ما زالت الروائية الفيلسوفة ( أيريس مردوخ Iris Murdoch ) تحظى باهتمام كبير بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 . عرفت أيريس برواياتها التي تتناول جوانب الخير و الشر و العلاقات الجنسية و نظم الأخلاقيات و قوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية ،و قد اختيرت روايتها الأولى المعنونة ( تحت الشبكة Under the Net ) في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنكليزية في القرن العشرين، كما صنفتها مجلة التايمز في المرتبة ( 12 ) من قائمة تضم ( 50 ) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945 .نقرأ بعد هذه المقدمة الموجزة مقاطع تمثل معظم الحوار الذي أجرته مجلة ( باريس ريفيو Paris Review ) مع أيريس مردوخ قبل عقد تقريبا من وفاتها متأثرة بتداعيات مرض ألزهايمر و هو حوار سلس يحتكم إلى الانضباط و الدقة و الوضوح الصارم المقترن برهافة فلسفية تليق بفيلسوف متمرس في حرفته الفلسفية . من المناسب الإشارة إلى الفيلم الرائع ( IRIS ) الذي أنتجته الـ بي بي سي عام 2001 وأدت فيه الممثلة كيت وينسلت Kate Winslet دور أيريس الشابة فيما اشتغلت الممثلة القديرة جودي دينش Judie Dench ( التي تشبه أيريس شبها أسطوريا ) دور ايريس الروائية و الأستاذة الجامعية و المصابة بالزهايمر في نهاية المطاف ، أخرج الفيلم المخرج البريطاني (السير ريتشارد آير Sir Richard Eyre ) مستندا إلى ما كتبه زوج أيريس ( جون بايليJohn Bayley – ) في مذكراته .لطفية الدليميولدت أيريس مردوخ في دبلن في 15 تموز 1919 و نشأت في لندن ، تلقت تعليمها الأولي في مدرسة ( بادمنتون ) في مدينة برستول ثم درست الكلاسيكيات في كلية سومرفيل الأكسفوردية في الفترة 1938-1942 حصلت في خاتمتها على مرتبة الشرف الأولى و عملت أيريس بعد تخرجها في مواقع كثيرة و شغلت مناصب حكومية مرموقة حتى انتهى بها المطاف في نهاية أربعينات القرن المنصرم أستاذة للفلسفة في كلية القديسة آن في أكسفورد. نشرت أيريس كتابها الأول المعنون ( سارتر : العقلاني الرومانتيكي ) عام 1953 ثم ألحقته بروايتها الأولى ( تحت الشبكة) و توالت أعمالها الروائية ونذكر منها ( قلعة الرمال ) عام 1957 ، ( الناقوس The Bell ) عام 1958 وظهرت بالعربية باسم ( الأجراس)، ( الهزيمة المشرفة ) عام 1970 ، ( البحر البحر ) عام 1978 التي فازت بجائزة البوكر لذلك العام ، ( تلميذ الفيلسوف ) عام 1983 ، ( الكتاب و الأخوّة The Book and Brotherhood) عام 1985 ( رسالة إلى الكوكب ) عام 1989 . تزوجت أيريس جون بايلي عام 1956 الذي ارتقى إلى مرتبة رئيس احدى الكليات الأكسفوردية و عاشا معا لسنوات طويلة في قرية ( ستيبل اشتون ) في أكسفورد شاير وفي عام 1963 سميت أيريس زميلة شرف في كلية (سانت آن ) و ظلت لأربع سنوات لاحقة محاضرة غير متفرغة في الكلية الملكية للفنون في لندن . و في عام 1986 انتقلت أيريس لتستقر مع زوجها في أكسفورد. رغم أن أيريس عرفت كروائية و فيلسوفة في المقام الأول إلا أنها كتبت أيضا في النقد الأدبي ،و تعد مقالتها النقدية ( ضد الجفاف Against Dryness ) عام 1961 درسا نقديا أثيرا ، كما صدرت لها مجموعة شعرية ( سنة الطيور A Year of Birds ) عام 1978 ، و أعدت سيناريوهات لاثنين من الأفلام الثلاثة التي أخذت عن رواياتها، و لها أيضا ثلاثة كتب مرجعية ممتازة في الفلسفة : ( سيادة الحسِنThe Sovereignty of the Good ) عام 1970 ، ( النار و الشمس The Fire and the Sun ) عام 1977 ، ( حواران أفلاطونيان Two Platonic Dialogues ) عام 1986 .نالت أيريس الكثير من الجوائز و التكريمات في حياتها ، فإضافة لجائزة البوكر ، فازت بجائزة جيمس تيت التذكارية The James Tait Memorial Prize عن مجموعتها ( الأمير الأسود The Black Prince ) . و كانت أيضا عضوة في الجمعية الأمريكية للفنون و الآداب و الجمعية الأمريكية للفنون و العلوم .عاشت أيريس مع زوجها في منزل يقع في المنطقة الأكاديمية العائدة لجامعة أكسفورد حيث يمكن للمرء ان يشاهد أكواما من الكتب على الأرض و رفوفا من كتب أخرى تمتد من الأرضيات و حتى السقوف ، حتى أن الحمام لا يخلو من كتب تتناول اللغة و بخاصة كتب قواعد اللغة الهولندية و لغة الأسبرانتو. ( الأسبرانتو Asperanto : لغة وضع أسسها زاماهوف Zamahof الذي نشر كتابا عنها عام 1887 ، وتعني حرفيا لغة الأمل ، و كان مقدرا لها ان تكون لغة عالمية سهلة التعلم، محايدة سياسيا و عابرة للقوميات و داعمة لأسس السلام و التفهم العالميين ، المترجمة ) . الحوار المحاور : هل يمكنك أن تروي لنا شيئا عن عائلتك و نشأتك؟أيريس : التحق أبي بسلاح الفرسان وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى و إنه لمن المستغرب اليوم ان نتصور وجود سلاح للفرسان في تلك الحرب و لكن هذا هو بالضبط ما انقذ حياة والدي لان الخيول كما نعلم تنزوي عادة بعيدا عن خطوط القتال الامامية . التقى والداي خلال تلك الحرب حيث كانت كتيبة والدي تعسكر قريبا من دبلن و في أحد الآحاد التقى والدي بوالدتي التي اعتادت الذهاب الى الكنيسة ذاتها والترام ذاته الذي يستقله والدي. كانت والدتي عضوة في الجوقة الكنسية فهي تملك صوتا أوبراليا ساحرا من طبقة ( السوبرانو ) و كانت تطمح ان تكون مغنية اوبرالية و أجزم انه كان بوسعها ان تصبح مغنية اوبرالية عظيمة ، لكنها غادرت طموحاتها الكبيرة عندما تزوجت والدي و ظلت تغني طوال حياتها كمغنية هاوية ومن المؤسف حقا انها لم تدرك عظمة الصوت الذي كانت تملكه ، كانت والدتي امرأة جميلة مشرقة بمزاج مرح دوما و كان والداي في الحقيقة ثنائيا سعيدا أحب كل منهما الآخر باعتزاز بالغ و أحباني مثلما بادلتهما الحب ، لذا يمكنني القول بأننا كنا نشكل ثلاثيا موفقا على نحو كبير.* : متى عرفت أنك تحبين الكتابة ؟ أخبرينا شيئا عن بداياتك.- : كنت عضوة في الحزب الشيوعي لوقت قصير أيام دراستي عام 1939 ، لكن جموحي كان كبيرا مثلما فعل الكثير من الناس آنذاك بسبب الحرب الأهلية الإسبانية فقد كان لدينا إحساس شغوف بالعدالة الاجتماعية و بأن الاشتراكية قادرة بسرعة معقولة على إنتاج مجتمعات عادلة و خيّرة تخلو من مظاهر الفقر و البؤس الشديدين ، لكن سرعان ما فقدت أوهامي المتفائلة و غادرت الحزب الشيوعي . يمكنني القول على العموم إن من العدل والإنصاف التأكيد ان تجربتي تلك لم تكن لتخلو من فائدة لأنني عايشت الماركسية ( من داخلها ) وأدركت مدى قوة تنظيمها . لم تكن علاقتي مع الشيوعية تخلو من تداعيات ، فقد حصلت مرة على منحة لإكمال دراستي في الولايات المتحدة و كنت في غاية الشوق لاكتشاف العالم الجديد ولا أحسب ان أحدا لا يريد الخوض في هذه التجربة مثلي تماما في ذلك الزمن، غير ان منحتي أوقفت طبقا لقانون مككارن McCarren Act ، و قد حاول كل من برتراند رسل والقاضي فيلكس فرانكفورتر أن يعدلا في الأمر بعد ان ادركا كم كان الأمر سخيفا : أن تحرم من منحتك الدراسية بسبب خلفية سياسية .* ( مكملا سياق سؤاله السابق ) : أخبرينا قليلا عن طريقتك في السرد و كيف تفكرين أثناء كتابة رواية . – : أعتقد ان من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل ان تشرع في كتابة الجملة الأولى . أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل ان أشرع في الكتابة ، لدي مخطط عام و كومة ملاحظات ، حتى إنني أخطط ترتيب الفصول منذ البدء و كذلك الحوارات . هذه مرحلة أولية و في غاية الأهمية و مخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية لأنك بعدها ستكون ملتزما تماما بمخطط عملك الذي وضعته ، أعني بالضبط ان الرواية عمل طويل مجهد و إذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتما . المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي انك ينبغي ان تجلس بهدوء و تدع الأشياء تكتشف نفسها : منطقة في الخيال تقود لأخرى ، تفكر مثلا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك ، و بعدها ترى ان المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها و تترابط مع بعضها ، حتى ليمكن القول إن الأفكار تتطاير معا و تولد أفكار جديدة و الشخصيات تولد شخصيات . *: أنت كاتبة غزيرة الإنتاج و كتاباتك مميزة ، يبدو أنك ترغبين في العمل و الكتابة أغلب أوقاتك؟- : نعم أستمتع بالكتابة كثيرا ، لكن يحصل أحيانا أن تمر بك لحظات مخيفة تفقد فيها ثقتك بنفسك و عندها لا يكون متاحا لك التفكير في العمل ، لذا أستطيع القول ان كتابة الرواية ليست كلها بهجة . أنا حقا لا أرى في كتابة الرواية عملا صعبا ، خلق الرواية هو الجزء الأكثر إيلاما في العملية كلها ، و ربما تكون قد مررت بهذه التجربة غير الاعتيادية : عندما تشرع في كتابة رواية تكون في حالة حرية غير محدودة ، لكنها حرية منذرة أيضا بأن أي خيار تختاره سيلغي حتما الخيارات الأخرى و سيحدد طبيعة مزاجك العقلي و خياراتك اللاحقة . قد يستغرقني الأمر سنة في الإعداد لرواية ما ، و تكوين مخطط و شكل عام لها ثم أقوم بعمل ملخصات تفصيلية لكل فصل و لكل حوار في الرواية .* : ما الذي يلح عليك أولا : الشخصيات أم عقدة الرواية ؟ – : أعتقد ان الاثنين يبدآن في الاشتغال معا : فثمة دوما اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما و هناك مشكلة من نوع ما تنتابهم ، ثم هناك قصة و محن و صراعات و حراك من الوهم إلى الحقيقة . لا أظن ان لدي أية ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب . 

 يتبع

((المدى ))