قيد الإنشاء وقصائد أخرى.. للبلجيكي ستيفان هيرتمانز

ستيفان هيرتمانز في جلسة تصوير في بروكسل (17/2/2002/Getty)
على الطّريق

كانت لديه يدٌ
تشير إلى النِّهاية
وأخرى لم تكن هناك.

أمُّه ذات يوم كانت أسطورة للرَّبيع،
ارتعاش شفتها السُّفلى،
الألم الذي عبر اللَّهيب،
وكيف كان فوق الأمواج.

لا يزال يتذكَّر كيف مرَّ النُّور،
كيف مات كلّ شيء في جسده
فاستردَّ تلك اليد مرّة أخرى، يدٌ
تجاهلتْ ما لم يكن يملكه
لم تُمنح له أبدًا
رغم أنَّهم ألصقوها بجسده.

تكلَّم عن النِّهايات السَّوداء،
عالم لا مفرّ منه،
الغاز المسيّل للدِّموع والأطفال القتلى،
في رأسه سلك شائك.
ولا أحد يَعدُ بشيء.

النَّظرة الأولى

تبدو مثل نَمِرَة تتباطأ
لأنَّ فريستها ظهرت.
شيء داخلي يمور
منصتًا إلى الرِّيح تُحوِّم
بين الصُّورة التي أتوق إليها وما سيحدث.

ما حدث هو “نحن”، عُقْدة من الهدوء،
إشارات دون صدى وليس سوى هذا النُّور،
مزيج من العضلات والأفكار
التي تجعلنا نترقّب بعضنا البعض.

أنتِ لا تتحرَّكين. أنا لا أتنفّس.
نستسلم ونحن نشعر بالألم.
على الكلام أن يصمَّ الآذان.

ها أنتِ تهتمين فقط حين يصبح الأمر غير محتمل.
ننجرف من مجال رؤيتنا
إلى نهاية بدوننا.

الأزرق هو الشُّروق، تأمَّلي
كيف نختفي فيه.


قيد الإنشاء

افتحْ باب القصيدة.
البيتُ فارغ.
سيكون عليكَ صنع الأثاث بنفسك،
خزانة للملاءات التي لم ينم عليها أحد
وبعض الأرفف للحكايات
التي لا يحتاجها كلبٌ بعد الآن.

سيكون عليكَ أن تُسْدل حياتك على المشهد
وأن ترسم نيرانًا في ثقوب بالجدار

لم تمرَّ ساعة بعد
إلّا وقد دخل الجوع.

ساعة الجدار من الجرافيت
ولا أحد يُقرضك أيامًا.

نصفُ ما صنعتَه
اختفى مرَّة أخرى.

لم يعد هناك باب أمامي،
الباب الخلفي مفتوح.
هل تسمع الرِّيح؟


رسالة من أعمى

لم أعرفك أبدًا.
كنتَ هناك
دون أن تعلمَ شيئًا
عن البقعة السوداء فيَّ، سحابةٌ
من التناقضات
التي سمَّيناها حاضرًا ونسيناها.

صوت من مكان ما
يعارضني، يهمس بكذبة
لن يستطيع أحد إنكار أنها اخترعتْ حقائق
فيما ظننتُ أنَّك موجود.

هكذا ملأتَ أيامي
بظلِّ الساعات،
وغنَّيتَ دون كلمات
في فمي المفتوح.

راكعًا تنتظرُ
حتى رأيتُكَ فجأة،
لكنَّكَ لم تعاود النَّظر إليّْ.

تحدِّقُ في صور مُختفية
دفعتَ ثمنها بعينيكَ المغلقتين
اللّتين لن أنساهما أبدا.


الزُّجاجات

انتقاءُ عناقيد التُّوت الأحمر
في يوم راحة،
مع الرِّياح والغيوم السَّوداء،
أصابعها تلمع من أثر العصير،

هل تفكِّرُ في النُّدوب والسكَّر؟
أعوادُ المرارة، شراب الآلهة.

بطاعةٍ
تملأُ الزُّجاجات السَّاخنة المغسولة
زجاجة بعد أخرى مرتجفة وشفَّافة.

تضعُ النَّشيج في الجرار
المملوءة بعناية حتّى الحواف
وترصُّها على الرِّفوف القديمة للصَّبر
لأجل شتاءات طويلة دافئة.


ستيفان هيرتمانز (بلجيكا، 1951): 
يعدُّ ستيفان هيرتمانز أحد أبرز كتَّاب اللّغة الهولنديّة اليوم. نشر العديد من الرّوايات والمجموعات القصصيّة والمجموعات الشِّعريّة، بالإضافة إلى العديد من كتب المسرح والمقالات الأدبيّة والفلسفيّة. أحدثت روايته “الحرب والتربنتين” Oorlog en terpentijn (2013) انطلاقة كبيرة له، ووصلت ترجمتها الإنكليزية إلى القائمة الطويلة لجائزة المان بوكر في العام 2017.
في العام 2016 دُعي هيرتمانز لكتابة مجموعة “هدية الشِّعر السّنوية”، وهو إصدار شعري يوزع مجانًا خلال أسبوع الشِّعر باللّغة الهولنديّة، وبهذه المناسبة أصدرت دار “De Bezige Bij” النَّاشر الرَّسمي لأعمال هيرتمانز أيضًا مختارات من قصائده تحت عنوان “صورة لك”، ضمّت مجموعة من قصائده عن الحب اختارها هيرتمانز بنفسه. وتكشف هذه المجموعة عن شاعر يحاول في لغة سلسة التّعبير عن جوانب الحب المتبانية بطريقة ديناميكية وغير ثابتة. ترجمت أعمال هيرتمانز إلى العديد من اللغات من بينها الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والأسبانيّة.
من مجموعاته الشِّعرية: “موسيقى للعبور” (1994)، “مفارقة فرانشيسكو”، (1995)، “البشارة” (1997)، “غويا كلبًا” (1999)، أصابع القرفة (2005)، “موسيقى للعبور – قصائد 1975-2005″، “سقوط أيام العطلة” (2010).

ترجمها عن الهولندية: عماد فؤاد.

((ضفة ثالثة))