ثمّة عنوانان للرواية التي بين أيدينا الصّادرة عن دار الينابيع ـ  (ثعابين الأرشيف ـ كورتاج لمخلوقات الرّمل والجنّ والرّماد) للروائي العراقي “أسعد الجبوري”  متلاصقان بشكلٍ لا فكاك منه، عام وفرعي، يتناوبان الفعل والتّأثير على القارئ  بغية خلق مشهديّة عالية الدراميّة تعكس مآلات الواقع السوري والخراب الحاصل على كامل جغرافية الدم.

في العنوان العام “ثعابين الأرشيف” نرى انعكاساً رمزيّاً لثنائيّة الخلق الجنسية “ذكورة تتمثّل بدلالة الثعبان مقابل أنوثة تتمثّل بالأرشيف” الثعبان بما يتمتع به من امتداد ومرونة واقتحامية ومراوغة، والأرشيف بما يتّمتّع به من صفات الاستيعاب والاحتواء والعمق تماماً كصفات الرحم الأنثوي. العنوان فرويدي بامتياز ينطلق من دلالات أوديبية واضحة  تعكس العلاقة التنافسية بين الابن والأب لامتلاك جسد الأم  بالمستوى المادي والرمزي، ليكون رحم الأم هو المجال المعرفي الأول لهذا الكائن العجائبي المتشكّل من خلال انتهاكات ذكر عابر لجسدها، بطريقة تعسفيّة تعكس تشوّة كل ما حولنا في هذه الحياة من علاقات اجتماعية وأخلاقية. هذا الكائن العجائبي “طارق” الذي لم يكتمل نموّه الجنيني، والذي تُمارس بحقه كلّ الوسائل اللاإنسانية لمنعه من المجيء إلى هذه الحياة، هو بطل السرد الشاهد الناقم على الممارسات المنحطّة التي تشوه إنسانية الإنسان. يبدأ تخييله منذ تشكله نطفة في الرحم،المعادل المكاني الرمزي للحياة، لنرى تناسل العنوان العام مع موازيه الفرعي في المستوى الفانتازي،حيث لم تنجح كلّ عمليات الإلغاء ومحاولات القتل سواء عن طريق الأدوية أو الإجهاض في منعه من المجيء إلى هذه الحياة. أمّا كيف تنامتْ وتشكّلتْ ثقافة هذا الكائن العجائبي في وسطه الأثيري،حيث مات بعد شهور من ولادته وغاب في العالم الماورائي  ثمّ هبط في صحراء “الطوف” القاحلة التي تعد بؤرة الفكر الوهابي الذي عمّم جرائمه على عموم المنطقة، واستطاع تكوين آراء ثقافيّة ناضجة وناقدة لهذا الفكر الدّموي، فتلك مهمّة القصّ الغرائبي وعوالمه اللامنطقيّة. وقد حمّله الكاتب رؤيته وثقافته المتنوعة المصادر، وأعطاه كلّ هذه المزايا والقدرة على التجدّد والانفلات من الفخاخ المنصوبة له دوماً. ولكن رغم كل غرائبية السرد وتجربيّته ودائريّته التي تراوحت بين مستويين متداخلين هما: التّخييلي العجائبي والتقليدي المألوف، لم يجافِ الواقع، بل كان أقرب إلى مجريات الأحداث العالية السورياليّة الدّائرة على الأرض السوريّة، حيث رأينا التفّنن بطرق القتل وإللّعب على تقنية الصورة وضخّها بكلّ هرمونات المونتاج والإبهار يظهر بأعلى أشكاله. لم يتم ذلك على مستوى المخيّلة بل كان حدثاً واقعيّاً مشاهداً بالصّوت والصّورة واندغاماً للواقع بالميتا واقع  ليشكّلا سويّاً البنية النصّية للرواية.

رواية المأساة السّوريّة بامتياز

تقاطعت مستويات أربعة في الرواية: الواقعي مع الميثولوجي مع التاريخي مع المعرفي الفكري، وكثرت الثنائيات الضدية”الموت والحياة، الجهل والمعرفة، السماء والأرض،الظلمة والنور..الخ…” لتفسح المجال لصراع خفي أسهم بزيادة حيويّة السرد  كما تعدّدت القفلات السرديّة وكثر التداخل النصّي بشكلٍ لافت مع المقالة الصحفيّة والدراسة التّنظيريّة حتى غدونا أمام عملٍ سردي فنّي قد يُحار في تصنيفه التقييم الكلاسيكي، هل يسميّه سفراً تاريخيّاً لأرشفة الوجع السوري في عصر تغوّل العولمة واستثمارها لأدواتٍ ظلاميّة تكمل ما عجزت عن تحقيقه، وهو ضرب أسس المركزيات والهويّات المتماسكة نسبيّاً؟  ثمّ هل مهمّة العمل الأدبي الأرشفة والتأريخ؟ وإلى أيّ حد تقبل الرواية العمق المعرفي والفكر التّنظيري الذي قد يرهق كاهلها، إذا لم تستطع توظيفه بما لا يخلّ ببنيتها الأدبية كنص سردي فنّي بالدرجة الأولى؟ وهل المطلوب من القارئ التّحلّي بصفات خاصّة لهضم تقنيّات العمل  التجريبي،ترهق المخيّلة وتمنع استرسالها وتحليقها ليجد نفسه مضطّراً لمتابعة تفاصيل مادة نظريّة جافّة تضاف فجأة إلى سياق التّخييل بحجّة إعطاء خلفيّة معرفيّة غنيّة لها؟ أم أنّ ثمة مشكلة أو خلل في المعطيات التي توافرت عليها الرواية فأغرقتْ قارئها في الملل مهما اجتهد للخروج منه؟. هذا النّمط من الكتابات المشبعة بهواجس التّجريب كيف سيقرأ كنصوص أدبيّة وهو المليء بمطبّات التّشتيت التّنظيري للذهن بما تضمّنه من حشدٍ كبير لنصوص معرفيّة ومصادر تاريخية ومقبوسات وهوامش تراثية ومرجعيّات علمية وتنظيريّة مختلفة خلقت فجوات كثيرة بالمعنى السّلبي، أتراها كانت مقصودة من قبل الكاتب؟ وثمّة تساؤل آخر، قد يخطر للبعض،هل هرب الكاتب إلى الميثولوجي والتاريخي خوفاً من شرطي الرقابة، حقيقة ليس الأمر كذلك فالرواية قد تجاوزت الكثير من الخطوط الحمراء. إنّها رواية المأساة السورية بامتياز كما قيل في كلمة التصدير على الغلاف، رواية المسكوت عنه الذي نما في الظلّ وبتواطؤ مع الأنظمة السياسيّة التي ساهمت بتغذية الفطريات الأصوليّة ظنّاً منها أنّها تستطيع التحكّم بها، لتغدو فيما بعد كائنات وحشيّة كادت تلتهمها وتهدّد عروشها. المأساة التي صدّرتها الوهابيّة السّعوديّة إلى العالم أجمع جسّدتها الرواية من خلال رمزيّة “الشيخ فليفل” كائن المستنقعات الأصولية، وشخصيّة “حميدان أبو البراغي” تاجر الجثث الذي يشكل الوجه الآخر للأصولي المافيوي الذي أنتجته الحرب ووهبته صفات الثعبان الخارج من جحور التاريخ  والمتلهّف للّدغ وبخ السّموم بكلّ الاتجاهات. بين هاتين الشخصيتين تقع بؤرة السرد لتشعّ بضفائرها على كامل المتن الروائي. هي تراجيديا سقوط العقل العربي”إن وجد” ومنظوماته الفكرية والأخلاقيّة في هوة لا قرار لها، حيث كان لابدّ من ملء الفراغ، لذلك أتى الفكر الأصولي واحتلّ كل المساحة  بلا منافس.

الأحداث كثيرة ومتشابكة القفلات في الرواية ومتشعبة وكل حدث ينطلق من “نواة” خاصة به تشكل “نوية” ضمن الحدث الكلي ذي الجوهر الواحد وهو الفضح لقوى الظلام الأصولي. ومن ثم تأخذ المفردة هويّة أخرى حين ترخي بأشعتها على القارئ لتصبح “ظلالاً أخرى للنص” وقد تأتي على شكل هامش تاريخي يطعّم به السرد إلى جانب عناوين شاعرية أخرى ترخي بموسيقاها على عوالم النص مثل “جذر النص، غبار الرواية، طوفان السرد،لحظة الراوي، شهوة النص، بخار النص”.

الراوي العليم صاحب ضمير المتكلم هو الراوي الأساسي الذي استخدم آلية الوصف السردي ليصبغ الواقعية على عمله. وهو هنا الكاتب الذي طغت ثقافته وأفكاره على حركة الشخصيات الساردة ووجهتها كما يحلو له غالباً لا كما يفترض أن تكون في الواقع. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ الشّخصيّات ليس لها نظائر في الواقع بشكلٍ أو بآخر.

في النهاية أقول: إنّ رواية “أسعد الجبوري” العالية التراجيديّة قد نجحتْ في زجّنا في دهليز طويل معتم مليء بالوحشة بطول وعمق المشهد المأساوي السوري المعاش.

أوس أحمد أسعد