصادمٌ معهنّ يولّدُ باحتكاكه الشهوات لبلوغ الذّرْوُة؟

ج/لو تحدثتُ عن جمالي،لأبكيت حريم العرب.فطالما أحرجني جمالي ودفع بي للهرب من بعض الأمكنة والديار،خوفاً من فضيحة أو من نزوة قاتلة.

س/أليس ذلك ما حدث لك مع السيدة أمَ البنين زوجة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ؟

ج/ لا أعرف كيف جرى لي ذلك مع أخت الخليفة عمر بن عبد العزيز زوجة الوليد.كانت مصيدة شغف تجاوز حدود المعقول واللامعقول.

س:تقصد أنه فخ نصبته إليك أم البنين ؟!

ج/أجل.كان فخاً للتخلص من أثر سلطة جمالي عليها ،حيث لم تستطع المقاومة ما بين حبها لي كشاعر ساحر الوجه ومراهق ،وما بين كونها زوجة خليفة المسلمين.

س:ما الذي أجبر امرأةً كأم البنين من أن تخون زوجاً بمقام خليفة؟!!

ج/ قد يكون فراشها الموحش البارد،ومواجهة مئات من المحظيات والجواري والحسان والإماء ممن هنّ ملك يمين الوليد ومفرغات شهواته  في القصور المهيبة العامرة برائحة الجنس والعطور والخمر والذهب والأزياء والمجوهرات والأطعمة والفواكه وكل ما لّّ وطاب في الدنيا. فقد (( تميّز الخليفة الوليد بن عبد الملك بكثرة زواجه وكثرة طلاقه. ويعتبر زواجه من ثلاث وستين امرأة ظاهرة غريبة من نوعها، في حين إن طلاقه المتكرر يُعبر عن حالة خاصة )).

س:ومتى كان يتفرغ لمعاشرة أم البنين  برأيك يا وضاح؟

ج/قد تجتمعُ به ثلاث مرات في كل حَوْل من زمن الجنس المفتوح.هكذا أخبرتني مستطردةً والدمعُ يغمر عينيها:أن لبعلها الوليد في النكاح عادات استثنائية لا تصحُ للبشر.

س:هل كان تقربك من القصر برعاية من الخليفة أم من أم البنين يا وضاح؟

ج/هي التي مهدت لي الطرق،لأكون قريباً منها ،يوم  أقنعت البعل بأن يمنحني ((كارت بلانش))  فأصبح شاعر الخليفة الأول القريب  من عرشه.

س:وكان الحبُ موتاً ؟

ج/لقد أبلغتني وأنا في ذلك الصندوق،بأن اللحظة قد حانت لتستريح من جمالي وتتخلص من هيمنتي على روح كانت تفيض ناراً بحواسّها مجتمعةً.

س:وماذا سمعتها تقول إليك في تلك الساعة المميتة؟

ج/قالت لي:يا حبيبي وضاح. بعد أيام سألتحق بك تحت التراب ونتعانق  متداخلين بجسدينا دون خوف من راصد رقيب أو سيّاف مجرم أو أعين وشاة غلاظ لا يفقهون من الحياة إلا التجسس والنميمة والإخبار.ثم أنني أخبرك الحقيقة كاملة:كلما رأيتك خارج حضني،أخاف عليك من التهام الحريم  المتوحشة.

لم أصدق ما كنت قد سمعته من تلك الكلمات.اعتبرتها مزاحاً ودلالاً وتشبباً،إلا بعد أن تسلم الخليفةُ البعلُ الصندوق منها ،فأمر الجند بدفني تحت التراب في ذلك البئر العميق.

س:ولم تصرخ طلباً للرأفة والعفو من الخليفة؟

ج/لم أفعل ذلك خوفاً على أم البنين من الفضيحة .وكنت غير مصدقٍ لما كان يجري خارج ذلك الصندوق الثمين .

س:ما الذي أوصل أم البنين إلى ذلك الموقف.أن تخدعك فتوقع بك حد الجريمة المنظمة؟!

ج/ ظننتُ الكثير والكثير .لم أقف عند نقطة واحدة،ربما لأنها كانت تتعثرُ بشهوتها،وتزدادُ بروداً كلما حاولت بلوغ الذّرْوَة بسبب ملازمة الرعب لها والخشية من افتضاح الأمر .

س:كيف عشت في الصندوق تحت الأرض .ماذا شهدت هناك يا وضاح؟

ج/كنت أستعين بالكلمات مع نفاذ الأوكسجين.وما أن انعدم الهواءُ مع الضوء تماماً، حتى دخلتُ غيبوبةَ الشعر اللعين.

س: هل الدمُ وحدهُ،هو من يجري في عروق الشاعر؟

ج/لا أظن الدم وحده من يجري هناك.أضف البرق من أجل أن تكتمل الصورة في المشهد الشعري.

س:وما نفع البرق فيما لو يختلط بالدم يا وضاح اليمن؟

ج/ما أن يمتزج الدم بالبرق،حتى ينهمر الشعرُ من كلّ خلايا الجسد.

س:وكيف اكتشفت أنتَ ذلك وبأي مختبرات على سبيل المثال؟!!

ج/ لا حاجة لشاعر مثلي إلى مختبر.فمن خلال حرارة الرضاب الذي كان ينزلُ من بين شفاه النسوة،هكذا أدركت تلك الحقيقة .

س:ولكن ألا تدركُ قلبكَ النيرانُ من وراء برق كذاك يا وضاح اليمن ؟

ج/لا أعتقد بأن من احترق له قلبٌ،يخاف أن تسري النارُ بأصابعه.

س:هل وجدتَ في الشعر أزمةً تخصُ البدن،فحاولت الهرب من آثارها على سبيل المثال ؟

ج/أنا والشعرُ من ميثولوجية واحدة.

س:عن أية ميثولوجيات تتحدث أنت ؟

ج/ليس غير تلك التي الشهوات الكبرى التي أنجبتْ الحبَّ من ضلع المرأة ،فاستكملت الذكورة بالأنوثة بالرماد.

س:هل تعتبر الرماد جذراً لبعض الأساطير؟

ج/وهو كذلك.فليس أصعب من الوصول الرماد.

س:تقصد إن للاحتراق متطلبات جمة؟

ج/ بالضبط.فلا بد من وجود مواد لتوليد طاقة المحو .أغلب الأشياء العظيمة،لا تزول بسهول كما نعرف وندرك ونعمل.

س:ما الحبُ بنظرك يا وضاح ؟

ج/أنه جملٌ يقطعُ بيداً بسنامين ولا تغفو له عينان على مدّ السراب.

س:ولمَ لا يكون جملاً بسنام واحد يا وضاح اليمن؟

ج/صعبٌ على جَملٍ يشبهني في الحب ،أن يعيش الصحراءَ وينمو في التصحر بسنام واحد ،ربما  يمرض أو يتفتق أو يجف.السنام الثاني هو كدولاب السيارة الاحتياط.

س: ألمْ تأخذ بلبكَ الرمالُ من قبل ،فتجعل الصحراء أفضل هوايتك ؟

ج/أبداً.فلقد عشتُ في الحَضَر روحاً وجسماً.

س:وهل يتجغرفُ الشعرُ ،فيكون للصحارى قاموسها وللمدن والأرياف ما يخالف ذلك القاموس ويختلف عنه برأيك يا وضاح؟

ج/قد لا يكون رحم الصحارى إلا للزواحف والرياح السموم ومكاناً لا يليق إلا بالمخلوقات التي تتحمل القسوة .لذا فالصحارى تفرضُ مفرداتها اليابسة الموحشة العاصفة على مجمل مكونات ذلك القاموس حتماً.

س:ألا يصح انبعاث الشعر الغزلي من بين طبقات الرمال ؟

ج/لا أظن ذلك إلا بطريقة واحدة،هي أن تملك قدرةً على صنع ورق من الرمال،لتكتب قصائدك عليه بحبر الريح .

س:وعلى طرق الحج بعد طريق الحرير،هل يكفلُ الشعرُ مقاماً كما يجب أن يليق بهوادج الفاتنات ممنّ يتسربنّ إلى الغزل المكي حول الكعبة كما عرفَ العربُ ذلك في كل عام؟

ج/ إذا كان الحج فريضة دينية وفقاً للتنزيل ،فالغزلُ هو الآخر من فرائض العاشقين وفقاً لدين الحب.

س:هل تعتبرُ الحبَ ديانةً يا وضاح ؟

ج/أجل.فالحبُ دَيّنٌ ودِيانةٌ ودّيْنٌ وفَرْضُ عَيْن.

س:حتى إذا كان تحرشاً كما فعلت في أسواق اليمن ، عندما قررت تغطية وجهك خوفاً من افتتان النساء بك؟

ج/لا تذكرني باليمن الآن.فتلك بلادي الجوهرة الضائعة دون مباهاة.وهي البلاد التي علمت العربَ فن الكتابة وعطر الكلام.

س:وما الذي تعلمته من ترابها ؟

ج/ أن أكون تربةً تستعصي على الانضمام لثكنات المرتزقة أو الإذابة في براميل بلدان الذهب الأسود أو التموين في مخازن الأسلحة أو تقديم الخدمات في قصور وحوش الملذّات.

س:ماذا يذكرك اليوم سد مأرب يا وضاح؟

ج/ ذاك سدَ كان بالأمس لخزن المياه،وأصبح اليوم لجمع الدم اليمني وإرساله لله عبر (( بريد السماء الافتراضي)) بخاراً مشوباً بنار الكبار وصرخات الأطفال التي تُذيبُ خردة الحديد وتأكلها من الطُوى.

س:أنت عشت الفتح الإسلامي من قبل،وتعيش الآن فتحاً آخر .أليس كذلك ؟

ج/لا يمكن للديدان أن تقرض التاريخ اليمني اليومَ،بعد أن عجزت الفئران عن قرض أوراقه بالأمس.

س:وأنت الآن كشاعر .أين تمضي بك قدماك في هذا التيه السماوي المفتوح على الثقوب السوداء ؟

ج/لقد بتُ مثل جلجامش هائماً في البراري على طريق تلك الثقوب الهائلة.

س:تعني إنك تبحث عن أحد ما يا وضاح؟

ج/بالطبع.فإذا كان جلجامشُ بالأمس يبحث عن أنكيدو .فأنا أبحث اليوم عن بلقيس ملكة سبأ .

س:وما الذي تريدهُ أنتَ من ملكةٍ ما بَرَح الغموضُ يحيطُ سيرتها دون وجود مراجع تقطع الشك باليقين فتعرفنا بمن تكون تلك الملكة ؟

ج/ أريدها أن تستعيد (فدرلة) النظام في اليمن كسابق عهدها.وليكن بعلمك : (( كانت المملكة من أقوى الاتّحادات القبليّة التي ظهرت في اليمن القديمة؛ حيث تمكّنت المملكة من تكوين نظامٍ سياسيّ وصف بـ(الفدراليّ)، والذي ضمّ عدداً من الممالك وهي: مملكة قتبان، ومملكة حضرموت، ومملكة معين، وكافة القبائل التابعة لتلك الممالك، وأسّسوا عدداً من المستعمرات بالقرب من العراق وفلسطين – وفق الكتاب المقدّس/ العهد القديم، وبعض النصوص الأشوريّة – وهذا يدلّ على المكانة العالية التي شكّلتها هذه المملكة في ذلك الوقت )).
س:لا أظنُ إن شيئاً من الماضي يعود حتى لو كان ذلك في سيارات الإسعاف.أليس كذلك يا وضاح اليمن ؟
ج/أدرك ذلك .فقد أصبحت الأحلامُ تفسدُ كاللحوم بسرعة.ولكن لا بأس بأن ينظفَ المرء رأسه بين الفينة والأخرى من التصحر وجيف الظلام.

س:كيف جئت بالصورة العجيبة هذه:  ((جيف الظلام)) يا وضاح؟!!
ج/عندما ينغلقُ الليلُ على العقلِ،وتتشتتُ النفس في الظلمة،ويصبح القلب مثل اللمبة العمياء،آنذاك يتحوّل السوادُ إلى موج  من حبر غامر تمتلئ به سدودُ الجسد حتى الطوفان.

س:وكيف عبرت أنت من تحت التراب إلى عنان السموات وكنت بلا أجنحة وداخل صندوق مقفل؟

ج/تلك كانت خدعة لا يدركُ مغزاها العميقُ أحدٌ.

س:وتُسمي موتك خدعةً يا وضاح ؟!!

ج/كل ما كان قد جرى ،ليس أكثر من فيلم سينما غامضة.ونقطة على السطر.

س:هل تعيد التشكيك بمختلف الروايات التي قُصت عن دفنك في البئر حياً وأنت بصندوق؟

ج/ يمكن قول ذلك.فقد كان الصندوق مثقوباً من الأسفل ويفضي إلى سرداب تحت غرفة مولاتي العارفة الذكية الداهية النبيهة العاشقة بقوة مائة حصان على الرغم من انكساراتها المفاجئة بين الفينة والأخرى.وبمجرد أن يخرج المرء من ذلك الثقب،سرعان ما يعود عليهِ غطاءٌ ،فيغلقهُ وكأن شيئاً لم يكنْ.

س:ما العلاقة ما بين الشغف وما بين قوافي القصائد؟

ج/لم أشعر بتلك القوافي إلا كأقراط ذهب تتأرجح بآذان قبيلة من النساء،فتشتعل الأرواحُ على تناغماتها العبثية الممزوجة بالشهوات.

س:أهنّ نساء الشام الساحرات حُسناً يا وضاحُ فقط ؟

ج/كلا.ولكن هنّ الأشدّ لعنةً بفهم مصادر طاقات الغرام، وبتقليب الرجال على الجمر الوثير.

س:ويحك يا وضاح.ما الجمرُ الوثيرُ هذا ؟!!

ج/ هو أنتَ لحظة انطفائك بالنار على صدرٍ ملتهبٍ بزبدٍ مشتقٍ من فستقٍ ونبيذ.

س:ولكنك قد تجد ذاك عند نساء العرب في أية بلاد على تخوم الجزيرة،فما المستغربُ يا وضاحُ ؟!!

ج/ربما.ولكن الشامية تقرأ سيرة أرواح سلالتك الذاتية،فتضيف إلى حبرك الأبيض علبة من مدادها الخاص،كي لا ينشف لحمك ولا تعود عظامُك لحالتها الأولى بعد التحطيم والحطام على جبهة السرير.

س:وهل عندهنّ الجنسُ حروبٌ وميادينٌ يا وضاحُ؟

ج/أجل.فهو قتلٌ بطريقةٍ ما .

س:ومنْ دخلتْ بيتاً في قصيدة لوضاح اليمن ؟

ج/لا قدرة عندي على حمايتها من نفسي الأمارة بالفسق وبالجنون .فأنا تائه في رغبتي ،ومختصرٌ لمصير في الحريم،حتى وكأنني لا أكتبُ شعراً،إلا وإنني واقفٌ على باب موقد متأجج النيران.

س:لمَ هذا الانهماك الشديد بالشهوة ؟

ج/ الشعرُ هو وحدهُ أبو الشهوات،ولولاها لمات الشعراء قبل أن يكون الشعر على وجه الأرض .

س:هل تعتقد بأن الشعر خُلق قبل الديناصورات ؟

ج/لا .جاء الشعرُ تعويضاً عن انقراض تلك الحيوانات بالضبط.

س:ولمَ حدث ذلك برأيك ؟

ج/ ربما لأن أهل اليمن كانوا يملكون أحلاماً ضخمة بحجم تلك الديناصورات بأن يكونوا على غير الخارطة الجغرافية التي هم عليها الآن،على الأقل، ليتخلصوا من فكرة الانقراض التي يسعى الجيران إلى انجازها عصراً بعد آخر ،فيفشلون .

س:لم يفكر الفرزدقُ ولا جرير ولا عمر بن أبي ربيعة ولا آخرون بمثل ما فكرت به أنت .ما العلّة يا ترى؟

ج/ربما لأنني طرحتُ أسئلة عن الفارق ما بين التاريخ وبين الجغرافية،ولم أحصل على جواب شافٍ يكبحُ لي راديكاليتي بحب اليمن.

س:طرحتَ أسئلةً على منْ ؟

ج/كنت مجتمعاً قبل أيام مع المسرحي اوجين يونسكو  في حانة ((ترقق الأرواح الزجاجية )) وطرحت عليه تلك الأسئلة،إلا أنه كان ضجراً ومتعباً ،فشرب فودكا يلتسن الروسية،ثم قلب الطاولة ومضى محلقاً على ظهر طائر ((الجبرونا)) وبعد ذلك اختفى عن الشاشة .

س:وماذا فعلت بعد ذلك ؟

ج/خرجت واضعاً يديّ بجيوبي، وأنا أطلق من حنجرتي أغنية ((البيريسترويكا)) لإعادة هيكلة إصلاحات نفسي في فضاء الضياع الفردوسي الجديد .

س:كان عليك أن ترافق أم كلثوم في مواكبها السائرة من مقاطع إلى أخرى في تلك الفراديس المبثوثة على طول السموات وعرضها،ولا أن تسأل عن بيريسترويكا  ميخائيل غورباتشوف وبقية نمور ورق سياسة ((غلاسنوست ))المختلفة.

ج/كنتُ كمنْ يحاول أن يجد قطيعاً للأغنام  على هضاب الجنة،ويرعى بها مستريحاً من الأثقال والأفكار  والذنوب وصور حبٍ لم يبق منها سوى ضلوعٍ لقفصٍ صدري دون قلب أو نبض أو اتصالات أو تحويلات في مناطق الحواس.

س:هل أنت مؤمنٌ يا وضاح ؟

ج/ المْ تسمع ما قالهُ الشاعر المصري أحمد شوقي :  ((مولاي وروحي بيده ..قد ضيعها سلمتْ يدهُ))  .أنا على تلك النقطة الموجودة في نهاية السطر الوجودي ؟

ج/وما علاقتك كمؤمن بمعتقدات الدّين وشعائره،وما بين إيمان أحمد شوقي بالغرام كديانة؟

ج/كلانا يقف الآن على باب الله .ولا اتساع أو وسع في الكون أكثر وسعاً من باب الله.

س:أتقول هذا بدافع الخوف يا وضاح؟

ج/أقول هذا بدافع الحب ليس إلا ولا غير.

س:هل ألقيت نظرة على جهنم ؟

ج/لم أرَ ناراً حتى في  مطابخ المطاعم ،وربما لا أحداً من الخلق الموجودين في السموات، يريد أن يدلني على مكانها هنا.

س:هل التقيتَ بجماعات رومانسية هنا؟

ج/بالطبع.ولكنهم لا يستخدمون إلا كلمة ((رومنطيقية)) لتناغم حروفها الموسيقية،خاصة بوجود النساء ممن يمارسن كتابة الشعر. ذلك أن أغلبهنّ كرسنّ أجسادهنّ للمخيّلة وللخيال قراءةً وكتابةً ونشراً على الحبال.

س:ولمَ النشر على الحبال مثلاً.ألا توجد مطابعٌ في الجنة ؟

ج/ لقد حرمها الربُ هنا،وأغلق فرع الناشرين العرب بالشمع الأحمر،من كثرة ما فعله الناشرون من فظائع ونصب واحتيال بحق الشعراء والكتّاب والمؤلفين على الأرض.

س:وكيف يمكن إيجاد حل لمشكلة الطباعة؟

ج/ذلك ما يعمل عليه الشيطان الأعمى ((روستيرو)) الذي أخذ جميع الناشرين العرب إلى دورة تدريبة على الطباعة بالقوالب الخشبية والأختام الاسطوانية ومطابع البردي والزنكوغراف والأوفست قرب حواف المتاهة الكبرى الخاضعة لسيطرة الجاحظ.

س:   وماذا يفعل الجاحظُ عند أسوار  تلك المتاهة ؟

ج/هو مالك مفاتيح التصليح والتصحيح لعقول الناشرين قبل تقديمهم للمحاكمات.ومكلف باختبار تحكم كل منهم باللغة .

س:ما الذي جرى لذهنك يا وضاح ؟

ج/ولمَ سؤال كهذا ؟!!

س:لأنك لم تخل من الاضطرابات.فقد تنقلت بالشعر من الحب إلى الملذّات فالمغامرات  إلى الموت، وذلك حينما جرى لك وأن دخلتَ صندوقاً محكماً بالمجهول ،قد يشبه الصندوق الأسود الخاص بأسرار الطائرات. حتى ضَيَّعتنا دون أثر لوجودك،ولا تفاصيل لسيرتك الذاتية مكاناً وزماناً.فما السرُ يا وضاح؟

ج/إذا ما أردت الحق والحقيقة،فلا وجود لشئ منهما.

س:تقول لا وجود للحق ولا للحقيقة حتى هنا ؟!!

ج/إذا ما أراد المرءُ الحقيقة ،فلا حق له إلا بالانشقاق عنها، ليبرز عقلهُ منتعشاً ،فتتماثلُ نفسهُ بالتعافي من شقاء اليقين الوجودي الخالص.

س:أي وجودٍ تعني يا وضاح؟

ج/وجود الحق في باطن الحقيقة الغائمة في العدل ،تلك التي لا تعطيك يدها حتى لو كانت أصابعك جزءاً من الكف،لأنها دائرةُ دهرِ أحكام  الأبد الغامض.

 

هامش:

البورترية من تصميم الفنانة :فيفيان الصائغ