د. ضياء نافع

يحتوي تاريخ الفلسفة الروسية على مجموعة من أسماء بعض الأدباء الروس منذ القرن الثامن عشر, وعبر القرن التاسع عشر, ثم القرن العشرين والى حد الآن , ونحن في القرن الحادي والعشرين , ونحاول في مقالتنا هذه الإشارة – ليس إلا – الى أبرز اسماء هذه المجموعة والتوقف قليلاً عندها ( نؤكد على كلمة (أبرز) , إذ لا يمكن عرض كل الأسماء , فالقائمة طويلة جداً والاجتهادات الفلسفية متشعبة و متنوعة جدا ). ونحاول أيضاً الإشارة الى العناصر والخصائص الرئيسة في إبداعهم , و التي أدّت بمؤرخي الفلسفة الروسية وضع هؤلاء الأدباء ضمن تاريخ الفلسفة تلك ومسيرتها الطويلة , واعتبارهم أدباء وفلاسفة في آن.
الاسم الاول في هذه القائمة هو لامانوسوف ( نكتب اسمه حسب قواعد التلفّظ الروسية , ويأتي اسمه في بعض المصادر العربية لومونوسوف او لامونوسف), وهو عالم روسي موسوعي كبير , وقد قال عنه بوشكين – ( انه جامعتنا) , وأطلقوا اسمه فعلاً على جامعة موسكو عام 1940 , ولا زالت هذه الجامعة تسمّى جامعة لامانوسوف لحد الان ( انظر مقالتنا بعنوان – لومونوسوف واللغة الروسية وآدابها) . جاء اسم لامانوسوف ضمن قائمة الأدباء – الفلاسفة باعتباره أحد عمالقة التنويريين الروس الكبار , الذين ساهموا بارساء وتثبيت الفكر العلمي التنويري في مسيرة روسيا , وهو سبب وجيه ومنطقي جداً , إذ أن الحركة التنويرية في كل العالم هي جزء لا يتجزأ من الفلسفة فعلاً.
الاسم الثاني في هذه القائمة من القرن الثامن عشر أيضاً, و هو راديشيف , مؤلف الكتاب الشهير ( رحلة من بطرسبورغ الى موسكو ) زمن الامبراطورة يكاترينا الثانية ( انظر مقالتنا بعنوان – الامبراطورة يكاترينا الثانية والأدب الروسي , وكذلك مقالتنا بعنوان – راديشيف وكتابه رحلة من بطرسبورغ الى موسكو ) . راديشيف – تنويري أيضاً ( رغم إنه يختلف كليّاً عن لامانوسوف ), وقد عرض أفكاره الفلسفية العميقة بشكل غير مباشر في كتابه الخطير المذكور , و دفع الثمن غالياً من حريّته كما هو معروف . 
نشير, ثالثاً , الى عدة اسماء من أدباء القرن التاسع عشرسوية , وذلك لأنهم جميعاً يرتبطون باتجاه فلسفي واحد يسمى بالنزعة السلافية أو( السلوفيانية ) في مسيرة الفكر الروسي ( وهو الاتجاه الفكري المضاد للنزعة الغربية , ومن المعروف أن الصراع بين النزعتين استمربشكل حاد ومتطرّف طوال القرن التاسع عشر في مسيرة الفكر والأدب الروسي ولا يمكن التوقف عند هذه النقطة هنا طبعا ) , وهؤلاء هم كل من – خومياكوف واودويفسكي واكساكوف وتيوتشيف .
خومياكوف (1804 – 1860) هو شخصية متعددة المواهب في مسيرة الفكر الروسي , ويكاد أن يكون شبه مجهول بالنسبة للقارئ العربي مع الأسف , فهو شاعر وكاتب مسرحي وفنان تشكيلي ومؤرخ وفيلسوف, وساهم حتى بمسيرة البحوث في العلوم البحتة ( وخصوصا الرياضيات ) , ويمكن القول , إنه واضع اسس مصطلح ( السلوفيانية ) في تاريخ الفلسفة الروسية ضمن مقالاته وكتاباته العديدة . ولابد من الإشارة وفي هذه العجالة , إن إبداع خومياكوف حاز على إعجاب وتقدير بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتولستوي واسماء كبيرة أخرى في تاريخ الفكر والأدب الروسي .
الاسماء الثلاثة الأخرى في هذه المجموعة كبيرة ومهمة أيضاً في مسيرة الأدب الروسي , ولعل أبرزها هو تيوتشيف , الشاعرالأثير والمفضّل لتولستوي , و الذي قال عنه جملته الشهيرة , والتي نجدها في كل المصادر الروسية عن هذا الشاعر الكبير , وجملة تولستوي هذه هي – ( لا يمكن العيش بلا تيوتشيف ), بل ويقال إن تولستوي كان يردد بعض أبيات من شعر تيوتشيف حتى في أيامه الأخيرة. وقد تحولت بعض مقاطع من شعره الى أقوال خالدة ترددها روسيا كلها , ومن تلك الأقوال أبيات فلسفية عميقة من شعره يقول فيها – 
روسيا لا يمكن بالعقل فهمها 
ولا يمكن قياسها,
هناك خصوصية عندها –
يمكن فقط الإيمان بها.
الحديث عن فلسفة تيوتشيف طويل طويل , بل إني وجدت حتى مقالة رائعة وعميقة بالعربية , و لا يمكن عرض مضمونها هنا , ولكني أورد فقط عنوانها , الذي يمتلك بحد ذاته دلالة واضحة المعالم , والعنوان هذا هو – كلمات الفيلسوف تيوتشيف والزخارف الفلسفية في شعره .
ختاماً لهذا العرض الوجيز جداً والسريع جداً لموضوعة الأدباء – الفلاسفة في الأدب الروسي , نود أن نشير , الى أن هناك عدة اسماء كبيرة في هذا الأدب تمتاز بمزج الأدب والفلسفة بشكل واضح , ومنهم تولستوي ودستويفسكي , وإن القارئ العربي اصبح على اطلاع جيد بشأن ذلك ( انظر, مثلاً, مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفاً , ومقالتنا بعنوان – دستويفسكي فيلسوفاً / تأملات ) , ولكن القارئ العربي لم يطلع كما يجب على جوانب أخرى في هذا المجال , ومنها مثلاً , عن غوغول فيلسوفاً , أوعن فلسفة تورغينيف , ولا نريد الإشارة الى أدباء القرن العشرين مثل بلوك وبيللي وغيبيوس وسولوغوب وبريوسوف وبالمونت وبولغاكوف وغيرهم , إذ أن هذه الاسماء بحد ذاتها لازالت شبه مجهولة لهذ القارئ بشكل عام .
أتمنى أن تثير هذه المقالة الوجيزة انتباه واهتمام المتخصصين العرب , وان يتناولوا مضمونها العام ويتوسعوا بدراسته , إذ إننا نرى , إن موضوعة تداخل الأدب والفلسفة – مسألة مهمة لفهم الآداب ودورها الرائد في مسيرة حياتنا ومجتمعنا.