كتابة وحوار : أسعد الجبوري

معروف الرصافي
1875 – 1945

في اللحظة التي أخرجناه من جوف تمثاله المنتصب في ساحة المأمون الكائنة في شارع الرشيد ببغداد ،سرعان ما لحق بنا الفنان العراقي البارع إسماعيل فتاح الترك مصممُ تمثال الشاعر العراقي معروف الرصافي ،ليخبرنا بعدم جواز استعمال الكحت لإزالة الصدأ عن وجه الشاعر،منعاً للتشويه. طلب منا النحاتُ ترك الصنم على حاله. 
لم نعلق .ابتسمنا للنحات ومضينا بالشاعر الرصافي مشياً إلى مقهى الزهاوي المؤسس 1917 والواقع ما بين ساحة الميدان وجامع الحيدرخانة .إلا إننا،وما أن قطعنا بضع خطوات،حتى أصاب التلكؤ قدمي معروف ،وتجمدهما على الطريق،رافضاً المضي إلى تلك مقهى غريمه الشعري شبه العسكري،وميمماً وجهه شطرَ نزلٍ قديم لبائعات الهوى،بعد أن شمّ لهنّ عطراً كان ينبعثُ من ذلك الزقاق الضيق من منطقة الميدان.
ومع ذلك فالمسيرُ مع الرصافي لم يندرج في سياق التنزهِ أو التجوال في بغداد،بعد أن قررَ قطع شارع الرشيد عرضياً والمضي بمحاذاة نهر دجلة.هناك استأجرنا زورقاً للاندماج بمجرى المياه،ربما لأنها كانت برأي الشاعر أفضل طريقة للترويح عن النفس بعد الخروج من التمثال.
آنذاك سحبَ الشاعرُ من جيب سترته البرونزية رزمة من الورق ،صبَّها صبوب السوائل في النهر دَفْعَةً واحدة ،ثم نظر إلينا وقال مبتسماً أنا حاضر للحوار. 
آنذاك قلنا له :
س:كيف كان العيشُ في التمثال يا سيد معروف ؟
ج/كنت متوقفاً عن الإيقاعات السريعة،لخللٍ أصابَ ساعتي البيولوجية ليس إلا.
س:وهل كان للموت لائحة ضخمة من الأكاذيب كما ترى؟
ج/الموت الأول ،نعم.فيما درجاته الأخرى ،فكلها تنقلات من مرتبة إلى أخرى،وصولاً إلى الذّروة.
س:وماذا تكون ذّرْوَة الموت بعِلمِ معروف الرصافي
ج/ أن تعود من السموات للأرض مرةً أخرى وتسكن تمثالاً .
س:وها أنتَ عدتَ للعراق من جديد. فماذا يمكن أن تتذكر عن كتاتيب بغداد الآن ؟
ج/لا أتذكر غير طعم التراب المتبل بالأرقِ والأسى.
س:وهل كان التراب درساً ليُعَلّم في المدارس أو ما كانت تُسمى بالكتاتيب ؟
ج/أجل . فكل لغةٍ هي رحم بيولوجي للإنسان.لذلك كنت أرى في تلك الأرحام مدارس لتعليم الأرواح دروساً خصوصية بالخمر وبالحب ومشتقاته من لوازم الزنا بشقيه الذكري والمؤنث،كي يبلغُ بالناس الشغفُ حتى يصير بلاداً يصحُ إليها الانتماء حسيّا . 
س:وبغداد المضطربة على مر الأعوام .هل كانت صالحةً لأن تكون أماً ؟
ج/هي كذلك .ولم يمر رحمُها ذات يوم بأعمال ((الكورتاج)) لتُسقط جنيناً من الأجنة التي تكاثرت في بطنها الواسع .أجنةُ الشعر الخبيث وأجنة الشياطين المموهين بالخمر،يوم كان السكرانُ ظلاً لألحان الأرواح الباكية .
س:أكانت بغدادُ تؤمنُ بالزنا كما يبدو من وراء قصدك؟!
ج/هي عاصمةٌ لم تخش شيئاً .لأنها المكان المختار للمصاعب والأرق والتوحش والغرام بمختلف صنوفه التي تجترح المعجزات وتمرضُ بسبب الآفات المحمولة من الخارج مع الرياح السموم. 
س:كأنك تريدُ وصفها بدريئة الزمان المليئة بثقوب] من فعلة الرصاصِ والنبالِ وأعينُ المَها !
ج/وذاك ما كان صحيحاً،وأشدّ صحة من صحيح البخاري . فمنذ أن شيدّ الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بغداد ،جعلها أربعة أبواب عن نفسه:باب موقد خراسان.وباب ياسمين الشام.وباب سيّاف الكوفة.ثم باب قرامطة البصرة.
س:يا لها من بقعة أرضٍ ما تزالُ تملأ الأعين دمعاً وحبراً ،لتفيضَ تعذيباً بالتاريخ.ولكن، أيصحُ أن يُقال عن عاصمة الرشيد هكذا يا معروف ؟
ج/ كل ما قيل في توصيف بغداد،سيبقى ناقصاً.فهي أمُ المعاجم ، ولا تكتملُ شهواتها بسدّ الرمق ،وذلك لأنها جسدٌ يتكاثرُ في الشهوة وحتى فناء الاشتهاء. وبتقديري فقد لا يجود التاريخُ بمثلها جسداً وروحاً وكتاباً في مرآة الوجود.
س:هل اكتشفتَ صفات بغداد وخلاياها السرية من خلال دراستك في المدارس الدينية على يد علماء بغداد ،أمثال عبد الوهاب النائب، والشيخ قاسم القيسي، والشيخ قاسم البياتي، والشيخ عباس حلمي القصاب ؟
ج/أجل .ومع اكتشافي ،استنهض الشياطينُ الأفاعي تحت سقف رأسي،لأهيج بأفكارٍ الخروج عن الملل بقتل العلل .وكانت كثرةُ الضغط الديني وتنوعاته مذاهبه،هي من قادتني إلى ما لا تحمد عقباه في مسالك عادات الأقوام وأنماط عاداتهم بالأعراف التي ينتمون إليها تاريخياً .
س: وما تلك الأعراف التي كنت خائفاً من الوصول إليها ؟ 
/ الإلحاد.
س: / الإلحاد البطيء أم المستعجل ؟
ج/ الإلحاد المتباطئ الذي أخذ وقتاً،ليصبح منجزاً بعد اكتشاف ما لم يقرأ المسلمون صحائفه الدينية في قائمة المجهول والمبني للمجهول في سجلات الإسلام المتضاربة بالطول وبالعرض وبالارتفاع أيضاً.
س:ربما كانت محاولة منك لشق الطريق بالتشهير إلى الشهرة،كي تبني من ورائها شخصية محورية تلفت الأنظار، بعدما خفت نصابك الشعري وتعثر.ألا تعتقد بذلك يا سيد معروف ؟
ج/كلا. لم يكن الأمر متعلقاً بالشهرة ،بقدر ما كنتُ ضبعاً جائعاً للحقيقة،وهضمها بالإكسير الفلسفي الذي كنتُ اخلطهُ بدمي ،وأصنع منه مداداً لأكتبَ،ما لم يجرؤ أحدٌ على قوله من قبل سوى بعض الأسلاف الراحلين .
س:وهل الفلسفةُ برأيك لا تقود إلا إلى باب الكفر مثلاً ؟
ج/أبداً.الفلاسفةُ ْفي غالبيتهم العظمى بناة عقول،لكن الفلسفة لا تخلو من الإسفاف والكثير من الهرطقة والملوثات الجانبية لأمراض اللاوعي.
س:لمَ حَشَرَ شاعرٌ مثل الرصافي نفسه في الصندوق الأسود للدين ؟
ج/لأنني أردتُ معرفة قوة المحركات قبل التحليق في الفضاء.
س:وهل من الضروري الطيران فوق التراب؟
ج/أجل. فذلك أفضل من أن يدفنَ الشاعرُ نفسه بطين الشعر،ويجعل من كل قصيدة قبراً بانتظاره،كي ينتهي الشاعرُ عصفاً مأكولاً بلا منفعة ،أو دون أن يترك بصمته على أوراق الوجود الإنساني.
س:بإنكار النبوة كما فعلتَ أنتَ ذلك على سبيل المثال ؟!
ج/لم أنكر ما كان منكراً وضعيف الإيمان ووضعي من صنع البشر.أنا ذهبتُ في ذلك الاتجاه مُحصناً عقلي بالمحاكمات ليس إلا .
س:ولكن اختياركَ لأسنان الضبع في أمور الدين وبخاصة العداء للشيعة ،كان عندك أشدّ هولاً من استعمالات منقار الدجاجة بخصوص مواجهة الاستعمار البريطاني والتخلف الاجتماعي وتحرير المرأة ومناوئة المظالم التي كانت تحيق بالعراقيين .
ج/ربما تكون في ذلك محقاً. فقد كنت مولعاً بطحن الشيعة في مجرشة العقل الكبرى،عسى أن يتم فصل نخالة العراقيين عن القمح الفارسي وأستريح بالطحين العروبي ولو للحظة من الزمن.
س:وما النفع أو المنفعة من تلك اللحظة.أتكون كحاجة المدمن لجرعة هيروين مثلاً؟!
ج/كان الشيعةُ ،مثلما هم الآن ، يجترحون أسباب بقائهم حتى من خلال اللطم وشق الرؤوس بالسيوف.هم أول من امتزجت معارفهم بالدم،عندما طَبعتْ السيوفُ كتابهم الثاني (نهج البلاغة)) معمداً بحبر العارف علي .فيما نحن السنة وأهل الجماعة،ما نزال محتفظين بعظام الأسلاف،ومعيدين إنتاج رمادهم في معامل الملل والفرق الـ (73) كما قال ذلك أبو الفرج الجوزي في كتاب (تلبيس إبليس) وهي أن أصول الفرق ستة هي:الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية،حيث انشق عن كل فرقة 12 ليصبحوا 72 فرقة ،كلها في النار عدا فرقة واحدة ما تزال السيوف تتناهب رقاب المسلمين لمعرفة من هي تلك الناجية من جهنم !!
س:ولكن تقييمك لصورة الإمام علي كانت بمرتبة الافتخار والتعظيم ،فلمَ التناقض هنا ؟
ج/سأخبرك بالحقيقة كاملةً.فأنا ،وما أن أقرأ علياً في نهج البلاغة، حتى أندمج به مُتشيعاً حتى الذوبان.إلا أنني ،وما أن أغلق كتاباً من كتبه،حتى أعودُ لسنيتي محاولاً تجميع ما تفتت مني وتكسر .ومُشجعاً نفسي الانضمام إلى طابور القطيع الواقف على باب مرجعيته التي لا تتوقف عن التشكيك بتبعية الشيعة غير العربية.
س:ولم ذاك الحرص على الهوية القومية للعراقيين كعرب،وأنت من غير ذلك المزيح تماماً .أمكَ تركمانية ووالدك كردي؟!! 
ج/قد يعفيني نسبي المركّب من تجاوز تلك العقدة العضوية بيولوجياً،فأكتفي بسنيتي التي تجعلني عراقياً فوق العرب والعروبة.
س:ولكن ،ألا تعتقد بأن ما كتبهُ الشاعرُ محمد مهدي الجواهري بحقكَ من مديح،يُعتبر بمثابة صك غفران يمسحُ عنك أفعال الأذى الطائفي . 
ج/لا أظنن ذلك كان حاسماً عند الشيعة ، أومقبولاً عند أغلب تكتلاتهم المرتهنة لمرجعية قم .فمديح الجواهري لي ،قد جاء بهدف خبيث، لأنه كان يدفع عن نفسه شبهة الهوية الفارسية التي تلاحقه كما يعرفُ العراقيون وبعض العرب. 
س:كيف تداخل الملاكُ بالشيطان في رأس معروف الرصافي ؟
ج/ لم يترك الأمام علي برأسي خليةً،دون أن يدمرها بمعارفه،ومن ثم ليعيد تكوينها وفقاً لقوته في البلاغة لا في سياسة الدين أو بتسييس الباطل الدنيوي في أمور الدولة.
س:كأنكَ ما زلت ماكراً حتى الآن ،ولا ترغب بالخروج من صناديق الضلالة والتضليل ؟!
ج/أجل.ولو قيل لي خذ هذا القطار،فهو الذاهب الأخير للجنة،وعَلمتُ أن سائقه شيعي،لكنت قد عزفت عن الركوب فيه،وذهب إلى جهنم مشياً، وقلبي يهتزّ من التقهقه والقهقهات. 
س:الغزلُ بالشعر ،ألا يخفف من وطأة الانهماك بالدين وملحقاته المذهبية الشرعية التي تثير الريبة في النفوس؟
ج/لا يستطيع الغزلُ أو الشعر العاطفي عموماً التوغل في ثياب اللاهوت،لأنه عادة ما يصطدمُ بالجدران ويعودُ إلى تلك الكهوف خائباً. هذا إذا لم يهلك على أول أعتاب هذا الدين أو ذاك ويموت.
س:ما وراء مؤلفات كتلك التي عملت على كتابتها : «الشخصية المحمدية أو اللغز المقدس»، و«الرسالة العراقية» .هل كانت خرقاً للعقلية المُستَبدة كما تعتقدُ ؟
ج/لم تكن كتاباتي تلك، تأليف كاتب فانتازي،بقدر ما كانت عمليات جراحية لبعض جسوم الإسلام الذي غمر رموزهُ الناسَ بفيضانات من جاهلياتهم على أرض العراق وسواها من بقاع العرب الأخرى .أردتُ التفتيش في ذلك الجسد وتدمير الخلايا السرطانية التي كانت تسيطر على حركة الدم ومحركات العقل.
س:هل يمكن التفريق ما بين عدم الإيمان وبين الإلحاد ؟
ج/بالتأكيد.المؤمن القلبي ،عادة ما يكون ملحداً بريئاً دون وعي منه.بينما عدم الإيمان ،فهو من اختصاص الفلاسفة الذين يقيمون المحاكمات العقلية لمجمل ما يُسمى بالمُنزلات السماوية التي تعتمد على البوح عبر قنوات الوحي أو ما يشابهها من تخيلات في الجنون وفي السحر وفي الإلهام التخاطري مع رموز من العوالم الأسطورية.
س:أنتَ نبشت قبور الصحابة وبعض المبشرين بالجنة،فاستنكرت عليهم وجودهم غير الطبيعي في تلك الفراديس.فبأية دوافعٍ وصل الرصافي إليها،ليفعل ذلك ؟ 
ج/ لقد وجدت من وراء البحث والسبر،أن أغلب أولئك المبشرين المطبوعة أسمائهم في قائمة الصالحين القريبين من النبي،إنما كانوا يشكلون عبئاً على التاريخ الإسلامي،كونهم صحابة طعام ومكان وغزو، لا صحابة علم ومعرفة ودين يليقون برسول الله.
س:أنت تشككُ لتفضح ، أم كي تصل إلى منابع الحق ؟
ج/ كنت بصدد إزالة أطنان الغبار عن العقل العربي.هذا أولاً.وثانياً لأنني لا أريد تكرار خسارتي بعد أفول نجمي في الشعر إلى حدّ ما .
س:ولم تعتقدُ بأن الشعرَ أصابك بخيبة ؟
ج/ بفعل أمراض السياسة وقلة خبرة مستعملي الفراهيدي بالحساسيات التي تنجمُ عن خيال اللغة ليس غير.
س: تعني أن استغراقك بالسياسة داخل القصيدة،هو ما جعل الشعر أشبه بالرمال المتحركة تحت قدميك ؟
ج/بالضبط. ولا أظن إن رأسي لم يكن هو الآخر ضحية للريح الهوجاء التي تحمل في هبوبها المصائب والآلام والشموس المغطاة بتلك الغيوم المُدلهمة كأعين القطط السوداء.
س:بسبب نصفك العثماني أم نصفك العراقي ؟
ج/لم يكن جسدي إلا بجزءٍ واحدٍ جزعَ من التملق والتزوير والاحتيال على الحقائق ،حيث جرى ذلك منذ ولادة الإسلام وما يزال التلفيق على عباد الله مستمراً .
س:ومن أوكلّ الرصافي الشاعر الشاذ المتشرد على أسطر الوجود، ليكون مصلحاً للعباد وناقداً للدين وفاضحاً لنصوصه في الحديث وسواه من السيرة المحمدية؟
ج/ كل ما لَحِقَ بذهن الشعر من طمر وتسفيه، وكلّ ما سيلحقُ بمتخيلات الشعراء العرب،ما كان إلا دفناً لقدرات اللغة كاشفة الغطاء عن المحرمات ،وعن كل ما يخضع للرقابة والمنع والتابو. 
س:هل كنت مع اللغة العارية ؟
ج/أنا مع كل ما هو غير مغطى بحجاب أو بسقف في اليهودية والمسيحية والإسلام .ولو تم فحص الحمض النووي لهذه الديانات،لوجدنا أغلب جذورها عند العم زرادشت .ومن يقرأ كتاب الزرادشتيين المقدس (( الابتساق)) يدرك معنى كلامي بدقة.
س: هذا يعني أن جذرك الديني ،وفقاً للزرادشتية، أن يكون معروف الرصافي سنياً مجوسياً، فيما لو أعدنا الإسلام للزرادشتية على سبيل المثال؟
ج/ أعلم ذلك بحق. ولو عدنا إلى المعجم،لادركنا ان معنى كلمة ((مجوسي)) لا تعني شعباً ((ولا هم إثنية فارسية تعبد النار كما يتصوّر بعض الجهال اليوم. وكلمة «مجوس» أطلقها العرب في جاهليتهم على جيرانهم من أتباع الديانة الزرادشتية في بلاد فارس. وهي كلمة مشتقة من لفظة «مگوس» بالفارسبة التي تعني الحكماء الذين یفسرون الأحلام والمنامات والرؤى)) .
س:هل من أجل ذلك تم دفن كتابك وقتله وهو في المهد ؟
ج/يا ليتهم قتلوني مع كتابي واستراحوا .
س: فيما لو طلب منك كتابة رسالة إلى الله، ما الذي سترسله بعد الآن ؟
ج/ما أريد كتابته إليه ،هو إنكَ يا ربّي لم توظف لكَ وكيلاً محدداً على تلك الأرض،ليقيمَ من أجلك محاكم التفتيش.فأنتَ الله العارف الأعظم موزعُ المعارفَ على العقول لتعرفَ المجاهل ،لا لتطمرها تحت الغبار على الرفوف، قتلاً للعارف وسبيّاً بالمعرفة وتجاهلاً للتعرف على كل لمبّة تحاول شطب شئ من جثمان الظلام .
س:ما نسبة الحبّ في جسد الرصافي ؟
ج/الحب لغم،انفجر بي ،وخلّفني حطاماً يملأ ((قاطاً)) من قماش الجوخ الإنكليزي فقط .
س:ربما لأنكَ لم ترتبط بخليلةٍ أو تتزوج بامرأةٍ من خلق الله ؟
ج/لم ينمو حبي للنساء أو يكتمل أبداً .
س:هل كان ذلك بسبب مرضي بيولوجي أم كان انحرافاً في السلوك والمسالك ،فهجرتَ المسلكَ الزوجي لتبقى عازباً حتى الموت؟
ج/ لا أعرف بالضبط . إلا أنني أدركت أن أرحام النسوة شبيهة بالفنادق،منها ما هو بخمس نجوم.ومنها ما هو بنجمة واحدة،سرعان ما هربتْ من القفص الحديدي بعيداً.
س:وهكذا هربتَ أنتَ يا معروف إلى الغلمان ومنازل العاهرات في بغداد؟!
ج/ذهبت إلى حيث فتحت البغايا فروجهنّ إلى وحول الرجال العابرين. 
س:أجل.فالتاريخ يحفل بذكرياتك .فقد كنت نجماً لامعاً في حفلات بيوت العاهرات في منطقة الميدان في بغداد قرب محلة ((كوك نزر)) التي شهد مقتل الشاب الحلبي ( نعيم) على يد اليهودي سليم في مقهى سبع الخاص بالمثليين.اليس كذلك يا معروف؟
ج/نعم.كان موت الشاب الحلو نعيم فاجعة لنا.وقد أدركنا آنذاك هوّل مقتل غلام جميل مثله .لقد أحرق موت نعيم صفحات من أرواحنا حزناً والتهابا.
س: ولكنك رثيته بقصيدة كان مطلعها :

قضى والليلُ معتكرٌ بهيمُ
ولا أهلٌ لديهِ ولا حميمُ
قضى من غيرِ باكيةٍ وباكٍ
ومن يبكي إذا قُتلَ اليتيمُ
قضى غض الشبيبة وهو عفٌ
مطهرةٌ مآزره كريمُ
ج/ أجل.وقتها كنت أمسك كأسي بيد ،وباليد الأخرى قلم يحفرُ الورقَ ، على غرار ما يفعلهُ المحراثُ بالأرض ،عندما يشق الأخاديد للبذور لتزرع،أو حينما يحفرُ للمتوفى قبراً .
س:أهو القلمُ ذاته الذي خط قصيدتك ضد برلمان الإنكليز في بغداد ،بعد أن كنت عضواً في البرلمان العثماني:
«ليت شعري أبلاط أم مَلاط .. أم مليك بالمخانيث يُحاطُ
غضب الله على ساكنه.. فتداعى ساقطاً ذاك البلاط ُ »
ج/أجل. فقد كتبُ ذلك بحق فيصل الأول، يوم توُّجَ ملكاً على العراق.لأنه كان حاجباً على باب التاج البريطاني .
س:لماذا كنت شاعر الاباحيات في الليل، وأستاذ الحكمة في النهار.أليس ذلك ما عُرفَ عنك يا معروف ؟
ج/أجل. فما كنتُ أملكهُ في الليل من سحرٍ ومن مغذيات جمالية للخيال ، يتعذرُ الحصول عليه في النهار.
س:هل لأن شموس الليالي وغلمانها ،أقوى مما كان يشرق عليك من شموس في النهار ؟
س:الغلمان المخلدون في منازل الشهوات البغدادية ،كانوا كما الكحل الساخن على العين.يشعلون النظرَ ويحرقون المنظرَ ويعودون بالأجساد إلى مساقط الذوبان،لينهض واحدهم بعد ذلك كما العنقاء من الرماد إلى الحياة.
س:لم تخبرنا شيئاً عن الشاعر جميل صديقي الزهاوي ، قيلَ إنه بات يَودُ التصالح معك،وينتظرك على باب جهنم الآن .ما مدى صحة ذلك؟
ج/ الزهاوي شخص غريب. فمثلما كان على تلك الأرض القديمة،يحبُ أم كلثوم وجهنم وتشتتي وشتاتي الذي لطالما كنت أتمتع به بالعرض وبالطول وبالارتفاع شعراً وخمراً وجنساً .أجدهُ سيداً باكياً على كلّ جرح وقبر في العراق .
س:ألا تعتقد بأن ريحاً ستأخذك بعد هذا الحوار من هذا الزورق إلى السموات ؟
ج/إن شاء الله ، فأنا تواقٌ وأشتهي الوصول إلى شجرةِ المنتهى،لطرحِ بعض الأسئلة عن الحبّ والنار والسحر والورق والراديو والأمعاء والمطابع والأغلفة والثياب وشيفرات تلك الأجساد التي خطفتها الشياطينُ من غرف النوم الزوجية إلى غُواة خزائن الشهوات الأخرى .