كتابة وحوار :أسعد الجبوري

الميلاد: 26 مارس 858 م، فارْس، إيران

الوفاة: 26 مارس 922 م، بغداد، العراق

عندما عرضنا عليه فكرة الحوار عبر الو تساب والاستغناء عن الرحلة الطويلة نحو أعماق السموات،ردّ علينا برفض الفكرة،ومشجعاً على أن يكون الحوار مباشراً ووجهاً لوجه.

لم يكن أمامنا إلا الامتثال لرغبة الشاعر العراقي من أصول فارسية الحسين بن منصور الحلاج.وهو ما تم فعلاً،وذلك حينما دخلنا تلك الكبسولة الإليكترونية،لتنطلق بنا نحو الآفاق البعيدة التي سبق لنا وإن عرفنا عنها الكثير من الأشياء من خلال حوارات (بريد السماء الافتراضي) التي تم إجراؤها مع شعراء من حول العالم . 

بعد أقل  من نصف نهار ،وصلنا.وكان الحلاج مع حيوان(( البانسو)) ذو الرؤوس الثلاث بانتظارنا على باب صالة مخصصة لأغراض رياضة الملاكمة .أصابتنا الدهشةُ .فلمْ نر واجب أن يكون إجراء الحوار في هذا المكان بالضبط.إلا أن حيوان البانسو،سرعان ما كشف عن  ضرورة قيامنا ببعض تمارين اليوغا قبل إجراء الحوار،وذلك ما حصل بالفعل.بعد ذلك دخل الشاعر الحلاج في نوبة هستيرية من الضحك،ليتوقف بعدها قائلاً :لا بدّ من شراب ((التوس )) المضادّ للتشويش.

وما أن انتهينا من ذلك الشراب ،حتى بدأنا بطرح الأسئلة ،مفتتحين الحوار بالسؤال التالي :

س:كيف وصلت إلى السماء وكنت على تلك الأرض مقطع الأوصال ومنفصل الرأس عن الجسم ؟!

ج/ لقد سحبني الله إليه بقانون من فيزياء الشغف الإلهي .

س: أكان ذلك القانون شبيهاً بقوة الطرد المركزي الذي تخضع له الكواكب والنيازك في الأكوان ؟

ج/ أجل .ولا تخضع إلى مفهومهِ كل الأرواح في التطبيق.

س:لماذا تعتقد ذلك برأيك ؟

ج/ لأن في كلّ روحٍ شيفرة مختلفة عن الأخريات ،سواءً بالولادة أو بالسفر والتنقل ما بين طبقات الفضاءات الشاسعة .

س:وكيف جمعتَ قطع غيار جسمك المقطع قبل الصلب وبعد ،لتأتي إلى هنا كامل الجسد ؟

ج/ عندما اجتمعت علىّ الخطايا وأجمعوا على قتلي بشرورهم،ناديتُ على كلمات لغة الباطن  أن توصلني بالله ،لأكتمل وتعود لي أعضائي المبتورة .وقد حصل ذلك بفضلهِ العظيم . 

س:ورأسك المقطوعة.من أعادها إلى مكانها على رقبكَ يا حلاج؟

ج/ أعادها الشيطان الذي قطعها نفسه .

س:هل ساورهُ شعورٌ  بالذنب،ففعل ذلك تكفيراً عن خطيئة عظمى ارتكبها بحقك ؟

ج/ لا.ولكنه أراد أن يستكمل استجوابي عن لحظة اندماجي بالله .  

س:أكان الاندماج بالله تهمةً ؟

ج/ وأسوأ من ذلك بكثير. فتحت راية البلاط العباسي ،كانت الجهالةُ السوداءُ تغمرُ رؤوسَ خدم الخليفة الأعمى عقلياً ،حيث كان يتلقى منهم التقارير وينفذها وهو مخمور بأحضان الجواري وراقصات الهوى على أطراف السرير.   

س:ولمَ لا يريد خلفاءُ الله وولاته مما يُسمّون بالراشدين اندماج العبد بالمعبود ؟

ج/ كي لا  تضعف قبضتهم على أعناق البشر،فيُفقدهم نشوة التحكم بأرواح الشعوب التي أنتجها الربُ من رحم نعمته على الأرض.

س:هل الصوفيةُ رحمٌ يا حلاج ؟

ج/ هي هكذا تستبطنُ رؤى ما لا يُرى ،وتدفنُ ما يظهر تلافياً للعقاب .فمرة ترى الصوفيةَ رحماً ،ومرة بئراً تكون .

س:ألا يتشابهُ الرحمُ مع البئر ؟

ج/ أبداً لا. فالرحمُ إناءٌ للتكاثر والانشطار ،فيما البئرُ حفرةٌ للخنق والغرق المميت.وكنت أنا الضائع في المتاهة الموجودة ما بين الاثنين. 

س:هل حب الله متاهة ؟

ج/ أجل. وما من تائه يصلُ إلى هناك إلا بالتجلي .

س:تعني التجلي شعرياً يا حلاج ؟

ج/ وهل ثمة متجلٍ من بين أقوام  الأرضِ ،ويتجلى أكثر من الشعراء ؟

س:كأنكَ تطبقُ قانون نفي النفي على المشايخ من أهل العمائم والأديرة والعوام ،فلا يجدوا لأقدامهم رقعةً على خريطة الإيمان ؟

ج/ لا إيمانَ يحتاج للتجلي، بقدر حاجته للبصم المسبق على لوائح الشرائع والتشريعات المنزلة  منها والموضوعة،ومن ثم الانخراط بمجاريها .إما التجلي ،فهو حالةٌ من التخطي العابر للإيمان الكلاسيكي المنوه عنه في الأحاديث والكتب المستهلكة.

س:هل من قتلك ،أراد منعك من الوصول لله.ولمَ جرى ذلك الفعل الإجرامي ؟

ج/ لقد فعلوا ذلك الجرمَ تحسباً منهم ،إن الوصول لله ممنوع سواء بالطيران أو بالتاكسي  أو بالمشي والهرولة،وذلك لأنهم لا يريدون تحرير المخلوق من صفة العبد.فأنزلوه بمرتبة الدونية التي لا ترتقي بالمخلوق إلى صورة خالقه،ولو كان ذلك بالمجاز .

س:وكيف وصلتَ أنت لربكَ يا حلاج؟

ج/ أنا وصلتهُ بالجهر صوتاً دون خوف من سيف أو شتيمة أو حجارة أو تجويع  أو ملامة.

س:ولذلك اختلفتَ مع حركات الصوفيين الأخرى ،كونها كانت باطنية خرساء ومسالمة للوحش السلطاني وطغاة أهل الكرسيّ ؟

ج/ ما من ديانة إلا وفي تفاصيلها الدقيقة الرماحُ والدباباتُ والمشانق والسيوف والمجانيق والعبيد والخوازيق والأئمة من مختلف الماركات.وأنا عرفتُ وواجهتُ وقتلتُ .

س:تقصد إنك كنت صوفياً ماركسياً يا حلاج؟

ج/ بالضبط.فأنا تجسدتُ  بأصحابي وبخلاني كريحٍ من نارٍ .وهكذا هبت روحي في ثورة الزنج، لتحرقَ  دساتير العبودية والموبقات مدارس إفساد العقول وبوار ذوات الأجساد غير المنتجة لكل ما يمت للخلق بصلة.

س:أنت رفعتَ عن لسانك الحجاب،فيما تكدست ألسنةُ كبار الصوفيين تحت التراب خوفاً من أن يفصحوا عما بذممهم من وشائج الحب بالله . أهو خوفهم من سيف الحاكم وحسب ؟

ج/ لا أعتقد ذلك حتماً.فقد كانت جماعات التصوف طبقات وطبقات،منها الوراقي الذي يشغلُ نفسه بتدوّين الحب لله،ومنهم القماش الذي يتزين بالجبب والعمائم والثياب الخشنة،ومنهم الحداد الذي يطرق كلامه طرق الحديد كي تبلغ إيقاعات صوته لله .ومنهم العاشق التائه الذي ضل الطريق إلى الله ،حينما أضاع البوصلة ما بين الروحي والإيروتيكي،فكان كافراً بالجهالة دون قصد.

س:وأين كان موقع الحلاج من قائمة كل هؤلاء ؟

ج/كنت الاستثناء الجسور ،فكان كيدُ رجال الدين لي في ذلك الزمان ، أشدّ من كيد الإبليس في فيلم خدعة آدم بالتفاحة في الجنة. 

س:هل تنحُ صوفية الشعر نحو الجنس الصامت ؟

ج/ ما من ضابط للشهوات في الجسد الشعري،لذلك فالشاعر الصوفي ليس غير فزاعة زرع في الحقل الإلهي.صوفيته ليست أكثر من هذا .

س:يا لها من صوفية سريالية.أليس هذا ما تريد قوله ؟

ج/بالتأكيد.الشعر خرقٌ للديانات منذ نمو الألسن والبدء برسوم اللغات.

س:تقصد إن الشاعر لا يصلح لأن يكون صوفياً؟

ج/أجل.لا صوف عنده، ولا تصوف معه.

س:لماذا تعتقد بذلك يا حلاج ؟

ج/لأن الشعراء من تصاميم الآلهة وخياطة ماكيناتهم الشيطلائكية .

س:هل ما وراء ذلك ثقة معدومة بولاء الصوفية للشعر والشعر للصوفية ؟

ج/لا أعتقد بنفور الصوفية من السريالية ،ولا بتجاوزها لمعنى الاتحاد مع ما يخصها من وشائج جامعة  ومتعارضة ما بين الذات الشخصية التي تعول عليها السريالية بتنشيط قدراتها الخيالية، وبين محو الذات ونفيها عن جسد الصوفي وصولاً إلى الاندماج بما هو إلهي .

س:ألا تظن بأن للصوفية الكثير من  الأصوات التائهة على الأرض وبأعماق المخلوقات من المتصوفة ؟

ج/بالضبط.كل صوتٍ مادةٌ خامٌ تنتمي لمذهب ديني أو لفلسفة تنبع عن اتجاه زرادشتي أو إسلامي أو ما عداه من المرجعيات التي تعمل على فتح الطريق العرفاني – الوجداني نحو السموات سالكةً .

س:ثمة من  ((يرى في عقائد الصوفية من قضايا الحلول والاتحاد ووحدة الوجود إيمانًا صارخًا بتلك المعتقدات مثل إيمان: أبي اليزيد البسطامي وسهل التستري والترمذي الملقب بالحكيم وابن عطاء الله الإسكندري وابن سبعين وابن الفارض والحلاج ولسان الدين بن الخطيب وابن عربي والرومي والجيلي والعراقي والجامي والسهروردي المقتول وبايزيد الأنصاري وغيرهم.)) ماذا يقول الحسن بن منصور الحلاج عن ذلك ؟
ج/في البدء ،لم أجد نفسي مصنوعاً إلا كوجدان من مواد مشتتة المعادن .ولكنني سرعان ما نضجتُ ،فانتقلتُ من ذلك الخليط غير متجانس من الفلزات اللاهوتية الخاملة منها والنشيطة،لأكون مادة نفسي في مهنة الحب، حتى تلك الساعة التي أصبحتُ فيها مختصّاً بالله وحده.

س:هل تشبه الشاعر الفرنسي آرثور رامبو ،أو بما يشبهك  ؟

ج/كان رامبو موجةً في جسد يشبه المركب السكران.فيما أنا،فقد كنتُ النهر المتصبب ناراً بالشوق إلى الله.  

س:أتعتقد بأن الصوفية موجةٌ لا يمكن الاحتفاظ بها  على سبيل المثال ؟

ج/أجل. الإبهام هو عمودها الفقري .وكلما يرتقي الصوفي درجةً من سلسلة ذلك العمود،تصبحُ فقرةُ عقلهِ أصغر من فقرة الوجد.

س:وماذا عن الصوفي من جذر حنبلي  ؟

ج/عقلٌ بعضلات من الصخر، وتحت رعاية الله .

س:ما تأثير الجغرافيا على تكوّين الحلاج؟

ج/كان العراقُ أرضاً حمراء،وأضافَ جسدي من دمه توهجاً،لأكون ممولاً لذلك التراب المتعطش للأبد.

س:لماذا الأحمرُ لا الأزرق برأي الحلاج؟

ج/لأن في الأحمر تتضامنُ السيوفُ على المعارف.فيما الأزرق ،فلا يعطي نفسهُ إلا إلى الماء ساقي خلايا الوجود بحمدٍ من الواحد الأحد الموجود في الأبد.

س:أيهما تأثر بالآخر :الحلاج بأفلاطون أم  أفلاطون بالحلاج ؟

ج/لا علم لي بذلك.لكن كتاب الربوبية لفيلسوف الحلول والاتحاد الذي ضع فيه اليوناني أفلاطون خميرته عن التصوف،ففتح لي أكثر من باب برأسي ،لأتشرد وأصبح مُتوّهاً  .

س:تتوّهُ بعبارة أفلاطون القائلة : : “النفس التي لا تضاء بضوئه، تظل بغير رؤية” ؟

ج/أجل.

س:وهل خرجتَ من نفسك ذات يوم ،لتصبح خارج سياقها باتحادكَ مع الذي هو  أنت، وأنت الذي هو على حد تعبير ابن العربى القائل: “فما أنت هو، بل أنت هو، وتراه في.. عين الأمور مسرحًا ومقيدًا))

ج/تكبلني اللغةُ فيما تفعله بتصنيع المعاني أحياناً،فلا أجد عقلي إلا في الحمى والالتهاب.وإلا فما الصنيع البلاغي الذي ذهب أبن عربي إليه في ذلك السيرك اللغوي ؟!!  

س:ألا تعتقد بأن الصوفية مذهبٌ لقيطٌ؟

ج/ كيف يمكن تطهير هذا السؤال من الذنوب ؟!

س: ثمة من يؤكد على نمو الصوفية وحركة التصوف كما يلي : ((ولا نجعل مصدرًا واحدًا هو المتحكم في نشأة الصوفية، أو منبعها، بل نقر بأن الصوفية ما كانت لتقوم على مصدر واحد، وإنما شربت من الهندية حتى تناسخت، وانسلخت، واتحدت، وحلت، وشربت من الفارسية فتشيعت، وأقرت بمعتقدات كثير من الشيعة، بل وقامت بها، وشربت من النصرانية فترهبنت، وتمخرقت، ولبست الصوف، وعزفت عن اللحوم، واعتزلت الناس في صوامعها، ورأت بعين الإيمان ما لا يرى بعين الظاهر.وأخذت من الأفلاطونية فخرج العارف بالله من نفسه حتى يرى نفسه، فوجد هو هو، ورأى الله فيه فاتحد به فصار هو العابد والمعبود، والعاشق والمعشوق فلو قال: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا.. نحن روحان حللنا بدنا” فما كذب، ولو قال عن نفسه: “وإني لأعبدني” فهو المصدق، ولو قال: “أنا هو، فأعبد أنا، ويعبدني” فهو العارف بما نجهل ))  فأين تجد نفسك من كل هذا يا حلاج ؟

ج/مهما كثرت المصادرُ وتعددت الأخبار،فأنا مع واحدي الذي حلّ بروحي في الفضاء، بعد أفول الجسد وذوبان لحمي وعظمي في لحظة الهباء المحمود للقادر .  

س:وهل تعتبر حكم القاضي أبو عمر المالكي الذي أمر بقتلكَ بعد أخذ الضوء الأخضر من من الخليفة المقتدر بالله ،كان من باب تحجيم  رقعة الزندقة والتكفير في العراق كما جاء ذلك في الأخبار؟

ج/ما فعله بي حامد بن العباس،الذي كان وزير الخليفة، هو ما كنت أتمناه وأشتاق إليه وصولاً للحظة للذوبان بالله .فكان الجلد والتعذيب والصلب حيّاً وتقطيع الأعضاء ومن ثم جزّ الرأس وإحراقي لأنثر رماداً بماء دجلة.

س:أتظن إنك نلت عقاباً بقدر ما فعلته آنذاك ؟

ج/وماذا تراني قد فعلتُ من الأشياء المنافية للدين والأخلاق ؟

س:قيل إنك ساهمت بدعم تمرد الزنج والقرامطة .(( كان الحلاج ممن يرى التصوف جهادًا متواصلاً للنفس، بالابتعاد بها عن متع الدنيا وتهذيبها بالجوع والسهر، وتحمل عذابات مجاهدة أهل الجور، وبث روح الثورة ضد الظلم والطغيان. ويؤكد اتصاله بالزنج والقرامطة ذلك، وهما من الحركات الثورية المعروفة في عصره. وكان أن دخل بعض أمراء الحكم تحت قيادته الروحية، وكتب الحلاج لهم بعض الرسائل في الأخلاق السياسية، ثم كان أن دالت دولة هؤلاء الأمراء بتغلب أعدائهم عليهم، فألقي القبض عليه وكانت نفسه قد تاقت للشهادة .))

ج/تسع سنوات في سجن الخليفة ،بعدها الإعدام صلباً بتهمة شبهة التجديف .أليس كل ذاك مدعاةً لمحاكمة الإسلامي السياسي على الأرض قبل حلولها فوق طبقات الغيوم؟

س:وما أدراك بأن القاضي أبو عمر المالكي قد نال جائزةً من الربّ على صنيعه الذي نُفذ فيك ؟

ج/ربما.وسيكتب في حاشية ذلك التقدير الخاص بصاحب مقولة ((انا الحق )). لقد ((قاد الحلاج منهجًا جديدًا في التصوف يرى أن التصوف جهادٌ في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكًا فرديًا بين المتصوف والخالق فقط، وطور الحلاج النظرة العامة إلى التصوف، فجعله جهادًا ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع ونظرًا لما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه)).كل شئ جائز،بما في ذلك منحه جائزة نوبل !

س:أهو الخوف من منشقين آخرين غير الشيطان عن الله ،وذلك لعدم حصول قيامةٍ أو ما يشبهها بعد مرور ملايين السنين ؟

ج/ما أن تتحرر الروحُ من ربقة الجسد،فتلك هي القيامة .

س:لمَ تصرّ الصوفية على إعادتنا مكبلين وجائعين ومستضعفين رماداً ،لأن الحياة ببصيرتهم ليس غير  ممرٍ لموت البشر وإهلاكهم وتحميلهم ذنوباً لا بثقل الجبال .بينما الله بذرنا على الأرض بجمال خلقهِ. وإذاً لمَ الولادة والتوليد أصلاً إذا كان العدمُ هو الحل الوحيد؟

ج/الأرض مختبرٌ للخلق وتخليق البشر ومراقبة أفعالهم ليس إلا .

س:وألا تصلح السموات أن تكون أمكنة أو مستشفيات للتوليد وتنمية الأجساد ومراقبة المواليد ومحاكمتهم دون تحمل أعباء النزول بهم على الأرض ،ومن ثم إعادتهم إلى الأعلى ؟  

ج/أنه الحق.ولست أنا بضائع في عنه .

س:وكذلك كنت مع الشعر مستلهماً من ينابيع ذلك الحق ؟

ج/لم أعش في الشعر أكاذيبَ الدنيا،بل نحوت نحو الإلهي لأستغرق بالعشق موتاً .

س:ولمَ ترغب بأن يأتيك الموتُ وأنت مشغوفٌ يا حلاج؟

ج/لأستعجل الدخول في النقطة.

س:وهل الله نقطةٌ برأيك يا حلاج؟

ج/أجل.هو نقطةٌ تجتمعُ فيها الأكوان،ولا يحيطُ بها إلا علمه.

س:وما الشعر عندك؟

ج/هو الألمُ الخارج من باطنٍ متأملٍ متشبع بفيض لغةٍ لا تعجز عن تكوّين الكلمات كقرابين حبٍ لرمز الحق في الغيب وفي الوجود. 

س:أن تصبح الكلمات من القرابين أو الأضاحي ،أهي كل ما في الشعر من نشوة ؟!

ج/إنها قصائد الإيمان بما لا يؤمن بسواه بمرور الأزمان.

س:ولم ينزع قلبكَ في الشعر نحو شئ سواه ؟

ج/لم أحسب روحي تميلُ إلى ما أغلقتُ أبواب نفسي علي نفسي ،خشيةً من لحظة شعرية قد تخرج قلبي عن طور العبد للمعبود،فأجنُ وأنتهي كافراً بحب المحبوب.

س:وماذا يختزنُ الحلاجُ في مخيّلته سوى الله والشغب بالله والموت وصولاً إلى الله ؟

ج/ليس غير نوره.فما أن يجتمع برأسي النهار بالليل،حتى تنبلج في قصائدي شموسه وأغرق بالعطر المُطهر لكلّ خطيئة تنتجُ بفعل غفوةٍ تأخذني عنه ،وحتى أقعُ بجرم الانشغال عن نور الله .

س:ألا تعدّ مجنوناً وتائهاً بما لا يرضي الخالق الذي وضع المخَ برأسك وخلقك ؟

ج/أجل. فهو العقلُ وأنا الوهمُ الذي يريد أن يبلغَ حكمته في سبب جنوني ومتاهتي .

س:ألا تعتقد بكونك فلزاً كيمائياً محلولاً بفيزياء الكون يا حلاج؟

ج/أعوذُ بالله من ناظر مدارس العبث ومن شياطين نظريات ما قبل الوجد وما بعد الشغف بالله.

س:وماذا عن الخمريات في  الشعر يا حلاج؟

ج/لقد أصابتني السَّكْرَة الأولى بمجردّ لحظة صلبي .وكلما قطعوّا من جسمي طرفاً،طلبتُ منهم بالمزيد من الثمالة حتى فراق التراب والذوبان بالمحبوب.

س:هل كتبتَ بالله شعراً هنا ؟

ج/ لم أفعل ذلك ،بعد أن وجدت إن الله لا يقرأ قصائد المنافقين ،ولا يمنح شعراء التصوف درجة الشرف على كلّ ما فعلوه ،وذلك عندما أفرغوا الشعر من جمالياته في السحر وفي المراهقة وفي الشهوات التي أنبتها الله في الأجساد،فزجوا به في المقابر والأديرة والمساجد وأضرحة الموتى .

س:هل اجتمعت بأحد هؤلاء الرومي البسطامي ابن الفارض الحسن البصري الجنيد الغزالي التبريزي التلماسي احمد الرفاعي وسواهم من رموز فرق التصوف ؟

ج/لم أر أحداً من هؤلاء .فقد قيل لي أن فرق مكافحة المثليين أبادت كل منحرف وصل السموات .وإن الله براء من ألاعيب هؤلاء اللغوية،فكان الأفول لأصحاب الحلول .