سلاحهم كلمات وأبيات، لكنها رصاص ونار، أبيات متراصة، تدك حصون المستعمر التركي، هكذا سخر الشعراء العرب ملكاتهم الأدبية لفضح جرائم الاحتلال العثماني، الذي دمر معالم الحضارة العربية الإسلامية، طوال 4 قرون، باتت خلالها الولايات العربية بؤرا من الجهل والظلام. الشعراء والأدباء العرب، حملوا مشعل الثورة العربية في وجه الاستعمار التركي الغاشم، وحشدوا أبناء الشعوب العربية صفاً واحداً، خلف زعماء الحركة القومية، وأثمرت جهودهم حين خرج العرب ثائرين كالأسود خلف الشريف الحسين بن علي، في الثورة العربية الكبرى عام 1916، في نجاح الثورة. لبنان، أنجبت جيلاً من الأدباء القوميين خلال القرن التاسع عشر، ومن أبرزهم جبران خليل جبران، الذي ولد في 6 يناير 1883، لأسرة صغيرة فقيرة في بلدة “بشري” شمال لبنان، ونظراً لفقر أسرته، فلم يلتحق بالمدارس الرسمية، بل تلقى تعليمه الأولي على يد كاهن القرية، وأبدى شغفاً كبيراً في تعلم الأدب والبلاغة والشعر.

 عائلة خليل، عانت ويلات الاضطهاد والتشرد والتهجير، على يد السلطان عبد الحميد الثاني، وكان والده خليل جبران يشرف على تحصيل الضرائب السلطانية من قريته، إلا أن الوالي “واصا باشا”، أمره بتحصيل ضريبة باهظة على الماشية وحيوانات الحقل، وهو ما رفضه خليل جبران، لما تشهده البلاد من فقر، بسبب كثرة الضرائب والإتاوات. الوالي الفاسد، أمر باعتقال خليل جبران مطلع 1893، بل وصادر كل أمواله، وهجم الجنود الأتراك على منزله، ونهبوا كل محتوياته، ثم طردوا أفراد العائلة من بيتهم، وتشردت الأسرة، بسبب نزاهة وشرف خليل جبران. جبران خليل جبران، عاش حياة بائسة، بسبب جرائم الولاة الأتراك، وبات على الطفل صاحب العشرة أعوام أن يتحمل مرارة الطرد والتهجير القسري، ولم تتوقف آلة الاضطهاد والقمع العثمانية، وتوالت عمليات المطاردة، حتى قررت والدة جبران الفرار بعائلتها إلى خارج السلطنة عام 1895. أسرة جبران، توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستقروا بولاية بوسطن، ومنذ اليوم الأول انطلق الشاعر الصغير ينهم من بحور العلم والحضارة الأوروبية، ومن هناك، تبحر في علوم اللغة العربية، والتي اهتم بها الغرب، في حين ضيعتها الدولة العثمانية بجهلها. جبران خليل، اشتاق إلى وطنه، وألح على والدته بالعودة إلى لبنان، فعادوا إلى بلدتهم بشري، لكن الأمر لم يتبدل، فقد زادت حوادث الاعتداء والقمع على اللبنانيين، ولم يطق جبران تحمل الغبن التركي أكثر من أربعة أعوام.هاجرت الأسرة إلى فرنسا، وعاشت 3 أعوام في أضواء باريس، حيث تعمق جبران في دراسة فن التصوير والنحت، ثم انتقلت العائلة إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، واستقروا هذه المرة بنيويورك. جبران خليل جبران، تُوفيّ بنيويورك في 10 أبريل 1931 وهو في الثامنة والأربعين من عمره، ودفن بالولايات المتحدة، ثم نُقل جثمانه إلى لبنان في العام التالي.

شاعر المهجرآلاف العرب هاجروا إلى أوروبا وأمريكا، هروباً من الطغيان العثماني، ورغم أنهم فروا بأجسادهم، لكنهم ارتبطوا بأوطانهم روحياً، وكانت لبعض الشبان المهاجرين آمال وطموحات الذين حلموا بمزيد من الحرية لبلادهم، بعد أن أعلنوا رفضهم للاحتلال العثماني، ونادوا بالثورة على الأتراك الظالمين المستبدين . جبران خليل جبران، كان أحد رموز عصر نهضة الأدب العربي الحديث، خاصة بما يخص الشعر والنثر، وفي 1920 أسس الرابطة القلمية، إلى جانب عدد من المثقفين العرب، التي أحدثت تغييراً في أساليب الكتابة الأدبية والإبداعية على صعيدي الشكل والمضمون، وكانت تهدف إلى تجديد الأدب العربي. لوعة الشوق إلى الوطن، أرقت حياة آلاف العرب بالمهجر، الذين فروا بعائلاتهم من بطش العثمانلي، لكنهم لم يشعروا بالراحة بعيداً عن أوطانهم، والتي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم.جبران، عبر عن شوقه لوطنه لبنان وبلدته “بشري” في قصيدته الخالدة “المساء”، التي لم تحمل أنين الشاعر فقط، بل صورت آلام كل العرب في المهجر، لكن الشاعر بشر قومه باليوم الذي يعودون فيه إلى ديارهم منتصرين على الأتراك، ومما جاء بقصيدة المساء: داء ألم فخلت فيه شفائي * من صبوتي فتضاعفت برحائييا للضعيفين استبدا بي وما * في الظلم مثل تحكم الضعفاءإني أقمت على التعلة بالمنى * في غربة قالوا تكون دوائيشاك إلى البحر اضطراب خواطري * فيجيبني برياحه الهوجاءثاو على صخر أصم وليت لي * قلبا كهذي الصخرة الصماءيا للغروب وما به من عبرة * للمستهان وعبرة للرائيوالشمس في شفق يسيل نضاره * فوق العقيق على ذرا سوداءمرت خلال غمامتين تحدرا * وتقطرت كالدمعة الحمراءفكأن آخر دمعة للكون قد * مُزجت بآخر أدمعي لرثائيوكأنني آنست يومي زائلا * فرأيت في المرآة كيف مسائي؟ هجاء العثمانليجبران خليل جبران، حارب التبعية العربية للدولة العثمانية، التي حاربها في كتبه ورسائله، وبسبب خلفيته المسيحية، كتب مقالاً تحت عنوان “رسالة إلى المسلمين من شاعر مسيحي”، حرص خلالها على توضيح موقفه المعادي للدولة العثمانية، وليس ضد الإسلام، وأكد أن موقفه ضد تسييس الأديان بصفة عامة، في إشارة واضحة منه إلى مسألة الخلافة، ومما جاء فيها: “أنا أكره الدولة العثمانية لأني أحب العثمانيين، أنا أكره الدولة العثمانية لأني أحترق غيرة على الأمم الهاجعة في ظل العلم العثماني، أنا أكره الدولة العثمانية لأني أحب الإسلام وعظمة الإسلام ولي رجاء برجوع مجد الإسلام، أنا لا أحب العلّة، لكنني أحب الجسد المعتلّ، أنا أكره الشلل ولكنني أحب الأعضاء المصابة به، أنا أجلُّ القرآن ولكنني أزدري من يتخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين نحو الاستقلال”. وفي مقالته “الأتراك هم أقل شعوب الأرض خلقاً وإبداعاً”، هاجم جبران جهل الدولة العثمانية، واتهمهم بأنهم عملوا على إنهاك الشعوب المحتلة، وعملوا على عزلها، وتخلفها، فقد عاش العرب في تخلف وظلم وسنين عجاف في ظل الأتراك، الذين عكسوا تخلفهم بوصفهم لا يمتلكون سوى القوة الغاشمة التي من خلالها يفتكون بالشعوب ويقهرونهم بالقوة، وفي ختام مقالته وصف الحكم العثماني بأنه “استعمار متخلف”. الشاعر اللبناني، تابع أنباء الحرب العالمية الأولى، التي دخلتها تركيا بجانب ألمانيا، ضد بريطانيا وفرنسا، وبكى جبران كثيراً على الشهداء العرب، الذين زجت بهم إسطنبول في جبهات القتال، نيابة عن الأتراك، الذين فروا من ساحات المعارك.

مجاعة لبنانجمال باشا، أدار أكبر عملية إبادة بحق اللبنانيين عام 1917، بعدما فرض حصاراً برياً شاملاً على منطقة جبل لبنان، لمنع إدخال القمح إلى الأهالي، بعد أن صادر القمح من البيوت لإطعام جيوشه، مما تسبب في وقوع مجاعة قاسية، أسفرت عن وفاة 250 ألف لبناني. الشاعر جبران خليل، تابع أنباء مجاعة لبنان، وتحسر على استهتار الأتراك بأرواح الشعوب العربية، فكتب مقالة بعنوان “بيد السفاح التركي”، فضح خلالها دموية حكومة الاتحاد والترقي الطورانية، التي شنت حملات إبادة ممنهجة على العرب، ومما كتبه جبران: “ماتوا صامتين لأن آذان البشرية قد أغلقت دون صراخهم، ماتوا لأنهم لم يحبوا أعداءهم كالجبناء، ولم يكرهوا محبيهم، ماتوا لأنهم لم يكونوا مجرمين، ماتوا لأنهم لم يظلموا الظالمين، ماتوا لأنهم كانوا مسالمين، ماتوا جوعاً في الأرض التي تدر عسلاً، ماتوا لأن الثعبان الجهنمي التهم كل ما في حقولهم من المواشي وما في أحراجهم (حقولهم) من الأقوات”. وفي رسالته إلى “ماري هاسكل” الصحافية الأمريكية، تمنى جبران خليل أن تنتهي الحرب بهزيمة تركيا، حتى يتسنى للبلاد العربية التحرر والاستقلال، فقال الشاعر :”أطلب إلى الله أن تؤول الحرب العالمية إلى تفكيك الإمبراطورية العثمانية، ليتسنى لسورية الأم أن تفتح عينيها الحزينتين، وتحدق مرة أخرى إلى الشمس، قلبي يشتعل من أجل سورية، لقد قسى عليها القدر، ومن كثرة القسوة مات أهلها، وهجرها بنوها طلباً للقمة العيش في الأراضي البعيدة”. شاعر العروبةلسان العروبة الحر، هكذا عاش جبران خليل حياته في المنفى، وطوال إقامته في فرنسا وأمريكا، استطاع توحيد كلمة العرب المهاجرين، الذين طالبوا أهلهم بالثورة على الاحتلال العثماني، وباتت كتابات وأشعار جبران شعلة ثورية متقدة، حتى أطلق عليه معاصروه لقب “شاعر العروبة”. الشاعر اللبناني، انتقد بعض المنادين بضرورة التمسك بطاعة الدولة العثمانية، وراح يرصد جرائم العثمانيين بحق الحضارة العربية، والتي دمرها الأتراك بهمجيتهم وبربريتهم، حتى إن جبران شبه العثمانيين بـ “المغول”، وتحت عنوان “ثوروا على أحفاد المغول”، كتب يقول: “ماذا يغركم أيها المسلمون بالدولة العثمانية وهي اليد التي هدمت مباني أمجادكم بل هي الموت الذي يراود وجودكم ؟، أو لم تنته المدنية الإسلامية ببدء الفتوحات العثمانية؟، أو لم يتقهقر أمراء العرب بظهور سلاطين المغول؟، أو لم ينحجب العلم الأخضر وراء ستار من الضباب بظهور العلم الأحمر (العلم التركي) فوق رابية من الجماجم؟”.جبران، أضاف :”إن لم يتغلب الإسلام على الدولة العثمانية، فسوف تتغلب أمم الإفرنج على الإسلام، وإن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء”.

المصادر :

1 – حسن دخيل عباس الطائي: التمييز العنصري في فكر جبران خليل جبران
https://3thmanly.com/ar/article/