بلال فضل

مدوّن كاتب وسيناريست من مصر

أواصل اليوم نشر المزيد من تجارب الأديب الروسي العظيم أنطون تشيكوف مع الكتابة ونصائحه ووصاياه للكتاب، التي وردت في عدد من رسائله التي كان يتبادلها مع أخيه وبعض أصدقائه الكتاب، والتي قام المحرران والباحثان بييرو برونيللو ولينا لينشيك، بجمعها وترجمتها إلى الإنجليزية في كتاب جميل يحمل عنوان (أن تكتب كأنك تشيكوف ـ نصائح ملهمة من قلب أدب ورسائل الأديب الروسي العظيم أنطون تشيكوف)، والذي وقعت في غرامه منذ قرأته، وتحمست لأن يكون تجربتي الأولى في الترجمة، وهنا أنشر الحلقة الثالثة التي تحمل مقتطفات من الكتاب:

…..

لست بائع ماكياج ولست مسلياً أيضا
(رسالة إلى ماريا كيسيليوفا، موسكو، 14 يناير 1887)
ملاحظتك أن العالم أصبح بمثابة “سرب من الأوغاد والأشرار” صحيحة تماماً. طبيعة البشر منقوصة، لذلك سيكون من الغريب تماما إظهار العناصر الصحيحة فيها فقط. وتخيّلنا أن الأدب عليه أن يتحمل كلفة انتقاء الدُّرر من داخل كومات من الأوغاد، يعادل أن نلغي الأدب بكل ما في الكلمة من معنى.

إن الأدب معدود ضمن الفنون، لأنه يصور الحياة كما توجد عليه فعلا. غايته الأمانة والحقيقة غير المشروطة. سيكون محفوفاً بالمخاطر أن نقوم بتقييد وظيفة الأدب ليكون شيئاً مختصاً بالتنقيب عن الدرر، كأننا يمكن أن نطلب من ليفيتان أن يرسم شجرة بدون أن تتضمن لوحته لحاءها القذر ولا أوراقها المصفرة.

(ملاحظة: يشير تشيكوف إلى الرسام الروسي إسحاق إيليتش ليفيتان المشهور بإبداعه في رسم الطبيعة).

الكاتب برغم كل شيئ، ليس صانعاً للحلوى، ولا بائعاً للماكياج، ولا مهرجاً، بل هو إنسان ألزم نفسه وقيّدها بشرف إحساسه بالمسئولية، وبأن يتبع ما يمليه عليه ضميره، وبمجرد أن أصبح كذلك، لم يعد بإمكانه أن ينسحب، ومهما وجد نفسه مُروّعاً أو مفزوعاً، عليه أن يغالب حساسيته المفرطة، ويصبح مستعدا لأن يلوث خياله بقذارة الحياة…. إنه مثل أي صحفي عادي، ما الذي يمكن أن تقوله عن صحفي قرر بسبب حساسيته المفرطة ألا يكتب لقرائه إلا عن السياسيين الشرفاء، والسيدات ذوات العقول الذكية ورجال السكة الحديد الأقوياء؟.

بالنسبة للكيميائي لا يوجد شيئ في العالم نجس أو ملوث. لا بد أن يكون الكاتب موضوعيا مثل الكيميائي، لا بد أن يُحرر نفسه كل يوم من الشخصنة، عليه أن يعلم أن الروث يلعب أهم دور في الطبيعة، وأن مشاعر الشر هي بنفس القدر جزء من الحياة مثل الفضائل.

ستة شروط
(رسالة إلى أليسكندر تشيكوف، موسكو، 10 مايو 1886)
“مدينة المستقبل” موضوع شديد الأهمية، جديد وشيق. إذا لم تُصَب بالكسل، أعتقد أنك ستكتب قصة محترمة، لكن اللعنة، أعلم أنك تحب الكسل.

“مدينة المستقبل” ستصبح قطعة من الفن فقط إذا توفرت لها هذه الشروط:
1 ـ لم تسمح بظهور طفح سياسي اقتصادي اجتماعي أو التعبير عما تريد قوله بكلمات أكثر من اللازم.
2 ـ الموضوعية الكاملة.
3 ـ التعبير الصادق عن الشخصيات والموضوع.
4 ـ الحد الأقصى من الإيجاز.
5 ـ الشجاعة والأصالة وعدم اللجوء للكليشيهات.
6 ـ الإخلاص.

الحقائق والأعراف الفنية
(رسالة إلى جريجوري روسوليمو، يالطا، 11 أكتوبر 1899)
ليس عندي أدنى شك أن عملي الطبي كان له تأثير جاد على كتابتي، لقد وسّع بشكل شديد الأهمية مدى ملاحظتي، وأغناني بمعرفة ذات قيمة لي ككاتب لن يُقدّرها إلا رفيق يعمل بمهنة الطب. لقد خدمني أيضا بأن كان مرشداً لي ومعيناً في فني، إذ أن ما أشعر به من حميمية مع الطب ساعدني على أن أتفادى أخطاء عديدة. معرفتي بالعلوم الطبيعية والمنهج العلمي جعلتني أبقى دائماً على حذر. لقد حاولت دوماً أن أبقى متسقاً مع الحقائق العلمية كلما كان ذلك ممكناً، وعندما كنت لا أجد ذلك ممكناً كنت أفضل ألا أكتب على الإطلاق. دعني آخذ بعين الاعتبار، أن الفن لا يسمح دائما بالإتفاق الكامل مع الحقائق العلمية، فالموت بالسم لا يُمثّل على خشبة المسرح بالطريقة التي يحدث بها فعلا في الحياة الواقعية.

على أية حال، بعض الإنسجام مع الحقائق العلمية يجب أن يظل مدركاً حتى في إطار الأعراف الفنية. بكلمات أخرى، يجب أن يظل القارئ أو المراقب مدركا للطبيعة الفنية للعمل وما تستوجبه من أعراف، لكن عليه أن يدرك أن المؤلف على دراية كاملة بحقيقة الوضع الذي يقوم بالتعبير عنه.

على سبيل المثال
(رسالة إلى إلكيسي سوفورين، موسكو، 25 أكتوبر 1891)
لو كان عليّ أن أعالج الأمير أندريه ـ يقصد أحد أبطال رواية الحرب والسلام الشهيرة التي كتبها الأديب الروسي ليو تولستوي ـ كنت سأجعله يتماثل للشفاء. أجد من الغريب وأنا أقرأ أن الأمير، وهو الثري الذي يحظى بعناية متواصلة من طبيب وتقوم على تمريضه ناتاشا وسونيا، تنبعث من جرحه رائحة منتنة تشبه رائحة الجثة. كم كان الطب عملاً بشعاً في تلك الأيام. لا بد أن تولستوي وهو يكتب تلك الرواية الضخمة كان وجدانه بكل تأكيد مملوءاً بمشاعر الكراهية للطب.

لا تخترع آلاما لم تجربها بنفسك
(رسالة إلى أليكسندر تيشكوف، موسكو، 6 إبريل 1886)
وجدت في قصتك زوجين يناقشان على العشاء مقالات علمية متخصصة، في أي مكان في العالم وجدتهما؟… وأين بحق السماء يمكن لتلك المقالات العلمية أن توجد؟. من أجل خاطر ربنا، عليك ببعض من احترام الذات، وعندما يخرج عقلك للعشاء، لا تجعل فمك يدير عملك بدلاً عنه؟. لا تكتب أكثر من قصتين في الأسبوع، واعمل على اختصارهما وتنقيحهما، واعمل لعملك حساباً. لا تخترع آلاما لم تجربها بنفسك، ولا تصف مشاهد لم تشهدها بنفسك، فالكذب في القصة قد يكون مضجراً أكثر منه في محادثة عادية.

ضع في اعتبارك مع كل حركة أن قلمك وموهبتك ستكون أكثر نفعاً لك في المستقبل منها الآن، فلا تدنسهما. اكتب، لكن اجعل عينك منتبهة لكل سطر لكي لا تنزلق… ولاحظ أنك بمجرد أن أعفيت نفسك من عبء مواعيد التسليم، فإنك أصبحت قادراً على أن تكرس ليالي عديدة من أجل إنجاز قطعة واحدة صغيرة.

لا كذب في الفن
(رسالة غير مؤرخة، ربما كتبت في 1900)
لا يجب على الكاتب أن يكذب. من أعظم ما في الفن من مزايا: أنه لا يتسامح أبداً مع الكذب. يمكن للمرء أن يكذب في الحب، في السياسة، بل وفي الطب، يمكن أن يكذب على العامة أو حتى على الله، لكن في الفن لا مكان أبدا للكذب.

ولا تكذب على نفسك
(رسالة إلى أليكسي سورفين، ميليخوفو، 25 نوفمبر 1892)
تذكّر فقط أن الكُتّاب الذين نصفهم بأنهم خالدون أو ندمن قراءتهم لأنهم جيدون، يشتركون في ميزة مهمة جدا، هي أنهم يتحركون في عملهم نحو نقطة محددة، ثم يستدعوننا لكي نتبعهم، ويجعلوننا ندرك، ليس فقط بعقولنا بل بوجودنا كله، أنهم يمتلكون هدفاً محدداً، مثلما في حالة والد هاملت الذي يمتلك شبحه دافعاً للقدوم من أجل استثارة خيال هاملت.

طبقاً لمعيار هؤلاء الكتاب الذين ندمن قراءتهم، يمتلك البعض أهدافاً محددة يكتب عنها مثل العبودية، وتحرير الوطن، السياسة، الجمال، أو حتى الفودكا، كما في حالة دينيس دافيدوف. لدى البعض الآخر أشياء أكثر تجريداً ليكتب عنها: الله، الحياة بعد الموت، رفاهية الإنسان، إلخ. أفضل ما يجمعهم أنهم واقعيون ويصفون الحياة كما هي، لكن عندما يتغلغل في حياتك الوعي بالهدف الذي تكتب من أجله، فإنك لا تشعر بالحياة كما هي، بل أيضا تشعر بما يجب أن تكون عليه الحياة، وسيفتنك ذلك الشعور ويجعلك أسيراً له.

لكن ماذا عنّا نحن؟، نرسم الحياة كما هي عليه، نقطة. اضربنا، اجلدنا، لن تجعلنا نتزحزح أبدا عن هدفنا، فنحن لا نمتلك أهدافاً أخرى على المدى القصير أو البعيد. لن تجد شيئا آخر يسكن أرواحنا. ليس لنا في السياسة، لا نؤمن بالثورة، ولا بالله، ولا نخاف من الأشباح، وبالنسبة لي مثلاً، أنا لا أخاف من الموت أو العمى. إن من لا يريد شيئاً ولا يأمل في شيئ ولا يخاف شيئاً لا يمكن أن يصبح كاتباً. قد يكون ذلك مرضاً، ليس مهماً إذا دعوته كذلك. المهم أن تدرك أن هذا وضع حاسم وخطير. لا أستطيع أن أتنبأ بما سيحدث لنا خلال عشرة أعوام أو حتى عشرين عاماً. ربما يتغير فينا شيئ، لكن في هذه اللحظة سيكون من الطيش أن تتوقع أي شيئ مفيد أو صادق منا، مهما كانت الموهبة التي نمتلكها. نحن نكتب بشكل آلي، ساجدين للنظام الراسخ الذي ينتدب البعض لكي يخدم في الحياة البيروقراطية، والبعض في التجارة، ويُسكِّن آخرين في الأدب…. أنت وجريجوروفيتش تجدانني ذكياً، نعم أنا ذكي، على الأقل الذكاء الكافي لكي لا أخفي عن نفسي مرضها، ولا أكذب عليها، ولا أُغطّي خوائي بخِرَق الآخرين.

حَرِّر نفسك من العنف والكذب
(رسالة إلى أليكسي بليشكييف، موسكو، 4 أكتوبر 1888)
أنا لست ليبرالياً ولا محافظاً، لست وسطياً، ولا راهباً ولا حريصاً على الاختلاف. أريد أن أكون فناناً حراً ولا شيئ آخر، وأندم على أن الله لم يعطني القوة لكي أكون كذلك. أكره الكذب والعنف بكافة أشكالهما، وأُكِنُّ بُغضا شديدا للمسئولين الريفيين، للرياء، والغباء، ولأي حكم متعسف ليس فقط في بيوت السادة ومراكز البوليس. فأنا أجد ذلك في العلوم والأدب، وفي الجيل الجديد… لهذا السبب ليس لديّ ولعٌ برجال البوليس والجزارين والعلماء والكتاب ولا الجيل الجديد. قدس الأقداس بالنسبة لي هو الجسد البشري والصحة والذكاء والموهبة والإلهام والحب والحرية المطلقة والتحرر من العنف والكذب، ولا يهم أي شكل يتخذه هذا التحرر. سيكون ذلك البرنامج الذي ألزم نفسي به لو تمنيت أن أكون فناناً عظيماً.

الوصف وحده هو ما يُقيِّدني
(رسالة إلى ديمتري جريجوروفيتش، موسكو، 9 أكتوبر 1888)
لم أكتسب حتى الآن نظرة شاملة سياسية أو فلسفية أو دينية، أغير آرائي كل يوم، وبناء على ذلك أحدد لنفسي كيف أصف أبطالي وهم يحبون ويتزوجون ويتناسلون ويموتون ويتكلمون.

حاول ألا تتعب قارئك
(رسالة إلى أليكسندر زخيركيفتش، ميليخوفو، 2 ابريل 1895)
بابتذال تكتب واصفاً: “الرف في مواجهة الحائط وقد تألق بالكتب”، لماذا لم تقل ببساطة “رف الكتب”؟، تكتب أن مجلدات بوشكين منفصلة عن بعضها داخل رفوف المكتبة المتواضعة المليئة بالنسخ المهترئة، ما هو الهدف من ذلك؟، أنت فقط تُشتِّت القارئ وتُتعبه عندما تفرض عليه أن يتوقف لكي يعيد في خياله تشكيل مشهد الرفوف المكتظة بالكتب ونسخة هاملت المهترئة. هذه هي المشكلة رقم واحد. المشكلة الثانية أن كل هذه التوصيفات معقدة ومصطنعة ومبتذلة. في هذه الأيام وحدهن السيدات من سيكتبن كلاما مثل “وقد أُعلن الملصق”، أو “وجه يؤطِّره الشَّعر”.

شُمّ رائحة الكعك
(رسالة إلى مكسيم جوركي، يالطا، 15 فبراير 1900)
“26 رجلا وفتاة” قصة جميلة، وهي الأفضل بين القصص المنشورة في جريدة “لايف”، تلك الجريدة المحبة للفنون. في قصتك يمكن للقارئ أن يشعر بالمكان ويشُمّ رائحة الكعك.

شُمّ رائحة الصيف
(رسالة إلى أليكسي بليشييف، موسكو، 3 فبراير 1888)
أنهيت كتابة “السهوب” وأرسلتها لك في البريد. كنت متخيلاً أن ذلك سيكلفني بالكاد خمسة سنتات، والآن وفجأة سيتكلف ذلك دولاراً تقريبا. كنت قد بدأت بنية أن أكتب 30 أو 40 صفحة على الأكثر، وانتهى بي الأمر بكتابة ثمانين صفحة. أنا الآن متهالك ومرهق من إجهاد الكتابة الطويلة الذي لم أعتده من قبل، لقد كان المضي في الكتابة صعباً، والمشكلة أنني أشعر الآن أنني كتبت الكثير من الهراء.

من فضلك كن متسامحاً معي!. لم أهتم بمسألة وجود موضوع واقعي في “السهوب”، لذلك إذا صادفت القصة نجاحاً متوسطاً، سأستغله كأساس لكتابة “نوفيلّا” ـ رواية قصيرة ـ أطول قليلاً وسأقوم بتطويرها أكثر. لن تجد فيما ستقرأه شخصية بعينها تستحق اهتماماً عن قرب أو المزيد من التحسين. وأنا أكتب، كان لدي شعور أنني أستطيع أن أشم فعلاً رائحة الصيف والسهوب، كم كان جيدا أن أذهب إلى هناك وأنا أكتب. “سهوبي” بالفعل أقل من أن تكون قصة، بقدر ما هي موسوعة عن السهوب.

رائحة القش
(رسالة إلى ديميتري جريجوروفيتش، موسكو، 12 يناير 1888)
من أجل ظهوري الأول في صحيفة ” ذي ثيك جورنال”، اخترت أن أكتب عن “السهوب” التي لم يكن أحد حتى الآن قد وصفها. لقد وصفت المدى الواسع، الأفق الأرجواني، الرعاة… العواصف التي تهب ليلاً، الفنادق الصغيرة على جانبي الطريق، عربات القطارات، طيور السهوب، وهلم جرّاً. كل فصل له قصته الخاصة، وكل الفصول مرتبطة بشكل حميم ومشترك، كأنها خمسة أرقام في رباعية. أحاول أن أعطيها سمة مميزة مشتركة ونبرة مشتركة، كان يمكن أن أحقق ذلك لو كنت قد وضعت شخصية واحدة تسير عبر كل الفصول. أشعر أنني قد تمكنت إلى حد بعيد من العمل على عدد قليل من المواضيع، وهو ما جعل بعض الفقرات تفوح منها رائحة القش.

أن تشعر بيديك
(رسالة إلى مكسيم جوركي، يالطا، 3 ديسمبر 1898)
سألتني عن ما أعتقده في قصصك. ما أعتقده؟، أن لديك موهبة لا يرقى إليها الشك، والحقيقة أنها موهبة كبيرة وأصيلة، تظهر بقوة هائلة، على سبيل المثال قصتك “في السهوب” جعلتني أشعر بالغيرة لأنني لم أكتبها بدلا منك، أنت فنان وإنسان ذكي، ولديك إحساس غير عادي بالواقع، وأنت أيضا مطواع، أي أنك عندما تصف شيئاً، فأنت تراه فعلا وتشعر به بيديك. هذا هو الفن الحقيقي.

alaraby.co.uk/

…..