شعراء من العراق

حنينٌ في أوردة الأساطير

اعداد وتوثيق :أسعد الجبوري

 فوزي كريم

1945- 2019

 

شاعر

– من مواليد العراق/في بغداد

– تخرج في كلية الآداب- جامعة بغداد- قسم اللغة العربية 1967.

– عمل مدرساً لعدة أشهر بعد تخرجه، ثم تفرغ لنشاطه الأدبي والفني الخاص، وكتاباته الحرة في الصحافة العربية، كما قام برئاسة تحرير مجلة (البديل) التي تصدرها رابطة الكتاب والمثقفين العراقيين في المنفى، وهو إلى جانب ذلك يصدر مجلة خاصة بالشعر في لندن بعنوان: اللحظة الشعرية.

– عاش في بيروت بين سنتي 69- 1972 ثم عاد إلى بغداد، وتركها ثانية عام 1979 متوجهاً إلى لندن حيث استقر.

 

ببلوغرافيا:

 

في  الشعر

حيث تبدأ الأشياء 1968-

أرفع يدي احتجاجاً 1972-

جنون من حجر 1977-

عثرات الطائر 1983-

لا نرث الأرض 1988-

مكائد آدم 1991.

.قارات الأوبئة 1995

قصائد مختارة 1995

قصائد من جزيرة مهجورة 2001  مجموعة من جزأين

السنوات اللقيطة 2003

آخر الغجر 2005

ليل أبي العلاء  2005

الربع الخالي وقصائد أخرى 2014

 

 

 

 

 

 

محاولات:

في النقد

مدينة النحاس 1995

ثياب الإمبراطور 2000

العودة الى كاردينيا 2004

الفضائل الموسيقية

يوميات نهاية الكابوس 2004

كتاب تهافت الستينيين 2004

“شاعر المتاهة وشاعر الراية.

الشعر وجذور الكراهية.

القلب المفكر، الشعر يغنّي، ولكنه يفكر أيضاً .

 

 

 

ما كتب عنه:

 

للشاعر فوزي كريم مواقف قد لا يتوفر عليها شعراء آخرون. وهي أنه يستطيع من خلال الشعر والنثر أن يقول القول السياسي دون أن يكون منتميا لفئة أو حزب.

 

كتب ياسين النصير مستطرداً:

هذه الخاصية جعلته في موقع متراوح بين أن يكون مخلصا لفنه، وبين أن يكون منتميا للحركة. كل ما عمله هذا الشاعر الناثر هو أنه فضل مناخ الكتابة على مناخ آخر. ولكن شعره وحياته يصبان في العملية الفكرية التقدمية للثقافة العراقية. ويوم قرر الخروج من العراق، كنا معا نجوب شوارع بغداد ليلا. كان ذلك في أوائل السبعينات. ذهبنا معا نتجول ونعيد تواريخنا الصغيرة والكبيرة، وألاعيب السياسة. وما يتعرض له من ضغوط في أن يكون منتميا لحزب السلطة. لكنه برفضه المبكر وخروجه كان يخطط لن يكون منسجما مع نفسه وموقفه الشعري. كان فوزي قريبا من الثقافة العراقية بكل أطيافها. يكتب في صحافتها المتنوعة، ويقف كاي شاعر مع قضايا شعبه دون أن يدعي ذلك . فهو في انتمائه للثقافة كان يؤسس لضعف في المواجهات. فآثر السلامة في خروجه ليلتحق بركب المثقفين الذين وجدوا في بيروت مدينة منفتحة على القول دون رقيب. وفي بيروت أعاد فوزي كريم إنتاج ثقافته من داخل وعيه المتجدد بالشعر وبالنثر، فهو كاتب في الصحافة جيد, ناثر في القضايا اليومية جيد، وشاعر يكبت من داخل ذهنية متفتحة جيد. بدأ أدونوسيا وخرج من عباءته في باكورة أعماله الشعرية. ” حيث تبدأ الأشياء” عام 1968 ويهدي ديوانه إلى أمه. ومن ثم طور ذاته ليجد أن القصيدة عنده لا تقف عند ملامسة الحدث السياسي، بل تقول فيه عبر تكوين لغة تصبح رديفا للصوت النقدي السياسي. وهكذا وجد نفسه منساقا بحكم طاقته الروحية لأن يكتب عن ما فعلته السلطة بمثقفيها، ويدين ضمنا تصرفات سدنة الثقافة البعثية. فيجد نفسه مرغما بفعل كيمياء القصيدة في صفوف الشعراء الذين لا يتنكرون لثقافة وطنهم ولا لمثقفيه.

 

آه يا صوت بلادي

آه لو ازرع في خديك قبلة.

صدقيني يا بلادي

أن في دمعة عينيك ضياعي.

 

في عام 1973 يكتب ديوانا جديدا هو ” ارفع يدي احتجاجاً”. وفيه يجد الناقد أن فوزي كريم بدا يبتعد كثيرا عن مناخ قصائده في ديوانه الأول هنا يقترب من القول المباشر ومن القضية الملتهبة أنه يمهد للخروج من الجحيم. كنا نحن أصدقاؤه نلمس روح التمرد فيه من خلال صمته ومناقشاته اليومية الحادة وكلها تصب في القصيدة والشعرية الجدية وفوزي يحب المناقشات بل ويتصنعها ـ و يصنعها عندما لا تكون هناك إلا أحاديث السياسية وكنت ممن وجد فيه صديق يحب أن يتتبع شطحات الذهن النقدي عندي كان يقول إن العبارة الناقصة التعبير ناقصة المعنى وكان يصر على الوضوح في القول وفي الرأي لا يرغب أن يستلم حوارا مبهما ولا رأيا ناقصا وفيه خصاصة من المتنبي ذلك الذي يجد في الشعر قولا وفي النثر قولا فغلب النثر على الشعر عنده ليصبح لاحقا له في النقد رأي. فنثر فوزي يحمل طاقة شعرية مباشرة وحية ومختزنة للقول الواضح الجميل بينما مالت قصائده إلى الذهنية ومن أعمال العقل كما يقال . كتب فوزي كريم في النقد دون أن يكون له منهجا محددا إلا منهج الذائقة الشخصية المرهفة المتزنة والمحتكمة إلى المقارنة الثقافية بين ما قرأه وما يقرأه في المنقود. فكتب كتبا نقدية ومختارات لمقالات حسين مردان ولأدمون صبري ولغيرهم ورافق هادي العلوي في بيته ومكتبته وأفكاره، واحتذى حذوه في الصبروالمتابعة.

 

يا وطني الهاربَ خذني، فأنا مثلك هاربْ

عاشرني الحبُّ فضيَّعني

لكني لم القِِ الحبلَ على الغاربْ،

لم امسحْ من عتباتِ البابِ حصى الغائبْ.

يا وطني ، الغربة، يا وطني

تمرٌ..ورغيفٌ..وأموتُ.

 

في عام 1977 يكتب ديوانا جديدا يشكل نقلة في شعره هو ” جنون من حجر” يجمع فيه قصائد قيلت في بداية السبعينات. وفيه يجد الشاعر ضالته في القصيدة المقطعية المركزة تلك التي أصبحت إحدى ميزات الطاقة الشعرية المتفتحة على موضوعات عدة في قصيدة واحدة. وفي هذا الديوان النقلة لا يبدو له أن الأمس قد أصبح ماضيا فقد نسيه كله وليس ثمة شيء يستعيده منه. هذه القطيعة جعلت فوزي شاعرا لا يتكئ على الأيديولوجيا بل على التجربة والروح والطاقة، والفكرة المتجوهرة في الممارسة ويقول أن الأيديولوجيا تنتمي للتاريخ بينما الشعر ينتمي للأسطورة لذلك تبدو القصيدة التي تردد أصداء التاريخ قناعا من أقنعة الإيديولوجيا لا غير. وهي عرضية لأن تزول زوال المبادئ ولا جوهر لها.

بعد ثمان سنوات أي في عام 1985 بينما الحروب مشتعلة والجند الشبان يذهبون لمحرقة النار، يصدر ديوانا وهو في الغربة اسماه” عثرات الطائر”. ليس فيه إلا الندب والحزن والنقد. ديوان يستعيد فيه تجربة الذات وهي تمر من ثقوب الممارسة ففوزي كريم الصامت المقل، لا ينتبه هذه المرة لجوهر الشعر فقط، بل ولجوهر العلاقة بين الشاعر ووطنه. فهو يقترب من السياسي ربما لأول مرة حيث في التجربة بعض مرارة القول والأسماء. أنه هنا لا يضعف، بل يؤخذ بالنثر الذي بدأ بكتابته كثيرا في صحافة بيروت كي يمكن ذاكرته من الاستمرار. فبدت بيروت في عيون الكثيرين من مثقفي العراق المهاجرين قاسية ليس بالاجتياح الإسرائيلي – الكتائبي فقط بل بالفرص القليلة المتاحة للعيش. وهي فرص قال عنها بعد ذلك الياس خوري العراقيين لمن غادروا بيروت هربا من الحرب ، أنها لم تكن متاحة للبنانيين أيضاً. بعد ذلك فكر الجميع بالهجرة منها. من بينهم فوزي كريم ليستقر في لندن حاملا أمراضه وولعه بالموسيقى وحبه للمناقشة والانتماء لصداقة الذات. وفي لندن أسس لنفسه قوقعة صغيرة يطل بها على عالم لندن الثقافي والموسيقي وكلاهما من خصائص ثقافة فوزي كريم. وفي لندن أصدر مجلة شعرية هذا الهاجس الذي يلازم كل مثقف عراقي يجد في الكتاب المنشور أو المجلة الخاصة به منبرا للقول الذي يجب أن يقال. اسماها “اللحظة الشعرية” وجعلها صوتا خاصا به مع نافذة صغيرة على أشعار ونقود الآخرين. وشيئا فشيئا وجدت المجلة بعد أعداد منها حبيسة الرأي المفرد، والصوت الذي يجب أن يراه فوزي حديثاً. ودخل محررها في نقاش حول الحداثة الشعرية في العراق، وكيف بدأت ومن هم قادتها. وبالطبع كان فاضل العزاوي الذي ينسب له حداثة التجديد في الرؤية الشعرية محورا للمناقشات.

في اللحظة الشعرية يبدأ فوزي كريم بتجربة أن يكون ناشرا أكثر منه شاعراً فيغلب عليه ثانية صوت النثر. وبصحبة مرض القلب الذي لازم عددا من المبدعين العراقيين، أصبحت اللحظة الشعرية ثقلا أخرا عليه فقرر توقفها. وفي هذه الفترة يكتب ” مدينة النحاس” النص النثري الجميل الذي ينفتح على ذاكرة العراق والثقافة. وعلى ذاكرة مثقف يعرف أين يقف.

( )

 

طقوس:

 

كان لابد لفوزي كريم أن يتجاوز الغنائية التي طبعت معظم شعره إلى جنس شعري أكثر تعقيدا و درامية لتعميق أدائه الشعري و قراءته لتجربته العراقية الحافلة. إن واحدة من أكبر المشاكل التي عانى منها الشعر العراقي في العقد الأخير، و سيبقى يعاني منها زمنا طويلا هي مشكلة تجاوز مستوى التأسي على الذات والشجن الباكي في التصدي لتجربة أذهلت العالم لما وسمها من تشعب وأحداث كارثية دامية وامتداد زمني زاد على ثلاثة عقود من الاستثناء السياسي وإعلان حالة الطوارئ . لقد أكد الناقد والشاعر دونالد ديفي على حاجة الشعر لتجاوز الغنائي نحو الدرامي لكي يتمكن من الإيفاء بمتطلبات تجارب كبيرة لها حجم الكارثة في دراسته المميزة عن الشاعر البولندي شيشلاف ميووش . إن هذا الاستحقاق هو دون شك اكبر تحد يواجه الشعر العراقي المعاصر في محاولته استنطاق التجربة العراقية الدامية استنطاقاً يفوق البكائيات ويغوص إلى أعماق الخلق الشعري التي يتحول فيها الألم والشقاء إلى معرفة يستنير بها القارئ ويحياها .

من هنا كما أرى تأتي محاولة فوزي كريم كتابة سيرة ذاتية شعرية طموحة. ومعروف أن السيرة الذاتية شكل درامي ينطلق من مسلمات كثيرة ، منها وجود بنية سردية تستند إلى رؤيا أو تصور يراجع عمق الماضي المشتت انطلاقاً من راهن لحظة الكتابة . وتنطوي لحظة السيرة دائماً على جمع دال لشتات التجربة الحياتية بأكملها ، ويندر أن تكون مجرد تراكم من الأحداث التي لا تنتظمها رؤيا معينة . قد يهدد الوقوع في فخ هذا التراكم العشوائي كتابة اليوميات، لكن السيرة تختلف . لدينا إذن وثيقة هامة تصدر عن شاعر عراقي من الصفوة المتقدمة عاش زمنه وحاول جهده القبض على جمرة الوفاء للنفس وقيم الفن التي انقطع إليها .

يقول فوزي كريم في قصيدة ” جزر نائية ” من مجموعته ” قصائد من جزيرة مهجورة :

 

ولو توهمت دلالات لكل هذا

لهالني جهلي!

ولافتقدت متعة الباحث في مهلِ

عن عبث الموجة بالرملِ

 

تتجاذب الشاعر إذن رغبتان متناقضتان ، الأولى هي الرغبة في العثور على دلالة لكل ما حدث لإقناع النفس والآخرين بأن ما حدث ويحدث تفصيل في لوحة اكبر ، لا قسوة عمياء ليس لعنفها من دلالة . لكن رغبة الشاعر التي دأب عليها دائماً في معانقة تفاصيل التجربة وعَرَضيّتها وتدفقها تجعله يخشى الوقوع في اختزالات التعميم وفي الكليات . ألا تشبه حركة قلم الشاعر على الورق عبث الموجة برمال الشاطئ ترسم عليه مالا تحكمه إلا تصادفية اللحظة ؟

لكن الشعر ( والفكر عموماً ) محكوم باحتواء اضطراب التجربة للخروج برؤيا ، والمخيلة تفوق بطر العبث اللاهي عندما يتعلق الأمر بالتجربة العراقية ( وكل تجربة حرب كما أرى ). وسنجد إن تضارب الرغبتين المذكورتين آنفا لا يحسم قبل كتابة هذه السيرة ، بل يحمله الشاعر معه ويرفد به محاولته هذه للتمكن من فوضى المعيش .

ليس شاغل الإمساك بتفاحتي الرؤيا وجزئية اللحظة هو المعوق الوحيد أمام انجاز هذه القصيدة وعدها . هنالك معضلة المرصد الذي اختار الشاعر ان يستكشف منه نثار تفاصيل حياته . فهذه السيرة لاتأتي في نهاية مشوار شعري طويل يطل عليه الشاعر من برج التقاعد الامن ليقرأه قراءة سيرية . بل هي تأتي في ذروة شعرية وتأريخية يحرص الشاعر على تأشيرها عندما يسجل مكان وزمان كتابتها : لندن، 1995 . يمكن ان نفهم دلالات هذا التموضع لو تخيلنا بديلاً عنه : بغداد، 2015 مثلاً . وأنا أدعو الشاعر ( أطال الله في عمره ) إلى محاولة كتابة سيرة أخرى حين ذاك ، عندها سنفهم خصوصية هذه السيرة المتوهجة كالجمرة التي لا تنشغل بالتعاقب الزمني لذاته ، وإنما بالسعي إلى رؤيا قد تمنح المواساة . إلا إن لهذا التموضع مشاكله الضاغطة التي تشكل الطابع السيري للقصيدة . يقول فوزي كريم في قصيدة ” لا ، لن أعود إلى الطفولة ” :

 

سبعة بحار من الرمل بيننا

سبعة بحار من دم القتلى .

 

يمنع الراهن عودة آمنة تسمح للشاعر باستعادة رغيدة لطفولته ، وهو ما انعكس في ان الهم السياسي قد التهم الكثير من تفاصيل السيرة وغيّبها في مصائبه . هنالك محذوفات كثيرة مما اعتدنا على قراءته في مثل هذه القصائد ، بدلاً من وصف الحب الأول لدينا وصف لكارثة الحرب العالمية والسحل والقتل . بل نجد أن المرأة تغيب كوجود أنثوي يتجاوز الترميز السياسي والمعرفي عن هذه السيرة . لا ذكر لمشاغل الحياة اليومية ، لما عرف عن الشاعر من ولع بالفضائل الموسيقية ، لعلاقته بالعمل ، لحوادث تتصل بوجوده الاجتماعي . هنالك استقطاب فاجع لكل المؤسسات والقيم والتقاليد والثوابت مما يشكل الحاضنة لأية معرفة بناءة في ثالوث مأزوم هو الجسد والمثال والسياسة .

سبق لفرانك كرمود وأن ناقش ببصيرة نافذة في كتابه ” الإحساس بالنهاية ” معضلة السعي لمقاربة  تصادفية الواقع دون قبول لما توفره المفاهيم الشاملة من تقاليد ، تلك المقاربة التي يحدوها أمل واهم بإمكانية الالتحام بالتجربة التحاماً مباشراً حياً . وقد ورد ذلك في الفصل الخامس ” القصص الأدبي والواقع “، الذي يتناول فيه رواية ” الغثيان ” لجان بول سارتر. الرواية التي انتهت إلى معضلة مربكة لأن سارتر وهو يرفض المتواضع عليه بحثاً عن حرارة التجربة انصاع لتقاليد السرد الروائي لكي ينشئ نصاً دالاً . لقد ظل الأمل الستيني في معانقة التجربة دون افتراضات مسبقة ( الذي أخذه الشعراء الستينيون ، وفي طليعتهم فوزي كريم عن الوجودية السارترية وبواكير الظاهراتية ) الهاجس الذي يحرك فوزي كريم طوال مشواره الشعري . وما كتابه ” ثياب الإمبراطور ” إلا التتويج النقدي لهذه الرغبة . لذلك نجد في سيرته هذه انه إذ تحرر من اختزالات التقاليد المكرسة والمفاهيم الشمولية سجن نفسه في ثالوث هو الجسد ( حيث المتعة الحسية المتنكرة لكل حاضنة متعارف عليها ) ، والمثال ( حيث السمو مع الشعر والفنون الذي يتنكر لقوالب الإبداع والمخيلة )، ثم السياسة ( التي تكرّست في تجربة الشاعر العراقية بوصفها عنفاً قمعياً مجنوناً يتنكر لأية مؤسسات ديمقراطية مقبولة ).  إن رفض فوزي كريم للوساطة الرمزية القادمة من التقاليد والأيديولوجيات المعروفة وتوقه إلى التحام حي بالتجربة في مستوياتها الحسية والميتافيزيقية والسياسية حرمه من الاستقرار والركون إلى وسادة المتعارف عليه ، وشحن تجربته بحمى غنائية شجية مأزومة تحولت في هذا النص المتوهج إلى سرد درامي متسائل . بهذا المعنى تؤشر هذه القصيدة منعطفاً نأمل ان تستكمل شروطه مستقبلاً بتصالح المثقف مع الاجتماعي والسياسي في ظل مؤسسات وتقاليد تنصفه وتهادنه . فالارتباك الذي تنتهي إليه هذه السيرة ، والاحتراق الذي تصطلي به ذات الشاعر في ضياعها خارج الوطن وخارج حاضنة ثقافية مقبولة، شاهدان على أزمة عميقة في الثقافة العراقية اكتشفها الشعر عبر صوت فوزي كريم قبل أن يدركها المفكرون والسياسيون .

ربما كانت أسطورة كلكامش التي ترد كثيراً في الأدب العراقي الحديث هي المورد الذي تزود منه الشاعر بمفتاح للرؤيا التي تنتظم سيرته . يرد في قصيدة ” ماعين ” من ديوان ” السنوات اللقيطة ” قول الشاعر :

مرآة الماضي تصفو حين تحل الأسطورة

بدل الذكرى .

والشعر ، إذا غادر وقع الساعة ،

فهو مجرتنا الكبرى.

 

يدرك الشاعر إذن إن عشوائية الذكرى وتفريعاتها لن تُسلم نفسها لصفاء اللحظة الشعرية إلا إذا احتوتها الأسطورة، ذلك لأن في الأسطورة التماسك والدلالة واحتشاد المعيش بطاقات الغيب . كما إن زمن الشعر لا يبدأ إلا إذا خرجنا من تعاقبية زمن الساعة ورتابته العابثة . من هنا يتلبس الشاعر ثياب كلكامش ويعود إليه عدة مرات في قصيدته ليستعين به على تكثيف شتات التجربة واحتواء نصال الذكرى الحادة .

لن تفرض القراءة التالية مسلّماتها على نص القصيدة لما له من استقلالية يتعذر على أية فرضيات مسبقة احتواءها. سأعمد إلى متابعة فصول القصيدة كما وردت فيما يشبه تسليم القياد للنص. لكن الفروض التي بدأت بها قراءتي ستبقى حاضرة تصد مقاومة النص لها تارة وتمتثل له تارة أخرى. إن هذه الجدلية بين الفروض وإبداعية النص هي ما يخلق حركية أية قراءة منتجة في نهاية المطاف.

 

كلكامش و الدفلى

يبدأ الفصل الأول منثورا، مما يشير إلى رغبة الشاعر في قراءة متأنية متفحصة للتجربة بعيدا عن اشتراطات موسيقى العروض، لكنه سرعان ما يفلت من قبضة النثر بعد 14 بيتا ليتصاعد سرده عبر الوزن  والقافية و يتحول إلى استذكار شجي. لكن هذه الانتقالة لم تلغ المشروع الذي بدأه الشاعر في مقاربة اضطراب تجربته مقاربة تأويل و عقلنة، ذلك المشروع الذي يظل مطلع القصيدة شاهدا عليه. تكمن  أهمية المطلع  أيضا في أنه أحتوى على صور تنتمي إلى حقول دلالية متنوعة سنكتشف و نحن نمضي قدما في قراءة القصيدة أنها تمثل كل المكونات الأساسية لرؤيا هذا العمل. هنالك الحياة اليومية الهادئة البسيطة خارج اعتبارات السياسة تشير إليها صورة البيوت المتراصة كأقراص الخبز. هنالك البؤس الذي يطل على العالم (“شبابيك مهترئة كالمناخل”)، ثم هنالك مشكلة القمع السياسي (“أبواب تكتم أنفاسها أمام طارق الليل”)، هنالك الرغبات المكبوتة التي تئز بفعلها أسلاك الكهرباء. ويتوج كل هذا صورة الأزقة المعقودة كضفيرة المحارب؛ هنالك إذن معركة برغم أن حركة الحياة اليومية متواصلة.

تتجمع كل هذه العناصر في نهاية المقطع الافتتاحي في رؤيا ستعاود الظهور لاحقا يدخل فيها كلكامش هذه الأزقة الفقيرة ليقطف وردة دفلى الدار، “ثم يبيع شذاها للعطار”. هنالك الكثير من إيحاءات القصيدة في هذه الصورة البليغة، فالبطل البابلي الأسطوري كلكامش يحضر في هذا الزقاق البغدادي بكل عنفوانه و أسئلته الوجودية المتعالية على اليومي والدنيوي. والشاعر إذ يستحضره عبر رؤياه يتماهى معه و يختزل فيه الكثير من إشكالياته. كأن الشاعر هو من يقصد أجمل ما في الدار (الدفلى). لكن هذا التصعيد الرؤيوي سرعان ما ينتهي بصدمة الواقع عندما لا يفعل كلكامش بهذه الوردة أكثر من أن يبيع شذاها للعطار. هل في هذا استباق لاضطرار الشاعر طوال قصيدته إلى أن يترك همومه الوجودية الكبيرة ليشارك العطارين والناس أجمعين مشاكلهم اليومية و مآسيهم السياسية؟ لن يشك من يستكمل قراءة القصيدة في صحة ذلك.

مع بداية القصيدة يتأكد معنى هذه الرؤيا عندما تعاود صورة دفلى الدار الظهور في صلة دالة مع أطفال البيت الذي ولد فيه الشاعر في زمن مترد (فيضان، مرض، حرب عالمية):

 

نحن الحمقى كنا نكبر

دون محاذرة، ونلوّح للدفلى

في حوش الدار بحمى الفرد.

 

كما أتجه كلكامش إلى دفلى الدار في رؤيا الشاعر يتجه الشاعر في طفولته إلى هذه الدفلى و إشكاليته الوجودية واضحة، إنها “حمى الفرد”. لكن كلمة “حمقى” تدل على أن حقائق الحياة أقسى من أن  تستوعب “حمى الفرد” ، و أن ما يترتب على مسعى الشاعر إلى الدفلى سيشبه ما انتهى إليه كلكامش في رؤياه عندما انتهى به الحال إلى بيع شذى الدفلى للعطار.

 

الواقع أن ثنائيات الشاعر تتأكد منذ البداية، و يتأكد معها عجز المحيطين به عن فهمها: هنالك مفارقة في ولع الشاعر بالأشياء من جهة، وتوجعه سعيا وراء وهم لا يتحقق: حسية الأشياء مقابل وجع الوهم. أخوه يغضب من الأول و أمه من الثاني. و هو يعطيهما العذر في حيرتهما و غضبهما. تواجهنا الدفلى بعد أبيات قليلة مرة أخرى: ” أبي مات و أمي ماتت. و احترقت في الدار الدفلى”. في ضوء الأبيات السابقة يكون غياب الأب و الأم إيذانا بمواجهة مباشرة مع وقائع التجربة القاسية فهما الحماية و الدرع الواقي إلى حين، و لذلك فإن دفلى الدار التي اجتمعت حولها إيحاءات التطلع الرؤيوي للشاعر في صورته الكلكامشية، تحترق بموتهم فتتحول الرؤيا من حلم سعيد إلى ذكرى تؤطر مواجهة حادة وشائكة مع وقائع التجربة. و تكرار كلمة “معذور” و “معذورون” التي تندرج تحتها ضديات كثيرة منها “الجاني و المجني عليه، السارق و المسروق” ، الزاني و الزانية و راجم بيتهما، هذا التكرار يشير إلى شمولية رؤيوية تعلو فوق الأضداد و تحتويها كلها، فهي منشغلة بما يتجاوز تفاصيل التجربة. فيما بعد ستكون العلة في الكثير من إشكاليات الشاعر إن عناصر الضديات و تفاصيل التجربة سترفض تسامحه هذا، وستسحبه مرارا من عليائه الرؤيوية إلى أوجاع وجوده المكبل. هكذا إذن تعقب هذا الترديد الإيقاعي لتسامح الشاعر صورة القطط التي هي حمى الشاعر تحت الجلد ووجعه (“بالأظفار تخرمش وجهي”) و نذير

تسارع نحو أفق مسدود.

 

 

(  )

 

 

 

 

بصمات:

* في أي مدينة عراقية نشأت؟

*  بغدادي النشأة. “الصاية” و”الچراوية” و “اليمني” عناصر ثابتة في زي أبي. ولكن محلتنا البغدادية كانت تستكين في طرف معزول نسبياً عن أحياء قلب بغداد التاريخية. “العباسية” جزء صغير من محلة “كرادة مريم”، قد لا تتجاوز بيوتها المئة إلا بقليل. لا تخلوا من طبيعة شبه ريفية: النخيل، وزراعة محلية للخضار، وصيد الأسماك. إلا أن معظم شبانها طلبة مدينيون وموظفو دولة. أبي كان يملك مركباً بخارياً مع حاملة نقل قبل ولادتي، ثم عاملاً في إدارة هذا المركب في سنوات بناء جسر الملكة عالية (جسر الجمهورية لاحقاً) في طفولتي، ثم بائع فاكهة وخضار في محلة العباسية، في سنوات صباي ومراهقتي. قبل سنوات استعدت هيئته في لوحة بورتريت زيتية ملحقة بهذا الحوار.

 

إذا توقفت في منتصف شارع أبي نؤاس (الرصافة) ستكون “العباسية” في الواجهة تماماً، على الضفة الأخرى (الكرخ). بيوت معظمها متواضعة ومن طابق واحد، يظللها النخيل، وتحجب شاطئها الزوارق. الزوارق كانت وسائل عمل للصيد، للأجرة، لعبور النهر، أو لمهمات الشبان التي لا تخلوا من المغامرات الشخصية. أجمل مهماتها هو العبور المبكر في الربيع الى الجزر الرملية التي تطلع كالجنيات في منتصف النهر القريب من الرصافة. هناك تُبنى الچوادر من الحصران، وتُزرع القثّاء واللوبيا. ضرب من احتفاء سحري بالطبيعة والحياة جملة. كل هذا انطفأ مع مجيء حكم البعث. تحولت حرية الاحتفاء بالطبيعة الى واجب الاحتفاء بالسلطة، بالحزب، وبالقائد. تحول الاحتفاء بالإنسان الملتبس الغامض الى الاحتفاء بالفكرة اليقينية. ولأن الكتاب، والتساؤلات، والحيرات المراهقة لم تكن مألوفة في محلتنا، وأنها حلّت في كياني أول الصبا بصورة غامضة، لا قدرة لي على استعادة لحظات نشأتها ونموها، فإن الظن يذهب بي الى أن هذا التحول من الانسان الى الفكرة (التي بدت في أبسط أشكالها: وطنية، قومية، أممية، أو دينية، طائفية…) هو الذي قادني اليها، أو هو الذي ربط كياني بها هذا الربط المصيري المحكم. أذكر أن الكتاب كان يحتل مكاناً في صباي لا يبدو ذا صلة ظاهرة بالتساؤلات والحيرات. لأنني كنت أحرص على اقتناء كتب التراث وحدها، أقرأ واحتفي بعثراتي على أسطرها، وبعدم إدراكي لمراميها. كنت أحتفي بالصوت الموسيقي، الذي يصدر عن شفتي من بوحها ووحيها. وكانت محاكاتي لهذا الصوت المبهم في درس الإنشاء مصدر تندر من قبل طلبة الصف، في المدرسة، ومصدر معاتبة حانية من قبل مدرس العربية. إنها لم تكن تمنحني معنى، وتثبت لدي موقفاً، يلتحمان في الظاهر على الأقل مع التساؤلات والحيرات. ولكن هذا الكتاب (هذا الشيء الذي يمنح رائحة وملمساً وشكلاُ أعمق تأثيراً من معناه) كان يبعث بي تنهدات كتلك التي تصدر بفعل التساؤل والحيرة. أو بفعل الحب. كنا، أنا وأخوتي، مثل كل أبناء المحلة نعيش عملياًً خارج جدران البيت، ولكن داخل جدران المحلة. خارج دائرة العائلة، ولكن داخل دائرة عائلة المحلة الكبيرة. وكل ما في المحلة من نخيل وأشجار توت وسدر، وأسماك كان مباحاً لنا، وبصورة مشتركة. سرقة النارنج عبر أسوار البيوتات الكبيرة، وسرقة الباذنجان من مزروعات علوان الهندية، كان مباحاً بصورة أكثر لذاذة، لأنه أكثر سرية وأخطر مغامرةً. لم أكن عفريت أبناء جيلي. كنت على العكس موضع ثقة، وعلى شيء من السكينة. الكتاب الذي صرت أُقرن به كان أشبة بحاجز بيني وبين الآخرين: قد يُطل أحدهم علي عبره متعاطفاً، أو مرتاباُ، أو ساخراُ. يعتمد الأمر على موقف هذا الأحد من أمر الانشغال بالقراءة والمعرفة لدى الصبيان. لأن شاغل المعرفة لدي لم يرد إليهم معززاً بختم المدرسة الرسمي. وإلا لكنت مقبولاً دون شرط من الجميع. ولكن شاغل المعرفة جاء من الكتب الغريبة، التي كنت أجمع لها الفلس فوق الفلس لشرائها، من سوق السراي البعيد! *

 

هذا بالنسبة للكِتاب. وماذا عن عالم الرسم وكيف دخلته؟ *

 

مع دخول مملكة الكتاب السحرية كنت دخلت مملكة الرسم والنحت. الحجارة التي أنتخبها من سد ضفاف دجلة، وقد رُصفت صيانة لمنحدرات محلتنا من الفيضان، كانت أكثر من كافية لنحت وجوه وأشكال تمنحني مسرة استثنائية. أما الرسم فكنت أطرز به حواشي كتبي المدرسية بصورة ملفتة للنظر. ولم تكن الموسيقى غائبة عن مملكتي السحرية آنذاك. قراءات الشعشاعي وأبي العينين الشعيشع للقرآن لا تني تتداخل مع رابسودي “فرانس ليست” (ما كنت أعرف المؤلف آنذاك) الذي اعتدت سماعه مقدمة لتمثيلية الأسبوع في راديو بغداد. هذه الأعمدة الذهبية لمملكتي السحرية مازالت تحيطني حتى اليوم. الفضل في معمارها يعود الى “العباسية” و”لندن” وحدهما. وما أحاطني بينهما من سنوات بغداد والعراق والعالم العربي لم يكن غير وعيد وتهديد دائم بالتخريب والهدم.

 

*ولكن لابد من تأثير للعائلة عليك، أخص بالذكر أولا الأبوين، خاصة وأنهما لم يغيبا عن قصائدك؟

 

* في سنوات الابتدائية الأولى عادة ما أبدو في الصباح محشوراً بواجب لم أنجزه. تأخذ أمي من يدي القلم والدفتر. تحاول، بعد تأمل الحروف والكلمات والفقرات الواجب نقلها وتكرارها، إعادة رسم ما تراه، وتكراره. وأنا أجلس الى جانبها برضا القانع دون حرج. كانت لا تُحسن القراءة والكتابة. ولكنها تحسن الاستنساخ الحرفي، مدفوعة بضرورة أداء الواجب المدرسي بنفسها، حين تعجز في الليل عن استثارتي اليه، أو إجباري عليه. لم أر أمي منذ انتباهتي الأولى إلا بالچرغد والفوطة الأسودين. كنت السادس من أبنائها. الخامس الذي سبقني مات بحادث سيارة. ولعل أمي نذرت نفسها للون الأسود منذ ذلك اليوم، إذْ لم أرها خارج ردائها الأسود حتى وفاتها. كانت غاية في الرضا والقناعة ومرونة الطبع. هادئة تدب في البيت لغرض الرعاية وحدها. ظل ابتسامتها الدائمة يخفي أسى دفيناً، هو أسى المسؤولية التي تشعر أن كيانها يعجز عن الوفاء لها كفاية. أو أن قدراً لا يُطمأن اليه لا يترك للكيانات الجافلة غير الانقياد راضية قانعة. ملاك الطفولة أحطُّ على نخلة البيت ـ أبدو كأني أحطُّ على راحة ـ فتنوءُ العذوقُ. تُساقطُ من تمرها، فيعود صدى وقعه كالمطرْ، ويعلو الغبار، وتكشف عن دمها في التراب العروقُ. أطل على رأس أمي، أبي والهمومْ، ثلاثة أجنحة لملاكِ الطفولة، وأبكي طويلاً. ولكنّ رباً وراء الغيومْ يطلُّ علي، ويلقي محارتَه في يديّ. أبي، الذي لا يُحسن القراءة والكتابة هو الآخر، كان لا يقل حرصاً عن أمي على تواصل أبنائه الدراسي. ولكنه طالما عجز عن ذلك مع أبنائه الكبار. أراه بالچراوية والصاية واليمني الأحمر في صباح خروجه الى العمل، وعند عودته منه. وفي البيت يكتفي بالدشداشة والعرقچين. وبالرغم من أنه مات في أواخر الخمسينات من عمره، إلا أنه كان يبدو لي، بفعل اللباس وهالة الوقار، مسناً منذ طفولتي المبكرة. مهابته لم تكن نتاج قسوة في طبعه. لا أذكر أنه ضربني يوماً، أو ضرب أحداً من أخوتي وأخواتي، فهو يكتفي بالتوبيخ. بل هي نتاج مران مع الرجولة المبكرة، تُلقي على الكائن مسحة من الصمت والأسى الدفين. ولعل خير دليل على رغبته القصوى بالاتزان أن زواجه من امرأتين داخل جدران بيتنا الطيني الصغير لم يترك على الأبناء ظلاً، مهما خف ثقله، من تناحر وتنافس. أذكر أني، حتى بعد أن تجاوزت سن العاشرة، لم أجدني مضطراً للتساؤل عن أمي الحقيقية بين الزوجتين المؤطرتين بالسواد. فقد عشنا تحت رعاية الزوجة الأولى، التي لم تنجب لأبي إلا ولداً واحداً، الأمر الذي اضطره للزواج الإضافي الذي منحه ثمانية أبناء. أخي الذي يصغرني، بفعل تعلقه بها، غادر معها الى بيت إقامتها الجديد مع ابنها البكر يوم زواجه. هذه الاستعادة تعني أن علاقتي بهما لم تكن إلا علاقة بيدين حانيتين، وقلب مُشفق. كلاهما توفيا في وقت مبكر من عمرهما، وأنا في ذروة المراهقة وأول الشباب. المجموعة الشعرية الأولى “حيث تبدأ الأشياء” تكاد تشكل أصداء التكوين الأول. التي ترددت من حدث موت أمي. صورة أبي الغائب وجدتها عائدة بشيء من الإلحاح في قصائد السنوات المتأخرة، في المنفى.

 

* دراستك الجامعية. ماذا أضافت إليك كشاعر، وهل من الضروري أن يدرس الشاعر اللغة العربية وبحور الشعر بشكل علمي، في الوقت الذي أرى فيه أن الكثيرين لا يعرفون شيئاً عنها؟.

 

* لم تُضف الدراسة الجامعية الكثير. لقد كنت شاعراً، أنشر في المجلات والصحف المحلية، ثم العربية، قبل دخولي الجامعة. أذكر أني في معظم امتحانات البلاغة الثقيلة الدم، كنت أؤلف الشواهد الشعرية المطلوبة في ورقة الامتحان لساعتها. كان الأمر أهون لدي من أن استذكر شواهد من الشعر العربي. أردت بهذا أن الموهبة الشعرية هي بالأساس موهبة في الإحساس باللغة وموسيقى اللغة. ما من موهبة شعرية تكتشف هذه الحساسية فيما بعد. إنما تعمقها وتجذّرها وتطورها فقط. لعل هذه الحقيقة هي واحدة من أكبر مشاكلنا في تحديد الموهبة الشعرية، في حياتنا الأدبية المعاصرة. الكثير ممن يكتبون الشعر (أو يعنون بنقده!) هذه الأيام يتجنبون الخوض في هذا الموضوع، أو يتجاوزونه، وينكرونه عن عمد. لا لأنهم يفتقدون هذه الحساسية في أنفسهم فقط، بل يرغبون في خط مسار نظري للشعر جديد يغمط حق الموهبة الشعرية في احتلال موقعها الطبيعي. الموهبة الشعرية تشبه قدرة الحنجرة على الأداء اللحني المؤثر. كان الناقد الموسيقي النمساوي هانسلك، المنتصر لبرامز ضد فاغنر، على معرفة واستيعاب مذهلين للقوانين الموسيقية، ولكنه لا يحسن أداء لحن على لسانه. واليوم يجد كثير منا موقفه من فاغنر واهياً، وخاليا من الأصالة. المواهب الشعرية تتفاوت بالتأكيد، وهذا أمر جد طبيعي. ولكن شعراء اليوم ليسوا بالضرورة مواهب متفاوتة. بل هناك الشاعر بينهم، والدخيل على الشعر. وهي ظاهرة تكاد تكون جديدة تماماً.

 

* سؤال بسيط وعادي. متى بدأت كتابة الشعر؟

 

* لا أذكر. المرحلة المبكرة تكاد تكون غائمة بفعل اختلاط المسعى الأدبي، الشعري، بالمسعى الفني: نحت، رسم، موسيقى. كنت شديد الولع بالتراث، كما قلت. ثم صرت أطلع على القصيدة الحديثة، التي تترك بياضاً آسراً في الصفحة لم تكن تحققه القصيدة العمودية. البياض يلغي الشكل الهندسي الذي يُقبل على العين بهيئة بلوكات حادة. القصيدة الحديثة بتفاوت أبياتها تمنح البياض فرصة لمزيد من التداخل، التساوق، والتعارض الشكلي. حين صرت أقلد القصيدة الحديثة كنت أباشر اللعب مع البياض. لم أكن أفهم الحرية الشعرية الجديدة إلا عبر الحرية البصرية. ثم أني صرت أتعامل مع الكلمة وصوتها، ولأول مرة، باعتبارها ذات قيمة في ذاتها. مستقلة مثل كوكب. كان هذا يتم بصورة جدْ بدائية بالتأكيد. حين جاء السياب، وكان أول الوافدين على صباي الشعري، حقق صلة الوصل السحرية بين الكلمة الشعرية وأختها، وبينها وبين خبرة كياني الداخلية. أكثر من مجموعة شعرية كتبت، بالشكل العمودي والشكل الجديد، قبل أن أجمع قصائد “حيث تبدأ الأشياء” وأنشرها عام 1968. حيث تبدأ الأشياء وأتيتُ مسبلّ الكتفين. في يدي شعرٌ، جوعٌ في هُدبي، وعلى صدري مفازةٌ للفقراء. وفي قلبي غصن لعيونكم أنتم. فكل دمعة تُنبتُ زيتونةً، وكل حزمةٍ من كآبتي تفتح أبواب الإنسان وقلتُ لأجل عيونكم سأبدأ، ومثل بدءِ الطالعِ انتهيتُ. وحين تلمستُ راحتكم، فرحتُ، وحسرتُ رأسي، وقلتُ: ـ بركةُ اليدين يا فوزي… يا فوزي هنا بركةُ اليدين.

 

* يقال أن الموهبة في الجينات، فأنت الشاعر والرسام، ولأخيك صادق طعمة موهبة فائقة في الرسم. لذا يتبادر إلى ذهني في الفور هذا السؤال: من سبقكم في العائلة بذلك، خاصة وأن أغلب أمهاتنا من الأميات اللاتي طمرت مواهبهن الظروف الاجتماعية القاسية مثلا، لكنهن سعين من أجل أبنائهن ليكملوا الدرب؟

* لا شك أن هناك موهبة ما كامنة في الجينات. وأن فاعليتها منذ وقت جد مبكر تبدو مقطوعة عن تأثيرات المحيط تماماً. وبالرغم من أن الغرب المتحضر يحفل بمواهب تعجيزية، في حقل الموسيقى الكلاسيكية خاصة، وبالرغم من أن هذه المواهب عادة ما تطلع داخل عائلة ليست عارية تماماً من المناخ الموسيقي، إلا أن هذه الموهبة أو تلك تكاد تطلع وحدها، متميزة عن بقية الأبناء الذين ينتمون للتربة ذاتها، وللمناخ ذاته! ولدت ونشأت في بيت لم يألف الكتاب. ولم يألف مجلات الأطفال المزينة بالرسوم والألوان. هذا إذا ما استثنينا الكتاب المدرسي. نعم، أذكر في طفولتي أنني شاهدت أحد أخوتي الكبار وهو منشغل برسم بورتريت لعبد الناصر. ولكن حدث ذلك بعد أن كنت قد شغلت هوامش كتبي المدرسية وغير المدرسية بالرسوم. ثم كيف حلت الحجارة بين يدي جاهزة للنحت؟ ونحن نعرف أن النحت يلي الولع بالرسم بعد مسافة قصية. ثم كيف استحوذ الكتاب ومحاكاته على اهتمامي، وطوى الرسم والنحت بين دفتيه؟ ولم كتاب التراث، الذي يستعصي على فهمي، وحده؟ وما معنى اللذاذة في القراءة المصوّتة، التي تصحبني عادتها حتى اليوم؟ وما معنى الحساسية الملهمة بملمس الورق، ونسيجه، ورائحته؟ كانت كتب طه حسين وحدها التي تلت كتب التراث في القراءة المصوّتة. كتب طه حسين بطباعة دار المعارف، دار المعارف آنذاك، وحدها. حتى أنني، في إحدى سفراتي الى القاهرة، وقعت على كتاب “الفتنة الكبرى” في طبعته الأولى، فخاب ظني في ملمس الورق ورائحته. بقيت تلك النشوة الروحية عالقة دونه في ذاكرتي وحدها. لم يتغير الورق ملمساً ورائحة بالتأكيد. بل تغير الزمن الفاصل بيننا وحده. لو سألت أخي الفنان صادق طعمة السؤال ذاته، لوجد إجابته جاهزة، في أن موهبته وجدت مناخاً خصباً بالكتب والرسم والموسيقى، هيأه له أخوه الذي يكبره بسنوات

 

*هل تجد نفسك بأنك تنتمي إلى جيل الستينات أم السبعينات وهما حقبتان زمنيتان ازدهرت فيهما الثقافة في العراق؟. أرجو الحديث عنهما وعن روادهما في الأدب والفن.

 

* أنا ستيني بالتأكيد. على أنني من أصغر الستينيين عمراً. السبعينيون جاءوا في مرحلة مختلفة، جديدة، ومحددة. مرحلة حكم الحزب الواحد. ومرحلة المعارضة العقائدية الواحدة. أمر لم يكن لنا به عهد. نشأنا داخل مناخ تسويغ الحرية النسبية، المشوبة بالفوضى. هم نشأوا في مناخ تسويغ الرقابة، واعتقال العقل داخل العقيدة. تحدياتنا كانت لا تخلوا من عبث ضاحك. تحدياتهم لا عهد لها بالعبث، بل بالواجب الذي لا رغبة لهم فيه. الثقافة ازدهرت في مرحلتنا، ثم تواصل ازدهارها في سنوات مرحلتهم الأولى، إلي أن تمكن حزب السلطة الواحد من التحكم بمصير الأفكار والأفراد. حينها ذبلت المرحلة، وتحولت مع الأيام إلي رماد. في مرحلتنا ازدهرت أشكال التعبير الشعري، في شتى التوجهات، التي تعتمد الأصالة، أو النزعة الطليعية. وليس غريباً أن تجد كل الأشكال لدى شاعر واحد: قصيدة البحور الموروثة، قصيدة التفعيلة، القصيدة المدورة، القصيدة البصرية، قصيدة النثر…الخ. في مرحلتهم انسحبت القصيدة، بصورة ما، إلي شكل واحد، هو شكل قصيدة النثر مغلقة في الغالب. ولم يبدُ الأمر وليد إرادة طليقة، بل وليد نزعة هرب إلي شكل قادر أن يحيط الشاعر وإرادته، وحريته، وتطلعاته داخل عبوة مغلقة، ناسفة ولكن دون توقيت. المواقف النقدية النظرية تبعت الخطوات ذاتها. السبعينيون جيل أكثر تراجيدية من جيلنا بكثير. بشأن جيلي الستيني لا أملك في حوارنا هذا أن أضيف الكثير على ما قلت في كتابيَّ: “ثياب الإمبراطور” و “تهافت الستينيين”، وفي مقالات عديدة. ولأن كتاباتي فُهمت، من قبل البعض للأسف، على أنها خالصة السلبية، ولم تنفذ بهم إلي الجذور التي سعيت إلي إضاءتها، المتعلقة بطبيعة الموروث العربي، وطبيعة مرحلة التخلف المطبقة، لا بطبيعة المواهب الفردية وحدها، أقول: بسبب ذلك سأحاول هنا أن أوسع الإضاءة باتجاه ما أراه مزايا فريدة لجيلنا. لقد حدثت في هذه المرحلة اندفاعة باتجاه الارتياب بمشروعية التوجه الإديولوجي. ولكن المؤسف أن النتائج العملية لهذه التوجه لم تتحقق في أفراد جيلنا، بل في الجيل الذي تلانا. بالرغم من أن الجيل التالي لم يكن محظوظاً إذْ وقع في براثن مرحلة سلطة الحزب الواحد، مما جعلته، مضطراً، إلي التعامل مع إبداعه ومع الحياة بصورة مزدوجة. الجيل الستيني حقق صراعا مثمراً بين عناصره المتعارضة: باتجاه المواصلة التاريخية لتطور القصيدة، واتجاه التزام القفزات. وكل من الاتجاهين كثير التنوع، وعميقة. إن صوتاً فاعلاً في الشعر والنثر لفاضل العزاوي، باتجاه الإيمان بالفكرة وحرية طفر المراحل، كان واضح الحضور في استثارة التوجه النقيض. على أن شاعراً وقاصاً مثل سركون بولص لم يكن كذلك، ولا في الطرف النقيض، بل في الطرف الذي لا يمنح ثقلاً لقداسة الأفكار، ويمنح العالمي البعيد سيماء المحلي الكامن في الكيان الداخلي. في حين يبدو طرف ثالث مثل حسب الشيخ جعفر في منأى، وباتجاه الاحتراب الداخلي وحده. شعراء، قد يكون المنفى بهواً مُضاءً لأسماء عدد منهم: فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، سركون بولص، علي جعفر العلاق،عبد الكريم گاصد، فوزي كريم… على أن آخرين طمر أسماءهم البهو المعتم في سنوات الدكتاتورية داخل العراق. أرجو أن تعفيني من التوسع في استعادة المرحلة، التي تظم العديد من الأسماء اللامعة في حقول الشعر والقصة والنقد وبقية الفنون. وعن إيجاز تريني اقتصرت على الشعر، وعلى نماذج لا تخفى أهميتها.

*عندما كنت مراهقة لم تفارقني كتب شاعرنا الكبير بدر شاكر السياب، وبكيته عندما غادر ومازال يحز في نفسي غيابه، هل تعتقد هناك شاعر عراقي يستطيع أن يؤثر شعره بهذا الجيل بنفس مستوى تأثير السياب الذي مازال حاضراً حتى يومنا هذا؟

 

* أنا الآخر كنت في مرحلة الصبا والمراهقة أقرأ السياب، وبكيته يوم مات. وبالرغم من أن أحزان السياب عراقية تماماً، وقد يصعب على العربي أن يستجيب لها بالطريقة ذاتها التي يستجيب لها العراقي، إلا أنها تتطلب عنصراً شخصياً آخر للاستجابة. حساسية خاصة قد تصح عليها تسمية الحساسية المنطوية. تلك الطبيعة التي تجعل الفرد يشعر أنه فرد حقاً، وأنه في عزلة ووحدة، بالرغم من الإحاطة الحميمة للعائلة، الأصدقاء، وللناس، وان الإيمان بالأفكار الكبرى قد لا يمت بصلة للأفكار ذاتها، وأن هذه الأفكار الكبرى ذاتها نسبية وخلودها وهم. حساسية كهذه لها أن تشعر أن استجابتها للمطر، على خلاف كثيرين، استجابة تنهدات أسيانة وحزينة. المذهل لدى السياب إحساسه العميق بالذنب، وأنه أوهن وأضعف من أن يؤدي الدور الذي ألزمه القدر به. من هنا ترين أن ما من شاعر عراقي أو عربي، من جيل السياب أو الأجيال التي تلته، يضاهيه في تأثيره. لأنك ألفتِ الشعراء العرب عموماً على هيئة المتنبي، أبطالاً، أشداء، ونبوئيين! والإنسان يرهب هؤلاء بطبعه، ويأمن الشاعر الذي يضاهيه ضعفاً، وعجزاً. إن الدموع التي يستدرها السياب من عيون قارئه ليست دموع عطف على الشاعر، ولا على النفس. بل وليدة إحساس بالمشاركة أمام قدر شرير لا يُقاوم. لهذا السبب أفردت السياب في كتبي النقدية، مع قلة قليلة من الشعراء العرب قد يكون الشاعر الحديث صلاح عبد الصبور والشعراء القدامى المعري وأبي نؤاس من أبرزهم، في الضفة الصحية المتعافية الصغيرة من الشعر العربي، الذي تتزاحم على ضفته الواسعة الأخرى البطولاتُ والنبوءاتُ والتعاليات النفّاجة بملكية مفاتيح الأسرار. بالتأكيد لن يستطيع شاعر من ضفة السياب أن يبلغ التأثير ذاته على قراء الشعر. وهذه ميزة الريادة على كل حال، وميزة السياب الذي حقق توازناً بين متطلبات القارئ العام للشعر، الذي تتردد فيه أصداء الموروث الشعري العربي، وبين متطلبات القارئ الخاص للشعر الحقيقي، العارف بحجم التحديات. الشعراء القلة في ضفة السياب حققوا هذا التوازن ولكن ليس بدافع رضا القارئ. لقد حاولوا الذهاب أبعد مما ذهب السياب، بفعل دوافع إضافية، مثل اتساع أفق المرحلة، واتساع الثقافة الفردية. ولذلك لن يطمعوا بتأثير كتأثير السياب، ولنْ ينشغلوا بهم كهذا، على كل حال. • يجد قصيدته تبدأ من مجرد أصوات. من مجرد أصوات كلمات

 

(  )

 

 

 

فلاش

كتب أسعد الجبوري:تمرس الشاعر فوزي كريم على الكتابة المحروسة بثقل أفكار  مدرسة الستينات وجمالياتها المكنونة بالاتزان وعدم الشطط وراء الأساليب  الفنية الصارخة كالسوريالية أو سواها .فهو من تلامذة الواقع المرهون للعقل قبل روح الطير .يضع فوق مخيلته مظلة سميكة القماش،ولكنها تثقب نفسها في بعض الاحايين.

 

 

 

نماذج:

شِــراع

 

 

كلُّ شراعٍ لمْ يعدْ إليكِ يا مخافرَ الحدودْ،

لا باحثاً، سدىً، عن المعنى

ولكنْ هرباً من المعاني السودْ

فهوَ شراعي.

 

1979

 

 

حيّيتُ صباحاً بائعة الأنتيك

 

 

حيّيتُ صباحاً بائعةَ الأنتيك

والقطَّ النائمَ خلف زجاج البابِ المُغلقْ.

قدمايِ هما،

عينُ الخُطوات،

طلاقةُ من يتلمس جيباً مثقوباً،

وحنينٌ أخرقْ.

سميَّتُ حماقاتي الأولي، وصداقاتي الأولى،

وتمثّلتُ البيتْ:

آيةُ آمالي في ما أخفيتْ .

 

غنيّت على مدْرجِ سانت پول

وقلّدتُ العشاقَ ببلدان شتّى،

أبليتُ بلاءً حسناً في عُرف السواح،

ـ هل تشربُ مسْ جانيت الشاي معي في مقهى ياسين؟

لطّختُ قميصي بالأصباغِ وقلتُ لمنْ أعشقْ:

لنْ أشربَ كأسك ثانيةً ، ولجأتُ إلي المُلصق

مطعوناً مثلَ شهيد…

في المدن الكبرى أشعرُ أني أكثرُ يتماً،

ويتيمٌ حين أسمّي كلَّ حماقاتي الأولى،

وصداقاتي الأولى.

 

في أيرلس كورت رأيتُ نَديماً أعرفُه

مطعوناً بالشُبـُهات.

ـ من يتبعُ ظلِّي حتّى هذا الحدْ؟

ـ من يُطعمُ لَحْمَ أخيهِ مخالِبَ موطِنِهِ المرتدْ؟

ـ من يُطلقُ كلَّ يتامى الطيرِ من القفصِ الأسْودْ؟

من خوفي لم أبرأْ بعد!

لكني حين رأيتْ

في أيرلس كورت نَديماً أعرفُه

ولّي مُرتاباً من وجهي وأنا ولّيتْ.

مَن يتبعُ مَنْ؟

مَن يخشى مَنْ؟

 

حيّيتُ مساءً بائعةَ الأنتيك،

والمطرَ الناعمَ فوقَ زجاجِ البابِ المُغلقْ.

قدماي هما،

عينُ الخُطوات،

مرارةُ من يتعلمُ حكمتَه السوداءْ

في هذا الكهفِ ويعتزلُ الأيام،

مقذوفاً بينَ ثنيّات البردِ الأزرقْ.

 

لا أسألُ إلا عن وطنٍ يسألُ عنّي،

وأغنّي حيثُ أشاءْ،

المسكُ بأردان الشرقيّ

وملءُ ضفائره الحناءْ.

 

لندن 1979

2

امرأة من رخام

 

 

منذُ عشرين عامْ

وأنا أتأمّلُ ظلاً يُقاربُ بين الكلامِ وبين الحجارة،

حيثُ تبدو القصيدةُ في هيئةِ امرأةٍ من رخامْ

تتوسطُ حقلاً

وتكشفُ للشمس عن فتنةٍ

في الخطوطِ وفي الاستدارة.

 

كلما أورثتني الطبيعةُ حكمتَها

صرتُ أصغي لقلبِ الظلامْ:

في مخالبَ خاطفةٍ فوقَ صِدْغيَّ،

في الرائحة

تتفَشّى سريعاً مع اللمسةِ الجارحة.

ولذا أترقَّبُ في حقلِ أغنيتي

كيفَ يبدو الرخامْ

أولَ الليلِ ظلاً لمعنى،

ثم يبدأ دفءُ العظامْ

في مفاصله، واحتمالُ الكلامْ.

 

1989

 

 

 

في محترف القاتل

 

أخرج من أعنابِ كردستان ،

أهوي فوق سامراءَ بالكأسِ،

وفي بغداد أُغوي حانةً عند أبي نواس

أطويها مع المعطفِ حولي وأولّي صوبَ ماء النهرِ والأسماكْ.

رائحةُ السِّعدِ، سخامٌ في قناني العرقِ الفارغة

يقذفُها الموجُ، وأقمارٌ علي الأسلاكْ

وهي تحيطُ دجلةَ المعتزلْ.

جاريةٌ تخرجُ من مضاربِ البدو على رمالهِ

تكشفُ في مرآته عنْ عورةٍ زانيةٍ لتغتَسِلْ.

(أفي الظلامِ يُقبل المختلسُ الزاني!)*

أدورُ في محتَرَفِ القاتلِ

في القبو الذي يسكنُه العقربُ،

في رائحةِ اليود، ولا أكتمُ أنفاسي

وفي رأس قتيلٍ أتريّث.

أدورُ من رأسٍ لرأسٍ،

أتوارى مثل صوفٍّي وراء الأقنعة

في طرقٍ تصفرُ فيها همساتُ الخوفِ والشهوةِ

والرغبةِ بالموتِ معا.

يمسكُ بي حارسُ بوّاباتها الممْتنَعة،

يقودني لحضرة القاتل!