كثير من الذين عاشوا التجربة القاسية في معسكرات الإعتقال في (أوسشفايز، بوخنفالد، داخو، زاكسنهاوزن) حاولوا أن يكشفوا في مذكراتهم ذلك المرض الدفين الذي يجعل جلاديهم بهذه القسوة.. بعضهم عزاها إلى  العنة أو البارانويا، أو الشعور بالدونية أو السادية. وأعادها البعض إلى جنون فطري أو دوري يعيق حركة الضمير.
الطبيب السويدي جوست أم.ميرلو١ الذي عاش في معسكر الإعتقال في أوسفايشز تابع جلاديه واستفتاهم فيما بعد، فوجد أكثرهم كانوا يمارسون مهناً بعيدة عن الدم والموت قبل صعود النازية (طبيب، بائع كتب، طالب هندسة، مساح، مدرس.. الخ). هواياتهم (الرياضة، الرسم، الموسيقى، التجديف، التصوير) لا تمت لمهنة الموت.وفي بيوتهم كانوا من ألطف الآباء والأزواج ويندر أن تجد بينهم من وضع في حسابه أن يقتل إنساناً ذات يوم…باختصار كانوا أسوياء من عامة الشعب الألماني. لا يعرفون سبباً واضحاً للتحول الذي أصاب حياتهم. وزير الشباب في حكومة هتلر (فون شيراخ) شاهد وهو في المعتقل فيلماً وثائقياً عن التعذيب النازي وعربات الغاز فأخذ يبكي في زنزانته غير مصدق إن الالمان قد فعلوا ذلك٢.وإستغرب عندما علم بعدد الألمان الذين سخرهم هملر لخططه الدامية.. قال “أما إني كنت في كابوس، أو إنني أعيش الآن كابوساً”.
لكن المخطط النازي لـ (إعداد الجماهير) يهدف في النهاية إلى جعل كل ذلك أمراً مألوفاً وضرورياً، وتحويل كل ألماني إلى جلاد أو مشروع جلاد تحت الطلب. ففي الخطب والإعداد العسكري والتربية، يجري تمرين متصل لاستئصال الرأفة من الألمان باعتبارها نقطة ضعف لا تليق بهم، وربما كانت السبب وراء هزيمتهم الأولى.
عمدت النازية تأصيل العنف والقسوة بغطاء فلسفي وعرقي. فأستخدمت عبارة (نيتشه) عن (العنف الأبيض) لتبرير العنف لأهداف (نبيلة). ويستند نيتشه على ميكانيزم الغرائز الحيوانية لتبرير القسوة والعنف عند الإنسان: “الحيوانات المفترسة والغابة العذراء تدلل على إن الشر يمكن أن يكون صحياً وإنه يسهل التطور الفيزيقي. فلو كانت غريزة الافتراس مصحوبة بعذاب داخلي لذبلت منذ زمن طويل. الكلب العواء المتشكي حيوان مفترس أصابه الضمور… إن وجود كثرة من أناس طيبين ومستعبدين تدل على إن الطيبة مرتبطة بتلف في القوى”٣.
وعلى هدى نيتشه عمل هتلر على إحياء الغرائز الحيوانية وأسس داخل الجيش مجموعات (أبناء الذئاب) مستغلاً الأسطورة الرومانية عن الإنسان الذئب، وذلك لدفع المقاتل لأن يتلبس روح الذئب المهاجم ويتحرر من عقدة التأنيب. ولكن هتلر لم يطلق الأرهاب على عواهنه ولذاته على هدى (براءة) نيتشه، إنما سيّس القمع ووظفه: “عندما نكافح من أجل كياننا فلا معنى للاعتبارات الإنسانية، لأن خيال الإنسان هو الذي صنع هذه الأعتبارات”٣. وقد كانت القسوة، في الأدبيات النازية واحدة من ميزات العرق الآري ولصيقة بتاريخه. وأستندت النازية على شوبنهاور في تأييد واطلاق الشر بأعتباره لصيقاً بالوجود الإنساني ويشمل كل الناس، فلماذا لا تستخدمه لصالح الفوهرر؟.
وفي الهرم البيروقراطي والاجتماعي الذي يحكم الدولة النازية يكون القمع وسيلة لممارسة السلطة والسيطرة على الآخرين وليس غاية لذاته. وبالقمع تكهرب النازية الحياة وتحكمها. ولا تعود السادية والمازوكية صفتين متعارضتين، إنما متكاملتين في نمط الحياة النازي. فالخضوع للأعلى تقابلها رغبة التحكم في الأدنى. والذي يستقبل القمع من أعلاه يصرفه على الأدنى منه، كوسيلة لضمان السيطرة. وتحاول النازية إشاعة الخوف في المجتمع بجرعات متتالية، ولذلك يصبح الخوف آداة الارتباط التي تسود المجتمع وتحركه.
العنصر الاستقراطي الذي يمثل النخبة المفكرة في الجهاز القمعي يرى أن الرقي الخلقي يكمن في التمييز والقوة والهيمنة. ولكن ممارسة السلطة على الأدنى ستصطدم بحسد فطري. فالمواطن العادي، وفق المنظور النازي، يخضع لرقة مزيفة، وتحت وطأة الأمتثال للعادات والأعراف الاجتماعية تختفي نزعة المواطن للتسلط ولأن يكون سيداً. ويخترع أساليب متعددة لأبداء السيطرة على الذات والتحلي باللطافة والعزة. مقابل ذلك تصدّر النازية القمع بجرعات مدروسة وترى في الديموقراطية مقتلها. فخلال محاكمته قال الجنرال غورنغ للمحققين: “الألمان بطبيعتهم أنانيون. والديموقراطية لا تليق بهم. وأنا سعيد لأني سوف لن أرى اليوم الذي سيكون الالماني فيه مطالباً بالحفاظ على عنقه”.٤
تتهجس النازية حالة العداء الكامنة في المُواطن.فهو،أي المواطن العادي، مشبوه بالضرورة لمجرد أنه يفكر. الخضوع المثالي لا يجنبه الشك،لان مجرد قدرته على التفكير تجعل التغير ممكنا.لذلك يستحيل كشف ما في قلبه. في هذا السياق، كما ترى حنه آرندت٤،” يكون التعذيب محاولة يائسة ليس إلا، وعبثية طوال الدهر، باعتبارها عاجزةعن بلوغ  ما لا يمكن أن يكون، لذلك يبقى ،الشك يبقى ماثلا ولن يتبدد على الإطلاق…”٦ و تبقى الريبة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم مهيمنة على كل العلاقات الإجتماعية في البلدان التوتاليتارية. وتحاول النازية تحرير “عدائية” المواطن وتوجيهها في نفس الوقت. فمن خلال إشاعة القسوة الراديكالية الجامحة تريد تحرير المواطن من الخلق الناعم والقسر الاجتماعي. وستكون القسوة على الأدنى تعويضاً عن التوتر الذي يفرضه على نفسه وهو يستقبل القمع من أعلاه. وفي غياب معركة واضحة ضد السلطة النازية يصطدم تمرد المواطن الصغير بآلية القمع الكبير ويرتد إلى الداخل. ويجرد هذا المواطن القمع من أسبابه ويستحيل أمامه إلى شر مطلق وقدري. ولذلك يعمل على تجنب هذا الشر وحيداً أو يداهنه أو يندمج  فيه.
••••
تتم صناعة الجلاد، أولاً في الشارع المشتعل بالتعصب والكراهية. ففي المهرجانات تسمع كلمة (الأعداء) بتكرار وجلجلة عالية. وكلما أحيط الإنسان ببيئة معادية أصبح من السهل اشتعاله بالتعصب والكراهية. ولا تتيح النازية لمواطنها نأمة يمكن أن يسمع منها صوت عدوه. انما  تحجب صورة الأعداء الواقعية بطوفان من القمع والديماغوجيا. لا يسمى الاعداء إلا بأسوأ الأسماء أو ينعتون بأسوأ الصفات. والنازية التي تتعامل دائماً مع الكتلة البشرية المستثارة، تهمل شكوك الأفراد ولا تجيب عنها، انما تحيل إلى التعصب الشامل مسؤولية ادماج المترددين. الفرد في جو التعصب الشامل ينحي أسئلته ووعيه الذاتي ويفضل الأندماج مع المشاعر الشائعة حتى لا يبقى وحيداً. لا يعود يسمع إلا صوت الفوهرر، ويصبح مستعداً لتنفيذ أكثر الشرور هولاً ما دام الفوهرر يريد ذلك. ومن هذا الوسط يجري اختيار الجلاد المحترف. وفق شرطين أساسيين:

النقاوة العرقية.
اللياقة البدنية.
وللتأكد من السلامة العرقية تجري مراجعة سجلات المتقدم لمدة 150 عاماً للتأكد من عدم وجود دم دخيل في سلالته. بعد دخول الجهاز يخضع لرقابة مشددة للحفاظ على نقاوته. حيث يجري التحكم بعلاقاته الجنسية بحجة الحفاظ عليه من الأمراض السارية التي قد تؤثر على صحة الأبناء فيما بعد. وفي داخل المعسكرات تتم عمليات الزواج بين أعضاء وعضوات الجهاز لتحسين النسل على طريقة الخنازير المدجنة.
ويخضع الأعضاء لنظام خلقي صارم على الطريقة الفروسية البروسية لتنمية الانضباط والطاعة لدى الأعضاء ويخضعون لنظام غذائي ورياضي ثابت للحفاظ على اللياقة البدنية. وتدور حياتهم في معسكرات ونوادٍ وأحياء سكنية مغلقة خاصة بهم. وتجري تنمية روح تضامنية منغلقة بينهم. إذ أن لائحة (الأوامر السوداء) الصادرة بتوقيع هملر تعلمهم: “أن اكون شريفاً مخلصاً لرفاق الدم الواحد”.
أغلب الجلادين الذين استفتاهم المحقق الأمريكي (تيلفور تايلر)٧ لا يعرفون متى وكيف تغيروا من مواطنين من عامة الشعب الألماني إلى جلادين محترفين. لأن الفاصل بين المواطن المتعصب المشتعل بكراهية أعداء لا يعرفهم، وبين الجلاد المحترف، هو فاصل هلامي وزمني فقط. كراهية العدو لا تبدأ من الجهل، إنما من الأصرار على الجهل.. فالمواطن الذي تتسلط عليه الكراهية والتعصب ينبذ أي تحليل منطقي ويرفض فكرة خصمه بكل احتقار حتى قبل أن يسمع بها. لقد لقن بأن عدوه كائن لا علاقة له بالبشر، أو على الأقل كائن لا حقوق له. وكلما ضاق أفق المواطن أمكن تعميم الكراهية، خاصة إذا كان المكروه مجهولاً. في هذه الحالة يرتفع معدل التأثر بالغرائز الحيوانية والدنيا. وقد ركزت النازية كثيراً على تهويل الفظائع التي يفعلها الأعداء لتولد بالمقابل مشاعر الثأر. ويورد ريتشارد إيفانز في كتابه (الرايخ الثالث في الحرب)٢ أمثلة عن أشكال إثارة الضغائن ومنها أن ستالين يستخدم مؤيديه اليهود لتعذيب الأسرى الألمان في روسيا وإن اليهود بالتحديد وراء فكرة شن غارات على خطوط الألمان من الخلف. ويركز إيفانزعلى الأهوال التي تجري في معسكري الإعتقال أوسشفايتز وتربلنكا وبشكل يومي ، وتشمل النساء والأطفال حتى تحولت الى صناعة شاملة وانتاج غير مشخصن تحت إشراف جيرهاردستيبانوف قائد الجهاز الأمني السري لـ(أس أس) في وارشو. يتجنب ستيبانوف عبارات مثل إبادة وتعذيب ويستخدم  لغة غاية في البيروقراطية عما يقوم به من مجازر مثل “ التعامل  مع” و”إعادة توطين”. ويتساءل إيفانز عن سر الطاقة الجهنمية وراء أشخاص كانوا يطلقون النار يومياً وبالمئات على أسرى عزل قبل أن يغذو بهم أفران الغاز بعد، ويستنتج بأنهم كانوا يفعلون ذلك بروح رياضية لأنهم يعتقدون بأنهم ينفذون أوامر زعيمهم هتلر، يقتلون العدوالحاضر والمستقبلي للعرق الجرماني.٨
92% من الجلادين الذين استفتاهم تايلور عن سبب إرتكابهم تلك الجرائم أجابوا بأنه: “قيل لهم بأنه دفاع عن النفس أو أداء واجب يصعب رفضه”.
يبدأ الجلاد خطوته الأولى بسبب الخوف من السلطة، ولكنه يتوغل في المهنة عندما يصبح خائفاً على السلطة التي أرتبط بها بوشيجة الدم والمصير. ينفذ الجلاد مهمته في البداية إذعاناً لمبادئ الطاعة العمياء التي تسود الجهاز القمعي النازي. فالقسم الذي يؤديه المنتسب لجهاز الأس أس يقول : “سأنفذ أيضاً أي مهمة توكل أليَّ من مسؤولي دون أعتراض أو تردد” ما دامت هذه الأوامر أمتداداً “لإرادة الفوهرر” المقدسة. وفي بداية المهمة يعاني الجلاد الجديد من حالات عصاب ودمار ذاتي. فخلال محاكمته قال الكومندان (أر.هوس) الذي كان يصدر أوامر أطلاق النار على المحكومين بالأعدام في منسك: “في أواخر صيف 1941 كنا ننفذ عملية أعدام جماعية بعدد من الروس. وكان هناك عدد من القناصين الجدد يمارسون أول تمرين عملي في الإعدام . بعد إطلاق النار وسقوط الضحايا أغمي على عدد منهم، وبعضهم أصيب بصدمة، أو دمار ذاتي، وبقوا يصرخون في نومهم. وكنا نعرف إن شيئاً من هذا سيحدث لهم في بداية الأمر، ولكنهم سيتجاوزون هذه الحالة فيما بعد”. في البداية يشعر الجلاد وهو يضغط الزناد إنه سيقتل شيئاً في داخله، ويحاول أن يطلق النار بسرعة ليحسم تردداً في داخله “ولذلك غالباً ما تخطئ الرصاصات الأولى” كما تقول خبرة الكومندان هوس. يصبح العدو الخارجي ضحية للعدو الداخلي الذي يقلق الجلاد ويعاقبه في أحلامه أو في ردود فعله النفسية٠ وتتجلى هذه العلاقة بين الجلاد وضحيته بوضوح أشد خلال عملية التعذيب لتبديل عقيدة الضحية أو إجبارها على الخيانة. فخلال عملية التعذيب يتعرض المحقق الجديد، لتبدل في عقيدته. وقد تحدث الطبيب السويدي (جوست أم.ميرلو) مع جلاده في المعتقل النازي (كان شاباً جميلاً وذكياً) كما وصفه. وكان يعترف بتردي إنسانية الالمان وبالفظائع التي يمارسونها. ورغم مظاهر الحزن البادية على وجهه، يفلسف عمله بالاستناد إلى الفظائع التي يقوم بها الحلفاء بالمقابل. وكان يردد المقولات التي لقنوها له “الشر والقسوة كامنان في الإنسان منذ بدايات الخليقة وإننا نستخدمه لصالح الوطن والفوهرر”. ويتذرع الجلاد باحتقار عدوه وكراهيته اعتمادا على الصفات التي تلقاها، خائفاً من معرفة هذه العدو ومنطقه. وهو يردد هاجس الجلاد (اولندورف): “أنه دفاع عن النفس، سيقتلني إذا لم أقتله!”. وإذا نجح في تدمير عدوه على كرسي التعذيب فأنه بالمقابل يدمر شيئاً في داخل نفسه، فيصبح مثقلاً بالأثم والكراهية الذاتية. وتتجسم هذه الكراهية فتشكل خطراً على المحقق – الجلاد ويتأكد من أنه ملاق ذات الدمار الذي أصاب ضحيته. وبدلاً من إحساسه بالرضا يحدث في داخله فراغ مؤلم يلتهم مزيداً م طاقته ويتطلب ضحية جديدة وتمادياً في الجريمة ليقطع الخوف الذي يقلقه. وكلما استمر الجلاد في ممارسة حرفته هذه، يصبح أكثر طلاقة، وتصبح القسوة تعويضاً عن التوتر الذي فرضه على نفسه في حياة السلم. وتدريجياً سيسترجع وجدان الوحوش الكاسرة. وكما يقول نيتشه في (إرادة القوة): “وبعد سلسلة من عمليات القتل والحرق والاغتصاب والتعذيب سيصيرون وحوشاً فرحة نشيطة. سيذهبون خفيفين وقد حل عليهم سلام عجيب، وكأنهم عادوا من مزحة طلابية طيبة، مقتنعين بأنهم قدموا لأمد طويل مادة لأغاني وقصائد الشعراء”.

((تاتو))

http://www.tatoopaper.com/news.php