فؤاد بن أحمد

أستاذ الفلسفة ومناهج البحث

مؤسسة دار الحديث الحسنية، الرباط

مقدمة

نَشر مصطفى العارف، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز – جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، بحثا يعالج فيه موضوع التأويل العرفاني للنص عند أبي حامد الغزالي (ت. 505ه/ 1111م). وهذا الموضوع، كما قد يعلم المهتمون، بالغ الحساسية في سيرة أبي حامد الفكرية، وقد كُتب عنه الكثير. والبحث ”محكَّم“ بحسب ما وصفته الجهة التي نشرته. ويمكن للقارئ الاطلاع عليه على الرابط الآتي: https://www.mominoun.com/pdf1/2015-06/5575b3d40cb152119189215.pdf

ومن الناحية الأكاديمية، يُعتبر من باب الأمانة العلمية أن يعود الباحث الذي اختار الاشتغال على موضوع ما إلى الدراسات التي تقدمت وعالجت هذا الأخير جزئيا أو كليا؛ وذلك من أجل الوقوف على ما يسمى بالوضعية التي وصل إليها البحث état des lieux فيه، ومن أجل ضمان تأطيرٍ نظري جيد للإشكالية وإعدادٍ للمسالك المناسبة لتسجيل خطوة جديدة على مستوى فهم الموضوع؛ هذا لأنه لا معنى للبحث من أساسه إن هو بُوشر دونما اعتبار لما سجل فيه من تراكم. ومن هنا، فكلما كانت الدراسات كثيرة وحديثة كلما كان التحدي أكبر أمام الباحث، حيث يصعب الإتيان بتأويل أو بفهم ”جديد“ للمسألة، يُسجَّلُ باسمه.

وبالفعل، يحصي مصطفى العارف سبعة من المصادر والمراجع في آخر بحثه الذي يتألف من 18 صفحة؛ وهذه المصادر والمراجع هي التي اعتمدها في بحثه ويفترض أن يكون قد حاور بعضها وانتقده. ويهمُّنا أن نذكُر من بين المصادر كتاب جواهر القرآن للغزالي، وهو في الحقيقة المادة الأساس التي يفترض بصاحب البحث أن يكون قد درسها لاستخلاص نظرية الغزالي بخصوص التأويل العرفاني للنص القرآني؛ وبعبارة أخرى، إن جواهر القرآن هو الموضوع المدروس في بحثه. أما ما يهمنا من المراجع أن نقف عنده فهو، أساسا، عمل الراحل نصر حامد أبو زيد الذي يحمل عنوان بـ مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن؛ وقد نُشر أول الأمر عام 1990م، وأُعيد نشره مرات عدة بعد ذلك، منها عام 2014 من قبل الجهة ذاتها التي نشرت بحث العارف؛ لكن هذا الأخير قد فضل أن يعتمد الطبعة السادسة منه، وقد صدرت عام 2006م.

ولاعتبارات كثيرة لا يسع المقام لذكرها هنا، يُعد نصر حامد أبو زيد أحد الكُتاب المصريين المقروئين على نحو واسع. وكما يدل على ذلك عدد طبعات كتبه وطبيعة عناوينها، فهو يجمع بين برودة الدراسة الأكاديمية وحرارة المنشورات المحكومة بحس تجديدي ونضالي؛ ولهذا فقد تمكنتْ كتاباته من أن تصل فئة عريضة من القراء. وقد تزايدت شهرةُ أعماله بعدما عَرَض من أحداث يُؤسف لها في حياته المهنية والأسرية معا. ونحن هنا لن نذكرها، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن مفهوم النص يقع في القلب من هذه الأحداث…لذلك يغدو استعماله مكشوفا عند القراء إلى حد كبير.

والظاهر من هوامش ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“، أن صاحبه يحيل فعلا على مفهوم النص لنصر حامد أبو زيد؛ وقد حصل ذلك خمس مرات، وتحديدا في الصفحات 5 و8 و10 و11 و15 من البحث؛ لكنه يفعل ذلك دون أن يستعمل مزدوجتي الاقتباس بشكل منهجي ثابت. فبخصوص الإحالة الأولى الواردة في الصفحة 5، لا يستعمل المزدوجتين وهو يحيل على الصفحة 254 من مفهوم النص؛ ويمكن قول الشيء ذاته عن الإحالة الواردة في الصفحة 8 من بحثه على الصفحة 263 من الكتاب المذكور؛ أما بخصوص الإحالة الواردة في الصفحة 10 فهو يقتبس فقرة كاملة واضعا إياها بين مزدوجتين، ويحيل على الصفحة 249 من الكتاب نفسه؛ بينما في الإحالة الواردة في الصفحة 11 لا يضع مزدوجتين وهو يحيل على الصفحة 250 من كتاب أبو زيد؛ وأخيرا فهو يحيل في الصفحة 15 من بحثه على الصفحة 28 من الكتاب المذكور دون أن يضع مزدوجتين.

وكما يعرف كل الباحثين، لا يكون الاقتباس اقتباسا إلا بحصره وتمييزه بعلامته التي هي المزدوجتان في أغلب الحالات؛ ورسمها كما يلي: ”…“، أو هذه: ’…‘، أو هذه: «…». فالمزدوجتان هما العلامة الأكثر استعمالا في الكتابة الأكاديمية والدراسات المحكَّمة للاعتراف بأن ما يقع بينهما مقتبس من مصدر آخر وجب ذكره، هو أيضا، حتى تكتمل عملية الاقتباس. وباستثناء الحالة الوحيدة التي يستعمل فيها صاحب ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ المزدوجتين ليخبر قارئه بأنه يقتبس من مفهوم النص لأبو زيد، ويُعرّفه في الآن ذاته ببداية ما يقتبس ونهايته، فإنه لا قِبل لهذا القارئ في الحالات الأخرى بمعرفة هذا ولا بمعرفة ما يعود لأبو زيد وما يعود للعارف، إلا بالعودة إلى نص الأول وقراءته ومقارنته مع ما يوجد في نص الثاني. وهذا بالضبط ما حصل معنا؛ إذ إنا عدنا فعلا إلى مفهوم النص، وقارناه مع ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“، فكانت النتيجة وقوفنا على اقتباسات ونقول حرفية وأخرى غير حرفية من كتاب أبو زيد، وتحديدا من الباب الثالث من الكتاب، والذي يحمل عنوان: ”تحويل مفهوم النص ووظيفته“ (ص 243-301)؛ حيث يدرسُ كتابَ جواهر القرآن لأبي حامد الغزالي بوصفه نموذجا لهذا التحويل في مفهوم النص ووظيفته. فالظاهر إذن أن استعمال صاحب ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ كتاب مفهوم النص لأبو زيد لم يتوقف عند الصفحات التي ذكرها وإنما امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير جدا.

وهكذا فقد ارتأينا أن نفحص هنا فحصا شاملا البحث المذكور في ضوء مصدريه، وتحديدا مفهوم النص وجواهر القرآن، وكيفية استثماره لهما؛ وذلك من منطلق أن التفاعل كتابةً مع ما يُنشر إنما هو من باب النزاهة العلمية، وبقصد بسط بعضٍ من المسائل المنهجية والأخلاقية التي تعترض الطلبة وعموم الباحثين أثناء البحث وعند النشر.

ومن أجل إشراك القارئ -و”المؤلف“ أيضا- في ما وقفنا عليه من اختلالات تشوب توثيق مصادر هذا الأخير فضلا عن مظاهر فساد أخرى سنشير إليها دونما تفصيل، نقترح أن نستعمل تقنية مُيَسرة، أي أن نضع جدولا من ثلاثة أعمدة، نضع في العمود الأول منه كلام العارف، وفي العمود الثاني، قبالةَ الأول، كلام نصر حامد أبو زيد، وفي العمود الثالث نورد بعض المعطيات ونسجل بعض الملاحظات، إن كان هناك ما يدعو إلى ذلك. وسنحاول جهدَنا ألا نطلق أحكام قيمة بخصوص ما سجلناه من أشكال الانتحال التي وقفنا عليها في ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“، مكتفين، ما أمكننا، بتصنيفها ووصفها وتوثيقها ووضعها نصب عين القارئ، وتاركين لهذا الأخير استخلاص النتائج والأحكام في ضوء ما سنقدمه في الفقرة الخامسة من هذه الدراسة النقدية من معطيات وتعريفات بخصوص الانتحال أو السرقة العلمية، استقيناها من مصادر أكاديمية محلية ودولية مختلفة.

وسنشرع بملخص (1) البحث الذي قدم به ”المؤلف“  بحثه، ثم بالعناوين الداخلية التي أعطاها لبحثه (2)؛ وبعد ذلك سنُعرج على عملية التوثيق التي تهمنا أساسا، وسنعرض فيها إلى أمرين: سنفحص في الأول بعض استشهادات العارف ومدى أمانته في نقله (3)، أما الأمر الثاني فسنورد فيه نقوله من نصر حامد أبو زيد وتبنيه لنفسه أفكار هذا الأخير وتحليلاته دونما أي ذكر له (4).

1.    الملخص: تقديم عملٍ نُشرَ في 1990 عامَ 2015

يُفترض بملخص البحث أن يقدم فيه صاحبه غرضه العام من دراسته، والإشكالية التي يفحصها بمسائلها الفرعية؛ ويفترض به، أيضا، أن يحمل تصميما أوليا لفحص تلك المسائل، وعرضا للنتائج الرئيسية التي توصل إليها الباحث من خلال التحليل الذي أَعْمَله، وتلخيصا للقراءة التي تبناها والاستنتاجات التي خلص إليها. هذه في العموم هي مكونات الملخص ومقتضياته، كما تعارفت عليها التقاليد الأكاديمية في إعداد البحوث ونشرها. ولمزيد من التوسع بخصوص شروط الملخص وكيفية كتابته يمكن العودة إلى مواقع الجامعات الدولية التي تضع ذلك رهن إشارة الطلبة والباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وعموما، يكفي النظر إلى ملخص دراسة ما للوقوف على الخطوة الجديدة التي يفترض بالباحث أن يكون قد سجلها في دراسته بالقياس إلى ما تقدم وتراكم من دراسات يُفترض به أن يكون قد اطلع عليها وأوجد لنفسه موقعا بينها، أو دعوى يدعيها، تُعرف باسمه في المستقبل؛ أعني عند استعمال الدّارسين لها، بعد نشرها ورواجها، في بحوثهم وأعمالهم.

وفي ضوء هذه الشروط والمقتضيات العامة والمعروفة في الأوساط الأكاديمية سنختبر الملخص الذي قدم به ”المؤلف“ بحثه المذكور.

مصطفى العارف نصر حامد أبو زيد ملاحظات
[…] وعلوم دنيوية تبقى مجرد منزل من منازل السائرين للوصول إلى الغاية القصوى وهي معرفة الله، ومن هنا يتم تصور النص وتحديد أهدافه وغاياته من خلال التمييز بين علوم دنيوية وأخرى أخروية، فيكون الغزالي قد حول وغير وظيفة النص حتى تتطابق مع نزعته الصوفية التي تبخس الحياة الدنيا وتعلي من شأن الحياة الآخرة. أمام هذا التصنيف لم تعد وظيفة النص هي تأسيس مجتمع وتشييد واقع يقوم به النص بدور المرشد والهادي، ولم تعد الحياة الدنيا مجالا للعيش الكريم والتمتع بملذاتها والعيش فيها […] بل صارت غاية النص هنا هي الوصول إلى معرفة الله تعالى وتوحيده، وما الحياة الدنيا وكل الأمور المحيطة بها إلا وسيلة من الوسائل المعتمدة للوصول إلى الغاية القصوى، لذلك تبقى الدار الفانية محطة من المحطات التي يمر بها الإنسان ليبلغ مقصده الأسمى والأعلى الذي هو السلوك إلى الله. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 1. إن الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى[…]. من خلال هذا التصور الثنائي لعلاقة الدنيا بالآخرة يتم تصور النص وتحديد أهدافه وغاياته، كما يتم تصنيف العلوم التي يمكن استخراجها منه […].   مفهوم النص، ص 247.   ولا شك أن هذا التحويل لطبيعة النص ولوظيفته يرتكز إلى المفهوم الأشعري لماهية الكلام الإلهي من جهة، كما أنه يرتكز إلى المفهوم الصوفي للخلاص الذاتي بالوصول إلى معانقة المطلق والفناء فيه من جهة أخرى. لم تعد غاية الوحي تأسيس مجتمع وبناء واقع يقوم النص فيه بدور المرشد والهادي، بل صارت الغاية هي الوصول إلى المطلق عبر فك شفرة النص ورموزه […] لذلك كله يكون العلم الثاني من علوم اللباب هو تعريف السلوك إلى الله. مفهوم النص، ص 257. وكما يظهر من المقارنة، فقد نقل العارف أطرافا من ملخصه من موضعين مختلفين من عمل أبو زيد.  

عندما نفحص ما قام به العارف في ملخصه نجد أنفسنا أمام إعادة إنتاج عام 2015 لعمل أنجز ربع قرن من قبل، أي عام 1990. وفضلا عن أنه من غير المقبول أكاديميا أن نقتبس من غيرنا في ملخصاتنا، فإنه من باب الأولى ألا ننتحل أطرافا من عمل هذا الغير وتقديمه على أنه لنا، بل على أنه الثَمرةُ في عملنا.

2.    العناوين: فلسفة إعادة إعادة الإنتاج

تعتبر العناوين الداخلية التي يثبتها المؤلِّف في دراسته بمثابة المعالم الكبرى التي تساعد القارئ على مسايرته في مساره التحليلي والحجاجي من البداية إلى النهاية. وأمامنا جدول يُظهر بالواضح أن العناوين التي استعملت في ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“،  هي نفسها العناوين التي استعملت في الباب الثالث من مفهوم النص…ربع قرن من قبل، مرة أخرى.

ملاحظات عناوين نصر حامد أبو زيد عناوين مصطفى العارف
العناوين الرئيسة والفرعية متطابقة. علوم اللباب (الطبقة العليا)     مفهوم النص، ص 251.                  1-علوم اللباب أ-الطبقة العليا   ”التأويل العرفاني للنص“، ص 2.
فساد الصيغة التي وضع بها العارف هذا العنوان، حيث حشر العنوانين الأكبر والفرعي معا في سطر واحد دونما تمييز، خلافَ أبو زيد الذي وضع العنوان الفرعي الثاني بين قوسين على غرار العنوان الفرعي الأول. علوم اللباب (الطبقة السفلى)       مفهوم النص، ص 262. ب- علوم اللباب الطبقة السفلى       ”التأويل العرفاني للنص“، ص 7.
لم ينقل العارف عنوانه هذا من عناوين أبو زيد وإنما من الشجرة التي وضعها هذا الأخير لعلوم القرآن في آخر عمله. علوم القشر والصدف   مفهوم النص، ص 298. علوم القشر والصدف   ”التأويل العرفاني للنص“، ص 9.
دون تعليق التأويل مفهوم النص، ص 269. التأويل ”التأويل العرفاني للنص“، ص 11.
دون تعليق الظاهر والباطن مفهوم النص، ص 282. الظاهر والباطن ”التأويل العرفاني للنص“، ص 15.

يكفي أن يقارن المرء بين العناوين الواردة في ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ ومثيلاتها في الباب الثالث من مفهوم النص حتى يتضح أن العارف لم يكلف نفسه عناء البحث عن عناوين تناسب أطراف دراسته ودعواه بل اكتفى باستعادة عناوين أبو زيد بطريقة غريبة…تلغي عمليا مفهوم المؤلِّف.

3.    النصوص المستشهد بها: فوضى

كل النصوص التي يخبرنا صاحب ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ بأنه قد اقتبسها من جواهر القرآن للغزالي واستشهد بها في بحثه كان نصر حامد أبو زيد قد تقدم واقتبسها من قبل ليستشهد بها في مفهوم النص. ولكي نظهر ما نقول يكفي أن نقارن بين صفحات العملين، حيث ترد الاقتباسات من جواهر القرآن، كما هو مبين في الجدول الآتي:

صفحات العارف 3 4 5-6 6 7 8 8-9 9 10 12 13 14 15 17 17-18
صفحات أبو زيد 252، 252 245 254-255 256، 257 264 263 267 267 249 270، 274 277 279-280، 283 284 284

ومن الناحية العلمية والأخلاقية، يُفترض بالدّارس عند اقتباسه نصوصا يعلم جيدا أن غيره قد تَقدّم إلى اقتباسها، بل هو من دلّه عليها، أن ينوه بمصدر نصوصه وبدليله إليها معا، أي بالغزالي وبنصر حامد أبو زيد في حالتنا هذه. وفي الحقيقة، تعتبر سرقة الاقتباسات أشد السرقات خفاء وقابلية للمنازعة. ويزداد الخفاء في حالتنا هذه عند استعمال طبعتين مختلفتين للكتاب نفسه، والتصرف في حجمها. لكن الذي كشف بوضوح سرقة العارف اقتباسات أبو زيد هو ذهوله عن وضع مزدوجتي الاقتباس، كما هو الشأن في الصفحة 6 من بحثه و256 من دراسة أبو زيد، حيث لم ينتبه إلى أن هذا الأخير قد وضع مزدوجتين ليدل على بداية اقتباسه من الغزالي، واكتفى باستنساخ هذه الفقرة، كما هي عند أبو زيد، واصلا كلام هذا الأخير بكلام الغزالي، والإحالة في آخر الفقرة على جواهر القرآن لهذا الأخير؛ والحال أننا هنا أمام سرقتين: الأولى لكلام أبو زيد والثانية لاقتباسه من الغزالي، كما هو مبين في الجدول التالي، فلنقارن:

مصطفى العارف نصر حامد أبو زيد ملاحظات
غنى العلوم الدينية التي يصعب الإحاطة بها، خاصة إذا ما انتقلنا من علم الإنسان إلى علم الملائكة ومن هذا الأخير إلى علم الله. فالإنسان يبدأ رحلته المعرفية من علم الدنيا وصولا إلى علوم الدين، ومن الأفعال إلى الصفات، ثم من الصفات إلى الذات فهي ثلاث طبقات: أعلاها علم الذات، ولا يحتملها أكثر الأفهام، ولذلك قيل لهم “تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله”. وإلى هذا التدرج [كذا] يشير تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملاحظته ونظره حيث قال: “أعوذ بعفوك من عقابك” فهذه ملاحظة الفعل، ثم قال: “وأعوذ برضاك من سخطك”، وهذه ملاحظة الصفات؛ ثم قال: “وأعوذ بك منك” وهذه ملاحظة الذات؛ فلم يزل يترقى إلى القرب درجة درجة، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال “لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك” فهذا أشرف العلوم. [جواهر القرآن، ص 56] ”التأويل العرفاني للنص“ ص 6.   فإن علوم الدين يصعب الإحاطة بها خاصة إذا انتقلنا من علم الإنسان إلى علم الملائكة ومن علم الملائكة إلى علم الله. ومع ذلك كله فإن دائرة الأفعال هي الدائرة الأدنى معرفيا، فمنها يبدأ الإنسان رحلته المعرفية فينتقل من علوم الدنيا إلى علوم الدين ومن دائرة الأفعال إلى دائرة الصفات، أي من الاتساع إلى الضيق حتى يصل إلى علم ”الذات“ وهو العلم الأعلى الأشرف ”فإن سائر العلوم تراد له ومن أجله وهو لا يراد لغيره وطريق التدرج فيه الترقي من الأفعال إلى الصفات ثم من الصفات إلى الذات فهي ثلاث طبقات: أعلاها علم الذات ولا يحتملها أكثر الأفهام. ولذلك قيل لهم (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله) وإلى هذا التدريج يشير تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملاحظته ونظره حيث قال: (أعوذ بعفوك من عقابك) فهذه ملاحظة الفعل ثم قال: (وأعوذ برضاك من سخطك) وهذه ملاحظة الصفات ثم قال: (وأعوذ بك منك) وهذه ملاحظة الذات. فلم يزل يترقى إلى القرب درجة درجة، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) فهذا أشرف العلوم. [جواهر القرآن، ص 24] مفهوم النص، ص 256. هذا نموذج لانكشاف سرقة العارف استشهادات أبو زيد فضلا عن أقواله. على الرغم من أن هذا الأخير قد فتح المزدوجتين قبل أن ينقل كلام الغزالي الذي يبدأ بـ”فإن سائر العلوم تراد له […]“ إلى آخر الاقتباس، فإن العارف لم يكلف نفسه إشعار القارئ ببداية اقتباس ولا بنهايته.

وإلى ما سبق، فإن الملفت للانتباه فعلا هو فساد طريقة العارف في الاقتباس. فقد أورد نصين مطولين للغزالي في الأصل ونسب أحدهما لهاري ولفسون، بينما تجاهل توثيق الثاني تماما، مع أنهما معا لأبي حامد؛ وثالثا، نسب فكرة إلى أبو زيد وأحال على الصفحة 250 من مفهوم النص، والواقع أن هذه الصفحة تخلو تماما مما نسبه إليها العارف؛ ونسب، رابعا، كلاما للغزالي بينما هو مأخوذ حرفيا من نصر حامد أبو زيد (قارن بين ”التأويل العرفاني للنص“، ص 10 ومفهوم النص، ص 248-249). ونسب، خامسا، نصا طويلا لنصر حامد أبو زيد بينما هو لأبي حامد الغزالي، وقد نقله أبو زيد في عمله (قارن بين ”التأويل العرفاني للنص“، ص 10 ومفهوم النص، ص 249). وهذا الأمر يدفع بالمرء إلى التساؤل عن مدى تمييز العارف بين ما للغزالي وما لأبو زيد، لأن بحثه يُظهر أنه لا يفعل.

وفي ما يلي أمثلة لما نقول:

ملاحظات نصر حامد أبو زيد مصطفى العارف
كل ما هو بين المعقوفتين في كلام العارف للغزالي من جواهر القرآن. ولا يعترف العارف بمصدره، إذ لا يضع مزدوجتين تظهران ذلك. ويحيل على أبو زيد الذي يورد النص ذاته في صيغة أطول على جواهر القرآن، ص 11-12.   […] الملائكة والروحانيات والروح والقلب – أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي- فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت […] حتى آخر الفقرة. مفهوم النص، ص 253.   1. فالأفعال تنقسم إلى ما تظهر للحس، وهي الأفعال العادية، أما أشرفها فهي التي لا تظهر للحس، بل هي من عالم الملكوت وهي [الملائكة والروحانيات والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي، فإنها من جملة عالم الغيب والملكوت… ] حتى آخر الفقرة. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 4.
لم يحل العارف في هذا الاقتباس الطويل على جواهر القرآن، وهو مصدر النص، بينما يذكره أبو زيد في موضعه. فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: (وإذا مرضت فهو يشفين) وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته ومعرفة الشفاء وأسبابه. ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان […]. ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض وهو علم برأسه. مفهوم النص، ص 255.   2. فمن أفعاله تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ”وإذا مرضت فهو يشفيني“ [كذا] (الشعراء 80)، وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله، إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته ومعرفة الشفاء وأسبابه، ومن أفعاله تبارك وتعالى تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلها [كذا] بحسبان […]. ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض وهو علم برأسه. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 4.
إحالة مصطفى العارف على الصفحة 41 من  فلسفة الكلام لهاري ولفسون فاسدة تماما. فنحن نجد الكلام نفسه وارد في عمل نصر حامد أبو زيد ومأخوذ من جواهر القرآن للغزالي. والكلام فعلا للغزالي ولا وجود له في عمل ولفسون، ولا يعقل أن يكون لهذا الأخير. وإلى ذلك فإن ولفسون يتحدث في تلك الصفحة عن الجهد التجديدي للغزالي في إدخال طريقة المتأخرين على تدليلات علم الكلام.   أما أحوال السالكين فهي قصص الأنبياء والأولياء كقصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ومريم وداوود وسليمان ويونس ولوط وإدريس والخضر وشعيب وإلياس ومحمد صلى الله عليه وسلم وجبريل وميكائيل والملائكة وغيرهم. وأما أحوال الجاحدين والناكبين فهي كقصص نمرود وفرعون وعاد وقوم لوط وقوم تبع وأصحاب الأيكة وكفار مكة وعبدة الأوثان وإبليس والشيطان وغيرهم. وفائدة هذا القسم الترهيب والتنبيه والاعتبار. ويشتمل أيضا على أسرار ورموز وإشارات محوجة إلى التفكر الطويل، وفيها يوجد العنبر الأشهب والعود الرطب الأنضر، والآيات الواردة فيها كثيرة. [جواهر القرآن، ص 14-15.] مفهوم النص، ص 267. 3. الأول يخص بأحوال السالكين وهي قصص الأنبياء والأولياء، كقصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ومريم وداوود، وسليمان ويونس ولوط وإدريس الخضر وشعيب وإلياس ومحمد عليه السلام وجبريل وميكائيل والملائكة وغيرهم، وأما أحوال [الجاحدين و] الناكبين فهي كقصص نمرود وفرعون وعاد وقوم لوط، وقوم تبع وأصحاب الأيكة وكفار مكة وعبدة الأوثان وإبليس والشياطين وغيرهم. وفائدة هذا القسم الترهيب والتنبيه والاعتبار، ويشتمل أيضا على أسرار ورموز إشارات محوجة إلى التفكير الطويل، وفيهما [كذا] يوجد العنبر الأشهب، والعود الرطب الأنضر، والآيات الواردة فيهما كثيرة يحتاج إلى طلبها وجمعها.   انظر ”التأويل العرفاني للنص“، ص 9، ه. 18، حيث يرد: Wolfson, Harry Austin, the philosophy of the kalam, Harvard University Press, Cambridge, London, 1976, p. 41
لأول مرة يستعمل العارف مزدوجتي الاقتباس إخبارا منه القارئ بأنه يقتبس من نصر حامد أبو زيد. ولكن النص الذي اقتبسه ليس لهذا الأخير وإنما هو للغزالي من جواهر القرآن، وقد استشهد به فعلا أبو زيد. انظر: مفهوم النص، ص 249. 4. الفقرة الثالثة وتتكون من 11 سطرا. انظر: ”التأويل العرفاني للنص“، ص 10.
يستشهد العارف بنص الغزالي نفسه الذي استشهد به أبو زيد. لكن العارف يزعم أنه من إلجام العوام، والحال أنه من جواهر القرآن، كما أثبت أبو زيد. فتنبه لهذا النمط من التصرف في قوارع القرآن […] قال صلى الله عليه وسلم: (أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب). مفهوم النص، ص 284. 5. يقول أبو حامد: ”فتنبه لهذا النمط من التصرف في قوارع القرآن […] قال عليه السلام (أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب) “. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 17.

وفضلا عما ذكرناه من قبل، فإن هذه الأمثلة الأربعة التي قدمناها لاقتباسات صاحب ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ ولإحالاته تظهر اضطرابها وفسادها. وذلك أن مراجعتها في ضوء أصولها تكشف أن لا واحد منها قد تم القيام به على نحو سليم. والحال أن عزو الكلام لأصحابه وبالصيغة التي وردت عندهم من أوليات البحث العلمي في العلوم الإنسانية. ومن هذه الجهة، فلئن كان ”المؤلف“ هو من يتحمل مسؤولية توثيق أقواله في الأول والأخير، فإن جهات أخرى قد تتحمل تلك المسؤولية أو قد تتقاسمها معه: فإن كان العمل جزءا من بحث جامعي مثلا، فإنه كان حريا بالمشرف عليه أن ينبه طالبه إلى طريقة توثيق مصادره، ونسبة الكلام إلى أهله، ويُعَلمَّه كيف يفعل ذلك وفق أعراف الكتابة الجامعية؛ وهذا أمر لا يحتاج كبير مجهود، خاصة إن كان المشرف من أهل المعرفة بالغزالي. أما وقد نشر العمل وأُشِّر عليه بأنه ”محكم“، وهو دليل مبدئي على جديته وجدته معا، فإنه يفترض أن يكون قد فحصه وقوَّمه أهل الاختصاص من القادرين على التمييز بين كلام حجة الإسلام وكلام ولفسون، فضلا عن التمييز بين ما للعارف وما لنصر أبو زيد. وبالجملة، فمن النزاهة العلمية أن يُعوِّد المشرفون طلبتَهم على ذلك، وأن يَحول المحكمونَ دون نشر كتابات لا تستوفي أدنى شروط النشر فبالأحرى أن تكون محكمة.

4.    تجاهل المصادر أو في قتل المؤلِّف

نقدم في الجدول التالي عشرات العينات من نقول مصطفى العارف من عمل نصر حامد أبو زيد، حيث سيظهر، بالمقارنة، كيف أنه قد عمد إلى مجهودات هذا الأخير وادعاها لنفسه من دون أن يذكره ولا مرة واحدة.

ملاحظات كلام نصر حامد أبو زيد كلام مصطفى العارف
لا وجود هنا لأي إحالة في نص العارف على مفهوم النص لنصر حامد أبو زيد. وفي المقابل، يعمد العارف إلى التغيير في نظام الفقرة وتحوير بعض الكلمات للإيحاء بأن الكلام له. وعلى حين ركزت […] المعتزلة […] على الإنسان بوصفه المخاطب بالنص والمستهدف من تعاليمه. […] كان تصورهم [=الأشاعرة] للنص أنه ‹‹صفة›› ذاتية للقائل لا فعلا من أفعاله. مفهوم النص، ص 245.   1. تتأسس دراسة النص عند الغزالي على تصورين اثنين، أولهما أشعري وينبني على أن النص صفة ذاتية للقائل لا فعلا من أفعاله. […] عكس التصور المعتزلي الذي يقول بأن الإنسان هو المخاطب بالنص والمستهدف من تعاليمه. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 2.
لا يذكر العارف مصدره. صارت معرفة الله هي غاية الغايات […] وكان من الطبيعي أن يعاد تقسيم آيات القرآن بناء على تحقيق هذه الغاية، فصارت الآيات الدالة على معرفة الله سر القرآن ولبابه الأصفى. مفهوم النص، ص 251. 2. صارت معرفة الله تعالى هي غاية الغايات […] وعلى هذا الأساس سوف يتم تقسيم آيات القرآن بغية تحقيق هذه الغاية، فأصبحت الآيات الدالة على معرفة الله هي سر القرآن ولبابه الأصفى. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 2.
لا يعترف العارف بمصدره. إن هذا العلم الأول الذي هو لب اللب […] لا يجد الغزالي له في القرآن سوى سورة الإخلاص وآية دالة على التقديس المطلق كقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وأخرى تدل على التعظيم المطلق: (سبحانه وتعالى عما يصفون). مفهوم النص، ص 253. 3. يصر الغزالي على أن يجعل من معرفة الله تعالى العلم الأول الذي هو لب اللب […] لا يجد الغزالي في القرآن سوى سورة الإخلاص وآية دالة على التقديس المطلق كقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وأخرى تدل على التعظيم المطلق: (سبحانه وتعالى عما يصفون).  ”التأويل العرفاني للنص“، ص 3.
لا يعترف العارف بمصدره. إذا تجاوزنا دائرة «الذات» إلى دائرة «الصفات» وجدناها تتسع أكثر فتكثر الآيات التي تشير إليها في القرآن […] لكن هذه الآيات تتزايد أكثر وأكثر في دائرة «الأفعال»، ذلك أن أفعال الله تقود الغزالي إلى تفرقته بين عالم الحس والشهادة وبين عالم الغيب والملكوت. مفهوم النص، ص 253. 4. وإذا ما انتقلنا من دائرة الذات إلى الصفات وجدناها تتسع أكثر فأكثر، فنجد آيات كثيرة تدل عليها. لكنها كثيرة فيما يخص الأفعال، ذلك أن أفعال الله دعت الغزالي إلى التمييز بين عالم الحس وعالم الغيب. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 4.
لا يعترف العارف بمصدره. وإذا كانت علوم الدين كلها تنتمي إلى عالم الغيب والملكوت، فلاشك أن ثمة علوما تنتمي إلى عالم الملك والشهادة، وتلك هي علوم الدنيا. والغزالي […] يؤكد دائما أنها علوم مغترفة من بحر القرآن. ويتجاوز الغزالي ذلك إلى القول بأن العلوم التي يمكن استخراجها من القرآن يستحيل حصرها. مفهوم النص، ص 254. 5. وإذا كانت علوم الدنيا تنتمي إلى عالم الشهادة والحس، فإن علوم الدين تنتمي إلى الغيب والملكوت. […] ومع ذلك فهو يصر على أن يجعل من القرآن مصدر كل العلوم سواء الدنيوية أو الدينية، بل إن العلوم التي يمكن استخراجها من القرآن يستحيل حصرها. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 5.
لا يعترف العارف بمصدره. وإذا كان علم الذات أرقى دوائر علوم معرفة الله، فإنه علم صعب لا يحتمله أكثر الأفهام. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد انتقل من الأفعال إلى الصفات إلى الذات ثم أقر بعجزه، فما بالك بالمؤمن العادي؟ مفهوم النص، ص 256. إن علم الذات علم عسير وأرقى دوائر علوم معرفة الله والرسول صلى الله عليه وسلم قد انتقل من الأفعال إلى الصفات إلى الذات ثم أقر بعجزه، فما بالك بالمؤمن العادي؟ ”التأويل العرفاني للنص“، ص 6
لا يعترف العارف بمصدره. ويغير تغييرا طفيفا بعض الألفاظ، فضلا عن أنه يقدم بعضها ويفسد أخرى. يحاول الغزالي أن يضع كل آيات الأحكام والحدود داخل هذا الإطار الذي حدده من منظوره الصوفي لعمل الفقه وهو الحفاظ على النفس والنسل، حيث جعل «آيات المبايعات والربويات والمداينات والمواريث ومواجب النفقات وقسم الغنائم والصدقات والمناكحات والعتق والكتابة والاسترقاق والسبي» من باب الحفاظ على النفس. ويدخل تحت الحفاظ على النسل «آيات النكاح والطلاق والرجعة والعدة والخلع والصداق والإيلاء والظهار واللعان وآيات محرمات النسب والرضاع والمصاهرات». وتدخل «آيات الحدود والقتال والكفارات والديات والقصاص» إطار دفع المفاسد إذ هي عقوبات زاجرة تمنع ما يهدد النفس أو النسل. مفهوم النص، ص 264. 7. ويحاول الغزالي أن يدرج كل آيات الأحكام والحدود داخل هذا الإطار الذي حدده من منظوره الصوفي لعمل الفقه، وهو الحفاظ على النفس والنسل، حيث جعل من [كذا] آيات المبايعات والربويات والمداينات والمواريث ومواجب النفقات وقسم الغنائم والصدقات والمناكحات والعتق والكتابة والاسترقاق والسبي، من باب الحفاظ على النفس. وتدخل آيات النكاح والطلاق والرجعة والعدة والخلع والصداق والإيلاء والظاهر [كذا] واللعان وآيات محرمات النسب والرضاع والمصاهرات في باب الحفاظ على النسل. بينما تدخل آيات الحدود والقتال والكفارات والديات والقصاص، في إطار دفع المفاسد، إذ هي عقوبات يتوخى من ورائها عدم معاودة فعل هذا الأمر أو ذاك. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 7.
أخذ العارف كلام أبو زيد وغير في نظامه الداخلي وبدّل بعض ألفاظه دون ذكر المصدر. […] وسائل لتحقيق غاية أهم هي الوصول إلى الله […]. وفي إطار هذا التحويل الكيفي يتحول الجهاد إلى وسيلة لحماية الوجود لا لنشر العدل. مفهوم النص، ص 264. 8. يجعل من بعض ركائز الشريعة هدفا بعينه للغاية القصوى وهي الوصول إلى الله تعالى، فعوض أن يجعل من الجهاد وسيلة لنشر العدل يحوله إلى وسيلة لحماية الوجود. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 8.
لا يعترف العارف بمصدره. يلي علم الفقه في ترتيب العلوم التي يدل عليها القرآن أو يمكن استخراجها من آياته علمان هما: علم الكلام والقصص، يطلق الغزالي على ”علم الكلام“ عبارة ”محاجة الكفار ومجادلتهم“. مفهوم النص، ص 266. 9. بعد الفقه من حيث الأهمية يأتي علم الكلام والذي يسميه الغزالي بمحاجة الكفار ومجادلتهم. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 8.
لا يعترف العارف بمصدره. ويلي علم الكلام القصص القرآني. مفهوم النص، ص 267. 10. ويلي علم الكلام القصص القرآني. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 9.
لا يعترف العارف بمصدره. أكثر من ذلك، يحيل في نهاية الفقرة الثانية إلى كتاب جواهر القرآن ناسبا إليه تحليل نصر حامد أبو زيد. ونشير إلى أن العارف ينقل ”يتفرع“ من نص أبو زيد بشكل خاطئ ويضع مكانها ”يتفرغ“؛ وهو أمر لا معنى له هنا. تكون علوم القشر والصدف بالنسبة للقرآن خمسة علوم هي: علم مخارج الحروف وهو علم مرتبط بقراءة النص وأدائه، ثم علم لغة القرآن وهو العلم الذي يبحث في الألفاظ من جميع نواحيها، ويلي ذلك علم إعراب القرآن وعن هذا العلم يتفرع علم رابع هو علم القراءات، وتنتهي هذه العلوم إلى العلم الخامس وهو علم التفسير الظاهر. وترتيب هذه العلوم على هذا الشكل، أي من حيث البدء بالمخارج والانتهاء بالتفسير الظاهر، إلى جانب أنه ترتيب تصاعدي من الجزء إلى الكل ومن الصوت إلى الدلالة، ترتيب تقييمي يبدأ بالأدنى ويرتقي إلى الأرقى والأسمى، وكلما اقترب العلم من القشر والصدف قلت قيمته، في حين تتزايد قيمة العلم الذي يتباعد عن القشر الأول ويقترب من الجوهر. مفهوم النص، ص 248-249. 11. وتكون بذلك علوم القشر والصدف بالنسبة إلى القرآن خمسة علوم هي: علم مخارج الحروف وهو علم مرتبط بقراءة النص وأدائه، ثم علم لغة القرآن وهو العلم الذي يبحث في الألفاظ من جميع نواحيها، ويلي ذلك علم إعراب القرآن، وعن هذا العلم يتفرغ [كذا] علم رابع هو علم القراءات وتنتهي إلى علم خامس هو علم التفسير الظاهر. إن ترتيبا على هذه الشاكلة أي من حيث البدء بالمخارج والانتهاء بالتفسير الظاهر إلى جانب أنه ترتيب تصاعدي من الجزء إلى الكل ومن الصوت إلى الدلالة، ترتيب تقييمي يبدأ بالأدنى ويرتقي إلى الأرقى والأسمى، وكلما اقترب العلم من القشر والصدف قلت قيمته، في حين تتزايد قيمة العلم الذي يبتعد من القشر الأول ويقترب من الجواهر. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 10.
لا يذكر العارف مصدره. وليست المكانة التي يحظى بها علم التفسير عند الغزالي إلا مكانة نسبية. مفهوم النص، ص 250. 12. فحتى علم التفسير الذي له شأن كبير في الدراسات الدينية يجعل منه أبو حامد ذا مكانة نسبية. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 10.
لا يذكر العارف مصدره، ويغير تغييرا طفيفا بعض الألفاظ، ويفسد بعضها الآخر. ونشير إلى أنه ينقل ”الأحلام“ من نص أبو زيد بشكل خاطئ، ويضع مكانها ”الأحكام“؛ وهو أمر لا معنى له هنا. هذا العبور من القشر إلى اللب بالتأويل يوازي عملية العروج الخيالية بالقلب من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت. وإذا كانت النقلة من عالم الحس إلى عالم الملكوت تتم عبر منطقة الخيال فإن عملية عبور قشر النص إلى لبه بالتأويل تتم أيضا عبر (الخيال)، ولا شك أن الأحلام والرؤى خير مثال. مفهوم النص، ص 269 -270. 13. هذا العبور من القشر إلى اللب توازيه عملية العروج الخيالية بالقلب من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت. […] ويتم العبور من العالم الثاني إلى الأول عبر عملية التأويل تماما كما يحدث في الأحكام [كذا] والرؤى. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 11.
لا يذكر العارف مصدره، ويغير تغييرا طفيفا بعض الألفاظ، ويزيد ويحذف ويقدم ويؤخر أخرى.   هكذا يتحول النص إلى سر مقفل يحتاج إلى جهد خارق لكي تنفتح مغالقه ويكشف عن كنوزه وأسراره. وهكذا يكون هذا السر بمثابة شفرة خاصة لا يطمح الانسان العادي -المقصود بالوحي وبالشريعة- إلى الاقتراب من حدوده إلا بشق الأنفس. ومن أجل تأكيد الطبيعة ”السرية“ للنص يستخدم الغزالي صورا لغوية منتزعة من مجال طبيعي كالبحر والسواحل والشواطئ والجزر والأمواج واليواقيت والعود والترياق. مفهوم النص، ص 276. 14. هكذا يتحول النص إلى سر مقفل يحتاج إلى جهد خارق لكي تنفتح مغالقه ويكشف عن أسراره، ويكون بذلك هذا السر بمثابة شفرة خاصة لا يطمح الإنسان العادي إلى الاقتراب من حدودها إلا بشق الأنفس. ولتأكيد هذا الأمر يستعمل الغزالي صورا لغوية واستعارات مأخوذة من مجال الطبيعة كالبحر والسواحل والشواطئ والجزر واليواقيت والعود والترياق للدلالة على النص. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 13.
لا يعترف العارف بمصدره. فالقرآن هو البحر المحيط الذي تكمن في أعماقه الجواهر والدرر. مفهوم النص، ص 277. 15. فالقرآن هو البحر المحيط وينطوي على أصناف الجواهر والنفائس. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 13.
لا يعترف العارف بمصدره. إن القرآن بحر، ساحله علوم القشر والصدف وأعماقه الطبقة العليا من علوم اللب، وليس على الساحل من البحر إلا بعض الأصداف الخالية والرمال، في حين أن البحر مليء بالجواهر واللآلئ والدرر، وكلما غاص الإنسان في أمواج هذا البحر كلما استخرج من جواهره ودرره. مفهوم النص، ص 277. 16. يجعل الغزالي من القرآن بحرا ساحله مليء بالأصداف الخالية والرمال، في حين أن أعماقه مليئة بالجواهر والدرر، وكلما بقي الإنسان على ساحل البحر، أي على ظاهر النص، وجد نفسه خالي الوفاض لا يتحصل على شيء، بينما كلما هم إلى أعماق البحر وتجاوز ظاهر النص تزود بالجواهر والدرر. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 13.
لا يعترف العارف بمصدره. وإذا كان «الكبريت الأحمر»-كما سبقت الإشارة- هو معرفة الله ويتفرع عنه «الياقوت الأحمر» إشارة إلى علم الذات و«الياقوت الأكهب» إشارة إلى علم الصفات، و«الياقوت الأصفر» إشارة إلى علم الأفعال، فإن القسم الثاني من علوم القرآن وهو «تعريف طريق السلوك إلى الله تعالى» يشار إليه باسم «الدر الأزهر»، ويشار إلى القسم الثالث الخاص بتعريف الحال باسم «الزمرد الأخضر». مفهوم النص، ص 279. 17. (ولما كان الياقوت الأحمر هو أنفس النفائس صار دلالة على علم الذات الإلهية، ثم يليه بعد ذلك معرفة الصفات وهو الياقوت الأكهب ثم معرفة الأفعال، وهو الياقوت الأصفر. أما القسم الآخر من العلوم فهو «تعريف طريق السلوك إلى الله تعالى»، ويشار إليه «بالدر الأزهر» وإلى القسم الثالث الخاص بتعريف الحال باسم «الزمرد الأخضر»). ”التأويل العرفاني للنص“، ص 14.
لا يعترف العارف بمصدره. يكشف عن معنى «الترياق الأكبر» وهو الرمز الذي أشار به إلى علم الكلام […] وإذا انتقلنا إلى مجال علم الفقه وجدنا أن الغزالي يماثل بينه وبين «المسك الأذفر». مفهوم النص، ص 279- 280. 18. فسنجده أنه يمثل علم الكلام بالترياق الأكبر […] أما الفقه فهو المسك الأذفر. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 14.
لا يعترف العارف بمصدره. وغني عن الإشارة أن الغزالي يتعامل مع اللغة هنا بوصفها رموزا لا بوصفها نظاما رمزيا، أي بوصفها مجموعة من الألفاظ ذات بعدين أحدهما حقيقي هو المعنى الروحي الملكوتي والآخر قشرة خارجية أو رمز وهو الدلالة اللغوية المألوفة. مفهوم النص، ص 281. 19. وهذا القلب للغة من مجرد منطوقات وملفوظات ذات دلالة أو دلالات متعددة، إلى رموز، وليس نظاما رمزيا، يجعل من الألفاظ تتوفر على بعدين: أحدهما حقيقي وهو المعنى الروحي الملكوتي، والآخر ظاهري وهو القشرة الخارجية وهو الدلالة اللغوية المألوفة. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 14.
لا يعترف العارف بمصدره. يدين الفلاسفة لوقوفهم عند ظواهر هذه الآيات والأحاديث، وهو وقوف انتهى بهم– فيما يرى الغزالي- إلى الكفر والإلحاد والهلاك المحقق. مفهوم النص، ص 283. 20. نجده يصنف الفلاسفة ضمن أهل الظاهر الذين تقيدوا بظواهر النص وهو تقيد انتهى بهم الى الكفر والإلحاد والهلاك المحقق. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 15.
لا يعترف العارف بمصدره؛ ويغير بعض الألفاظ ويبدلها بأخرى. إن غاية ما يطمح إليه المسلم العادي إذن هو الوصول إلى الجنة الحسية بكل ما تمتلئ به من لذائد حسية من مأكل ومشرب ونكاح، على حين يتجاوز الصوفي العارف هذه الآفاق إلى لذائذ ومتع أخرى لا تكاد تقاس إليها لذائذ الجنة الحسية ومتعها، إنه يتنعم في جنان العرفان ويتمتع بمداومة النظر إلى وجه الله ومعاينة الحقيقة. وشتان بين لذة ولذة، وبين جنة وجنة. مفهوم النص، ص 284-285 21. إن غاية المسلم العادي من أهلالعوام [كذا] هي الفوز بالجنة المحسوسة المذكورة في القرآن على ظاهرها وبكل ما فيها من لذات ومتع حسية، في حين يتجاوز الصوفي هذه اللذات الى لذائذ لا تقاس بالمقارنة مع هذه اللذات الحسية، فهو يتمتع بالنظر إلى وجه الله تعالى، ومعاينة صفاته، فهذه أرقى المعارف وأعلاها على الاطلاق، وشتان بين لذة ولذة وبين جنة وجنة. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 18.
لا يعترف العارف بمصدره. وهكذا ينتهي الغزالي إلى ما بدأ منه، […] بدءا من ثنائية الدنيا والآخرة إلى ثنائية الظاهر والباطن […] تنتهي إلى ثنائية أخرى حادة بين البلّهأهل الجنة المادية– وذوي الألباب الذين يتنعمون في جنان المعارف. مفهوم النص، ص 286. 22. هكذا يخلص الغزالي إلى ما بدأ منه، فمن ثنائية الدنيا والآخرة، وصولا إلى الظاهر والباطن، ينتهي إلى ثنائية حدية هي أهل الجنة المحسوسة البُله-وأهل الخاصة أصحاب الروحانيات واللذات العِلِّية. ”التأويل العرفاني للنص“، ص 18.

إن الجدول أعلاه يَكشف كمّ الأقوال والأفكار والعبارات التي نقلها مصطفى العارف من عمل نصر حامد أبو زيد دونما إحالة عليه ولا اعتراف بما أخذه منه. وقد سبق أن ذكرنا في البداية أن عدد المرات التي أحال فيها، في بحثه، على عمل أبو زيد هو خمس مرات، ولكن الجدول أعلاه يَكشف أن عدد المرات التي كان يفترض به أن يحيل فيها على عمل أبو زيد، وفَضَّل ألا يفعل، يفوق عشرين مرة. وفي الواقع إن من شأن القراءة المتمعنة لـ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ أن تدفعنا للتساؤل: من هو مؤلفها الأصلي؟ ومن المتكلم فيها؟

أما عن إقحام العارف تعديلات وتغييرات على الألفاظ والعبارات وترتيب الجمل، فلئن كان يقصد به تمويه قارئ يتصوره في ذهنه، فقد غاب عنه أن هذه التغييرات والتعديلات ذاتها تقوم دليلا قاطعا على وجود عنصر القصد والعمد في عدم الاعتراف بمصدره، وأن الأمر لا سهو فيه ولا إغفال؛ وإن كان هذا أيضا ليس بالعذر الكافي في مجال البحث العلمي. ولهذا كله وجب التذكير بأنه من باب الخطأ، أكاديميا وأخلاقيا، أن يقوم ”الباحث“ بانتحال نصوص ليست له وبإدخال تعديلات عليها قصد إخفاء انتحاله. وإذا كان هذا ”الباحث“ يستطيع أن يخدع المشرفَ على بحثه قبل مناقشته ومحكمَه قبل نشره، فإن ذلك لا يدل على أي حذْق من قِبله وإنما بالأحرى على تهاون هذين الأخيرين في عمليهما…أما النزاهة فتقتضي من المشرف ومن المحكم معًا قراءة العمل وتقويم طريقة استعماله لمصادره ومراجعه والكشف عن عناصر الجدة فيه قبل التأشير عليه، خاصة وأنه موضوع معروف جدا.

5.    في السرقة العلمية: أوليات البحث العلمي

كيف نفهم، إذن، استعمال صاحب ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ أفكار الراحل نصر حامد أبو زيد وأقواله ودعاواه الواردة في كتابه مفهوم النص دونما أدنى اعتراف من جهته؟ أو بعبارة أخرى، كيف نفهم إلغاء الطرف الأول للطرف الثاني بوصفه المؤلف الفعلي لكل تلك الاقتباسات التي أتى بها الأول في بحثه؟ نفهم من ذلك أن الطرف الأول يَدعيها لنفسه، لِيصبح من وجهة نظر المتلقي هو القائل بها والمدعي لها، أي أنه ”المنشئ“ و”المؤلف“  الأصلي؛ ومن الواجب، من ثم، على كل من قرأها واستعملها بعد ذلك أن يحيل عليه ويذكره، والحال أن مؤلفها ومُنشئها الفعلي هو الطرف الثاني، أعني نصر حامد أبو زيد؛ وهي منشورة من قِبَله منذ ربع قرن، ومسجلة باسمه وفق قانون الملكية الفكرية. فماذا يسمى هذا في السياق الأكاديمي؟

ولكي نختصر الطريق على القارئ نقول إن هذا ما يسمى بالسرقة الأدبية أو الانتحال أو السرقة العلمية plagiat, plagiarism. وللتذكير، فهذا الاسم وإن كان ما يزال يحتفظ ببعده الفضائحي (السُّبة والعار…) عند عموم الناس أو في السياقات التي لما تترسخ الأعراف الأكاديمية فيها، فإنه لا يعدو أن يكون وصفا أو تعريفا لفعل يدخل تحت طائلة الضوابط القانونية والأخلاقية المنظمة للبحث العلمي داخل المؤسسات الأكاديمية، حيث يحصل حرص شديد على الانضباط لها حمايةً لاسمها ولسمعتها بين المؤسسات الأخرى. ومع ذلك، وبما أن القصد الأول من قولنا تربوي، وهو ألا يتكرر فعل مصطفى العارف من قبل بقية الزملاء والطلبة الباحثين، فإننا نرى من المفيد أن نُذَكّر بهذه الأمور التي يفترض بالجامعيين، طلبةً وأساتذةً ومسؤولينَ، أنهم يعرفونها، ولنسأل، من جديد، ما هي السرقة الأدبية أو العلمية أو الانتحال؟

من أجل الإحاطة بهذا السؤال نقدم هنا تعريفات ستة للـ plagiarism:

  1. يعرف قاموس كمبريدج السرقة العلمية plagiarism كما يلي:

إنها عملية استعمال أفكار شخص آخر أو عمله والادعاء بأنها لك.

https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/plagiarism
  • وتُعرف جامعة أكسفورد -وهي واحدة من الجامعات العشر الأفضل في العالم- السرقةَ العلمية كما يلي:

السرقة العلمية أو الانتحال هو تقديم أعمال شخص آخر أو أفكاره كما لو أنها خاصة بك، مع موافقته أو من دونها، وذلك عن طريق تضمينها عملك دون اعتراف كامل. ويدخل تحت هذا التعريف جميع المواد المنشورة وغير المنشورة، سواء كانت مخطوطة أو مطبوعة أو إلكترونية. وقد يكون الانتحال عمدًا أو تهورًا أو بغير قصد. وبموجب القوانين التنظيمية للاختبارات، يُعد الانتحال، عمدا أو تهورا، جريمةً أو مخالفةً تأديبية.

https://www.ox.ac.uk/students/academic/guidance/skills/plagiarism?wssl=1
  • أما جامعة كنتKent State University  من ولاية أوهايو الأمريكية، فتقدم التعريف الآتي للانتحال؛ وهو تعريف موجه بالأساس للباحثين الذين هم في طور التكوين والإعداد التعليمي في الجامعة:

يحدث الانتحال عندما يستخدم الكاتب عمداً لغة شخص آخر أو أفكاره أو مواد أخرى أصلية (وليست بالمعرفة المشتركة) دون الاعتراف بمصدره.

https://www.kent.edu/writingcommons/definition-plagiarism
  • وأما جامعة أبو ظبي فتعرف الانتحال كما يلي:

إنه ”السرقة عمدا للملكية الفكرية“، وفاعلها معرض للعقوبة.

https://www.adu.ac.ae/study/governance/office-of-academic-integrity
  • وهذه جامعة الأخوين من إفران بالمغرب، وهي سباقة في هذا البلد إلى إدراج السرقة العلمية ضمن ما ينبغي للطالب أن يدرسه، وسباقة إلى استعمال برنامج www.turntin.com لرصد السرقات العلمية وتطبيقه على كل بحوث الطلبة، تعرف الانتحال كما يلي:

الانتحال هو أن تستعمل كلمات شخص آخر أو أفكاره في عملك من دون أن تعترف بذلك. بعبارة أخرى، إنه سرقة أفكار شخص أو عباراته.

وهذا غير مقبول أكاديميا لعدة أسباب:

  • منها أنك تَحرم صاحب الفكرة أو وسيلةِ التعبير عنها الفضلَ في قيامه بذلك؛
  • وأنك تحرم نفسكَ فرصة التعلم عن طريق التفكير في الأشياء اعتمادا على نفسك؛
  • وتحرم العلمَ وجميعَ مجالات المعرفة من إمكانية التقدم والتطور التي يمكن أن تحصل عن طريقة جديدة للتفكير أو الاكتشاف، بما أنك لا تقوم سوى بتكرار أفكار شخص آخر.
http://www.aui.ma/personal/~A.Cads/1201/1201x/plagiarism.htm
  • ولم نتوفق في الحصول من خلال تصفحنا لمواقع بقية الجامعات المغربية على معلومات ضافية بخصوص القوانين والمواثيق المعمول بها وسط هذه الجامعات لمنع هذه الظاهرة من الانتشار بين الطلبة والأساتذة. ولكن يجدر بنا أن نذكر أن من بين ما وقفنا عليه ميثاق أصدرته جامعة الحسن الأول بمدينة سطات، وهو بعنوان: ميثاق مكافحة انتحال الملكية العلمية في جامعة الحسن 1 سطات: موافق عليه من طرف مجلس جامعة بتاريخ 11/05/ 2013. انظر: http://www.uh1.ac.ma/system/files/charte.pdf ومنه نستقي الشواهد التالية:

من بين ما يرد في المادة الأولى من هذا الميثاق ما يلي:

يعتبر انتحال الملكية العلمية أخذ النص بكامله أو جزء منه أو إنتاج أدبي أو رسم تبياني ككل، أو أخذ الأفكار الأصلية للمؤلف بدون الاعتراف بأبوته، عن طريق وضع مزدوجتين والإشارة للمعلومات الببليوغرافية المناسبة.

لا يحتاج الأمر تعليقا منا، وبدلا من ذلك نسمح لأنفسنا بأن ننقل فقرتين قصيرتين أخريين من هذا الميثاق؛ إذ يرد في ديباجته:

يعد هذا الميثاق بمثابة القواعد الواجب احترامها في هذا الصدد من لدن جميع مكونات الجامعة: طلبة وأساتذة باحثين وإداريين.

ويرد في المادة الخامسة منه:

خرق هذا الميثاق يخضع للعقوبات التأديبية التالية: توبيخ؛ إلغاء الشهادة المهيأة؛ الطرد من الجامعة لمدة محددة؛ إلغاء نهائي من الجامعة؛ الطرد من جميع مؤسسات التعليم العالي العمومي لمدة محددة؛ الطرد النهائي من جميع مؤسسات التعليم العالي العمومي عبر المملكة.

خاتمة

نترك للقارئ -ولـ”المؤلِّف“ أيضا- أن يحكم هل في الدعوى التي جاء بها هذا الأخير في بحثه الموسوم بـ ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ شيء ما يسمح بالقول إنه له وليس لأبو زيد في الأصل؛ وأن يقرر، ثانيا، هل في هذا البحث ما يفيد الاعتراف الكامل بما أخذه عن أبو زيد؛ وأن يحسم، في الأخير، هل فيه ما قد يعد خرقًا سافرا للمواثيق الجامعية وللأعراف الأخلاقية المنظمة لمهنة شريفة كالبحث العلمي.

بدلا من تقديم جواب يعد بديهيا، في تقديرنا على الأقل، نفترض حصول الحالة التالية، وهي غير مستبعدة في السياق الذي نتحدث عنه: لنفرض للحظة أن باحثا أو طالبا قرر أن يدرس موضوع التأويل العرفاني للنص القرآني عند الغزالي أو لِنَقُل قرر أن ينظر في كتاب جواهر القرآن للغزالي؛ ولنفرض أن هذا الباحث قد اختار أن يفعل هذا بإشراف أستاذه صاحب ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“ نفسه. هذا الطالب مدعو، كما هو معمول به، إلى رصد الوضعية الحالية للبحث وإلى عقد مقارنات بين الدّراسات التي تعالج الإشكال نفسه أو ما هو قريب منه. ترى ماذا سيقارن هذا الطالب في حالتنا هذا؟ وماذا لو حصل أن اقتبس كلاما وأحال على ”التأويل العرفاني للنص عند الغزالي“، والحال أن الكلام المقتبس ليس بصاحب المقال الأخير وإنما هو في الواقع لنصر حامد أبو زيد؟ ثم كيف لهذا الطالب الباحث أن يرصد التراكم المسجل بين 2015، سنة نشر بحث مشرفه و1990، سنة نشر مفهوم النص لنصر حامد أبو زيد؟ فهل سيؤرخ لربع قرن من البحث من أجل لا شيء؟ باختصار شديد، لا يمكن للبحث أن يحصل ولا أن يتقدم في ظل الانتحال، لأن هذا يلغي الزمن كما يلغي التراكم.

وفي كل الأحوال، فإن كتاب جواهر القرآن، كما يعرف المهتمون، واحد من أعوص كتب أبي حامد الغزالي. ولكي يحصل الاستئناس بمضامينه وإشاراته المتشابكة، من قبل طالب الإجازة مثلا، يحتاج ذلك زمنا مديدا ومُعلمًا مُعينا. لهذا يكون من المفيد له، فعلا، أن يستعين في استكمال بحثه بالدّراسات التي أُنجزت عنه… لكن فرقا كبيرا بين أن يستعين الباحث بالّذين تقدموه إلى الموضوع مُعترفا بهم وبما أخذه عنهم، وهو أمر واجب… وبين أن ينتحل أفكارهم ويستولي على مجهوداتهم، ويقدمها لنيل إجازته على أنها أفكاره الخاصة ومجهوداته، في غفلة تامة من المشرف…أو ينشرها، زمنا بعد ذلك، في غفلة تامة من المحكِّمين -إن هم وُجدوا-؛ وهذا ما يُسمى عند الجامعيين سرقة علمية، أو plagiat بلسان ”الفرنجة“.