محمد مظلوم

ثلاث قصائد لم ينشرها إليوت في حياته، وجدت ضمن دفتر ملاحظات وأوراق قديمة للشاعر الذي توفي العام 1965، بقيت أرملته وسكرتيرته السابقة فاليري فليتشر محتفظة بها كل هذه السنين لتودعها قبل وفاتها هي الأخرى لدى كريستوفر ريكس، الأستاذ السابق للشعر في جامعة أكسفورد، حيث قام ريكس بالاشتراك مع جيم مكيو بنشر تلك القصائد الثلاث ضمن طبعة شاملة ومستوفاة، لأعمال إليوت الشعرية صدرت في مجلدين ضخمين أواخر العام الماضي 2015 عن دار «فيبر وفيبر» التي أسسها إليوت وعمل فيها ريكس محرراً شعرياً فترة من الزمن.

قد لا تبدو هذه القصائد الثلاث المجهولة من قبل، على مستوى عالٍ من الأهمية الفنية تضاهي بها قصائد إليوت الكبرى التي كرَّسته شاعر الحداثة الأول في القرن العشرين، إنما تكمن أهميتها الاستثنائية في طبيعة مضمونها الإيروتيكي غير المعهود في تجربة الشاعر الكاثوليكي المحافظ، وهذا المضمون المختلف من شأنه أن يجعلها تشكل منعطفاً مهماً في تاريخ الجدل المستمر منذ أكثر من نصف قرن حول مأزق الهوية الجندرية لصاحب «الأرض الخراب» وإعادة إنعاش للآراء التي تتباين في تصنيفه بين «المثلية» و «الغيرية». وهي القضية التي كثرت حولها المقاربات النقدية واحتدم الجدل بصددها بين جيل من الأكاديميين والشعراء والروائيين المهتمين بالدراسات الجندرية في حقبة ما بعد الحداثة، منطلقين من عبارات غامضة أطلقها هارت كرين في العشرينيات عن مثلية إليوت، لتأخذ شكلاً نقدياً مع إشارة جون بيتر النقدية المبكرة في الخمسينيات وصولاً إلى تأويلات جيمس ميلر في السبعينيات والثمانينيات الذي كرَّس أكثر من كتاب ومقالة لاستقصاء الجذور النفسية في نصوص إليوت لتأكيد هذه الشبهة. وصولاً إلى كارول سيمور جونز التي توصلت، بناء على وثائق من حياة زوجته الأولى فيفيان، إلى ما يشبه اليقين أن إليوت كان مثليَّاً في مرحلة ما من حياته.

النقد

وإزاء هذه الآراء التي لا تعوزها الحجة النقدية، وإن افتقرت للدليل المادي، تعبِّر هذه القصائد الثلاث بوضوحٍ عن تجربة إيروتيكية غيرية، مع «فتاة طويلة القامة» يمكن الاستنتاج بسهولة أنها زوجته الثانية فاليري.

لكن هل يمكن لهذه القصائد التي كتبها إليوت وقد تجاوز السبعين من عمره، عن طقوس علاقته الجنسية مع امرأة تصغره بأربعين عاماً، أن تحسم ذلك الجدل بشكل نهائي، وتلغي تلك الطروحات النقدية التي ترى الأمر من جانب آخر؟

طبقة من النقاد المحافظين رأت في ظهور هذه القصائد إعادة اعتبار لسيِّد الحداثة، إزاء الشبهات التي طالته، بينما لا يزال على الجانب الآخر من يرى أن هذه القصائد، قد تُثبت غيرية جنسية لدى إليوت في تجربته المتأخَّرة مع فاليري، لكنها لا تنفي تماماً تلك الشبهة المثلية القديمة أو على الأقل ما يمكن تسميته نزعة «اشتهاء المثيل» منذ «أغنية حب جي بروفروك» و «الأرض الخراب» والتي قد تكون تمثيلاً لمرحلة معينة من حياته القلقة والصعبة، كما أنها لا يمكن أن تلغي تلك القراءات الرصينة التي تتسم بالجرأة لتفكيك البناء النفسي المعقَّد في قصائد الشاعر الكنسي، ووضعتها في سياق الجهد الأكاديمي لإعادة بناء إليوت الحداثي من وجهة نظر محافظة، تربط الحداثة بالذكورية، خاصة أن ريكس نفسه يُعَدّ أحد النقاد المعارضين للتوجّه التأويلي في النقد، ملتزماً إلى حد بعيد بالنقد العلمي التقليدي. وإن ظهور هذه القصائد ما هو سوى جولة أخرى في سياق المواجهات التأويلية بين مدراس النقد الأوروبي، بعد ازدهار القراءات التفكيكية التي تُعيد قراءة أعظم قصيدة في القرن العشرين «الأرض الخراب» على أنها ذات مضامين مثليَّة وإن بدت إشاراتها مواربة. وإن التدخلات الحاسمة لعزرا باوند خفَّفتْ إلى حدٍّ بعيد من الإشارات الواضحة لتلك المضامين، وهو ما ظهر فعلاً، بعد نشر المخطوطات الأصلية للقصيدة.

وفي الواقع فإن تجربة إليوت بمجملها أظهرته كارهاً للنساء، وغالباً ما صوَّر الجنس في أعماله بطريقة مقرفة تبدو أقرب للاغتصاب، بل إن مشاهد الاغتصاب والجنس بوصفه بغاءً، هي من المضامين الواضحة في شعره حتى بدت وكأنها تعادل موقفه السياسي المعادي لليهود. ولم تكن تلك القراءة تحفل بالتفسير النقدي التقليدي الذي يقوم على أن هذا التصوير البشع للجنس هو أسلوب فني لإظهار الإدانة الأخلاقية للحضارة الغربية من خلال هذا التظهير النفعي للجنس، وإنما رأت فيه تعبيراً عن حالة ذاتية ذات رواسب نفسية وشخصية لدى إليوت الذي كان قد حصل على نذر العفَّة الكنسي عام 1928 وهو لا يزال في زواج شرعي من فيفيان قبل أن تنتهي بها أزمة العلاقة معه إلى الانتحار في مصحّ. ولم يكن ثمة دليل على كسره لتلك «البتولية المقدَّسة» قبل أن تنشر هذه القصائد، بالإضافة إلى إشارة سابقة لفاليري تفيد أن علاقتهما الزوجية لا تعاني من خطأ.

الأسطورة

إليوت الذي دأب على إغراق عموم شعره بالإحالات الخارجية الأسطورية والدينية والأدبية، وأسهب في تقنية التضمينات والإحالات المتشعبة إلى أسفار الكتاب المقدس ونصوصه المكمِّلة، في قصائده الكبرى وبشكل خاص في «الأرض الخراب» لا يبدو مبتعداً كثيراً عن تلك المرجعيات حتى في قصائده الإيروتيكية المتأخرة هذه، فثمة ما يمكن مقارنته هنا مع الصوت الاحتفالي بالمحبوب للملك سليمان في «نشيد الإنشاد» وفي الاستفاضة الدقيقة بوصف مفاتن ذلك المحبوب واللغة التي تجمع بين الحسِّي والصوفي، ببن الغريزي والتبجيل.

اللافت أيضاً في هذه القصائد أن إليوت يصف النوم مع المرأة في إحداها بـ «المعجزة» التي تحقَّقت!

فهل هي يقظة متأخرة للغيرية؟ متجسّدة بإيروتيكية الشيخ الذي يعيد صياغة تاريخ صباه المحفوف بالأقاويل والشبهات، أم هي نفيٌ جذري لتلك التأويلات والقراءات التي هي أكبر من مجرد أقاويل أطلقها هارت كرين في العشرينيات؟

في الغالب أن الأمر لا يزال بحاجة إلى المزيد من التقصِّي، قبل الاطمئنان لنتيجة حتمية، تتعلَّق بتجربة كان لها أعمق تأثير ممكن على الشعر الحديث في أوربا بل على تجربة القصيدة الحديثة في الشعر العربي، وهو منوط بالبحث الدائب حتى وإن عاد بنا للوراء مرات ومرات، فربما سنتعرف عليه من جديد، تماماً كتلك العبارة لإليوت نفسه في نهاية رباعيته الأربع:

«لا يمكنُنا أنْ نُوقفَ استكشافاتِنا

وفي نهايةِ بحثنا كلِّه

سيكون الوصولُ إلى حيث بدأنا

ونعرفُ المكانَ لأوِّل مرة»

القصائد

هكذا ألاعبُ الفتاةَ الطويلة.

أنا أحبُّ فتاةً طويلةَ القامة. عندَما نقفُ وجهاً لوجه

هيَ لا شيءَ يعلوها وأنا لا شيءَ يعلُوني،

هيَ بالكعبِ العالي وأنا حافي القَدَمين،

يُمكنُنا أنْ نفركَ حَلمةً بحلمةٍ فحسب

وخزةٌ فاشتعالٌ. لأنَّها فتاةٌ طويلةُ القامة.

أنا أحبُّ فتاةً طويلةَ القامة. عندما تجلسُ على ركبتيَّ

لا شيءَ يعلوها، ولا شيءَ يعلوني،

يمكنني فقطْ أنْ آخذَ حَلمتَها بشِفَاهي

وأُدَاعبَها بلساني. لأنَّها فتاةٌ طويلة.

أنا أحبُّ فتاةً طويلةَ القامة. عندما نَضطجِعُ في السَّرير

هي على ظَهرِها وأنا تمدَّدْتُ فوقَها،

وأجزاؤنا الوسطى مُنشغلةٌ ببعضِها البَعْض،

أصابعُ قدميَّ تلاعبُ أصابعَ قَدَميها ولِسَاني بِلسانِها،

وكلُّ أرجائِنا في مَرحٍ. لأنَّها فتاةٌ طويلةُ القامة.

عندما تجلسُ فتاتي الطويلةُ في حُضني مفتوحةَ الساقين،

لا شيءَ يعلوها ولا شيءَ يعلوني

وأعضاؤنا الوسطى تَتدَاولُ أعمالَها،

أتمكنُ مِنْ تَمْسِيْدِ ظَهرِها وسيقانِها الطويلةِ البيضاء.

وكلانا مُبتهجٌ. لأنَّها فتاةٌ طويلةُ القامة.

أنا أحبَّ فتاةً طويلةَ القامة.

أنا أحبُّ فتاةً طويلةَ القامة.

وأنا مسرورٌ لأنَّها ليستْ فَتاةً قصيرة.

2 ـ

النوم معاً

النومُ معاً يتضمَّنُ بَعْضاً من الاستيقاظِ،

استيقاظٌ لبهجةِ السهرِ على الحبيب،

الاستماعِ للتنفُّسِ العَميقِ الْمُنتَظم

الذي يخبرني أنَّها نائمةٌ.

ذِراعي طوقُ جسدِها العَاري،

يدي كأسُ مَحْجَمةٍ على صَدْرِها. بينما حلمتُها

تضغطُ على رَاحةِ كفِّي

التي ترتعشُ بِحنان.

أصابعي تَتنقَّلُ بلُطفٍ، نزولاً لسرَّتِها

وتلمسُ الرقَّةَ الْمُفرطةَ أسفلَ سرَّتها،

وصولاً إلى استراحةٍ فوق الشَعْرِ بينَ فَخِذَيها.

مُعجزةُ النومِ معاً هي: الثقة

لماذا ينبغِي أنْ توقظَها يدي؟ حتَّى في نومِها

بِلا وَعيٍ لكنَّها مُدركةٌ، إنَّها تعرفُ اليدَ التي تَضمُّها،

تعــرفُ الأصــابعَ التــي تلاطِفُها.

3 ـ

هكذا تكونُ نهودُ الفتاة الطويلة.

عندَما تقفُ مَحبُوبتي طويلةً وعاريةً

بتباهٍ وابتهاجٍ، ليسَ بجمالِها الْمَوهوب،

إنَّما بالْمَعْرفة الْمُتقنة بِطَاقةِ جَمالِها

لتشعلَ رَغبتي (كأنْ أقفَ مُنتصباً أمامَها

وجعبةٌ مُنتفخةٌ بشهوتي)

نَهداها يبدُوان ناضِجينِ ومُمتلئينِ

في صيفٍ مِنَ الاكتمال.

لكنْ عندما تَضْطجِعُ محبُوبتي على ظَهْرِها،

نَهداها يبدوانِ مُتبَاعِدينِ صَغِيْرينِ وصُلْبينِ

وَمُرتفعينِ، لمْ ينضُجا بعدُ لكنَّهُما على وُشْك

كــما ينبــغي أنْ يكــونا عَلـــيه.

وهي في الخامسةَ عشرةَ.

وحينَ تضطجعُ محبُوبتي على جنبِها

ونهداها مُتراصَّانِ، أحدُهما يَسْتلقِي على الآخر

بحيثُ أنني حينَ أمرِّرُ يدي بينَهُما

يُطبقــانِ عَليــها ويحتجزانِها

سَجيناً سَعِيداً.

وحينَ تقفُ محبُوبتي إلى جانب سَريرِنا

مُتمايلةً فوقي، وأنا أستلقي وأصعِّدُ بَصَري نحوها

آنذاك نهدَاها الشبيهانِ بكمثرتينِ ناضِجتـينِ يتــدلَّيانِ

أعلى فَمِي،

الذي يشرئبُّ لِيَنالَهما.

(السفير)