آصف إبراهيم

  • 24 أكتوبر، 2019
حوارات مفترضة مع شعراء راقدين في غرف الغيب

يعتبر الكتاب الصادر حديثا عن الهيئة العامة السورية للكتاب للمؤلف أسعد الجبوري بعنوان “شعراء نائمون في غرف الغيب.. حوارات بريد السماء الافتراضي”، موسوعة شعرية شاملة تعيد استحضار شعراء عالميين وعرب، راحلين، إلى الحياة لإجراء حوارات مفترضة معهم تتناول سيرتهم الشعرية والشخصية في محاولة لإعادة تسليط الضوء على تجارب  تركت أثرا هاما  في الحياة الأدبية العالمية على مدى مئات السنين الفائتة.

شمولية الموسوعة تتجلى في جمع شعراء من جنسيات مختلفة، استهلت بمقدمة طويلة للدكتور مازن أكثم سليمان أراد منها مقاربة وإيضاح منهجية حوارات الجبوري، لكنها جانبت الغاية المرجوة، وجنحت نحو الاستعراض النقدي البلاغي، وتوسيع الفجوة بين الكتاب ودوره الاجتماعي عبر تعميق الالتباس والإعياء الإيضاحي بلغتها الطبقية المقعرة، التي تتخفى خلف موضة التجديد والابتكار،وكأنه يقول لنا ماقاله الشاعر أبو تمام لأبي سعيد الضرير “لماذا لاتفهم من الشعر مايقال”.

سجال الغائب

يبدأ الجبوري حواراته بسجال مع أنسي الحاج الشاعر اللبناني الذي يعتبره معاديا للبعد الإرهابي لقواميس اللغة ومعاجمها القاسية، فقد كتب الشعر متخفيا خلف شجرة، أو جدار، تفاديا لردَّة فعل اللغة على كتاباته الشعرية الحادة وغير المحصنة بتيار الحداثة آنذاك، لينتقل بعد ذلك لحوار الشاعر الفرنسي آرثر رامبو ليحاججه بعدم صوابية فكرة الابتعاد عن النساء، الصفة التي لازمته ودافع عنها بقوة، ويبين أثر تربيته تلك على التكوين الشعري عنده والتحولات التي شهدتها مسيرته الأدبية لاسيما تأثره بالقرآن الذي بدا واضحا في بعض مواضيعه الشعرية.

وفي حواره مع أمل دنقل الشاعر الذي جاء من صعيد مصر يحمل معه ملامح بيئته ليفرض نفسه مجددا ومبدعا، يتوقف الكاتب مطولا عند القصيدة الشهيرة “لا تصالح” المستوحاة من وصية وائل بن ربيعة لأخيه الزير سالم في ملحمة حرب البسوس الشهيرة. ويتابع الكاتب مع الشاعر المكسيكي أوكتافيوباث الذي ورث جينات والده السياسية عندما انخرط في الأعمال الهادفة إلى تخليص البلاد من براثن الاستعمار والفساد وتشتيت الهوية، ولهذه الغاية اختار العمل في السلك الدبلوماسي سفيرا لبلاده في دول عديدة حول العالم، وقد اتهم بالتورط في الحرب الأهلية الاسبانية بدافع من الشاعر بابلو نيرودا عراب الثورات في أمريكا اللاتينية واسبانيا، وملهم الحركة الشعرية اللاتينية.

ضمن هذه الأجواء السياسية يتوقف مع الشاعر محمد الماغوط الذي ثار في شعره على تراث العبودية والقهر، والخنق اللاهوتي، قبل أن يغوص في سجال إشكالي حول علاقته بزوجته الشاعرة سنية صالح  وأدونيس وارتباطه الوطيدة  بالمسرح التهكمي الناقد.

اللغة روح الشعر

ويشبه الشاعر الأمريكي عزرا باوند الذي يستحضره من عالم الغيب بابن المقفع والفراهيدي وسيبويه نظرا للغات السبع التي يجيدها، وببشار بن برد في افتتاحه نهجا جديدا في الشعر الحديث شكلا ومضمونا كجزء من الحركة الحداثوية التصويرية.

ثم يعود مع الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري الى بداياته ودراسته اللغة والفقه في النجف الاشرف، تلك البداية التي منحته فرصة رضاعة الشعر، قبل أن يمخر عباب السياسة، والمنفى، وعلاقته بالمرأة، لينتقل إلى جوار العراق مع الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد ليتناول دورها كملهمة للنساء ومثلا لهم في التمرد على الواقع واقتحام عالم المحظورات.

أما شاعر الشام الملهم نزار قباني الذي لم يكتب قصيدة إلا وكانت دمشق محفورة فيها بكل فصولها، وردا ونساء وطيرا وعطرا، يلتهب الحوار معه عندما يحكي عن موت العربي على سرير إسرائيل فيكتب دواوين يرثي فيها أحوال العرب وبؤسهم السياسي والاجتماعي والأخلاقي.

الشعر والحرب

ويبتعد الجبوري عميقا في التاريخ ليستحضر صاحب الأوديسة والإلياذة الإغريقي هوميروس ليعقد له جلسة محاكمة حول الملاحم التي أشعلت الشعوب بحرائق الحروب وجنون الرغبات والخيانات والصراع على التيجان، تلك الملاحم التي طورت الثقافة والأدب الأوروبيين فيما بعد، ليعود إلى شاعر المقاومة والثورة محمود درويش فيخوض معه سجالا حول الشعر والموت والخطابة والصفصاف السياسي، والخطوط الحمر والقفص الذهبي والمنافي المكررة، وبعده يستنطق فدريكو جارسيا لوركا شاعر إسبانيا العظيم الذي قتل ضحية ثأر عشائر بين قبيلتي روبيو وفونيتيفا كيروس من جهة ورولدان وألبا من جهة أخرى والتي كانت تكن لمؤلف “عرس الدم” عداء تاريخيا ،و فعلت مابوسعها حتى يلقى مصيرا أسود انتقاما منه على الوصف الهدام الذي وصف به نساءهم في مسرحية “بيت برناردا ألبا”.

تحريض اللاوعي

مع الشاعر اللبناني يوسف الخال يتحدث عن تحرير الشعر من أسر التاريخ ونمطية النظرة الدينية الفقهية، أي من سلطة المعجم والماضي، مقدسا كان أو تاريخيا، ودفعه باتجاه التفكير الفلسفي والحدس وتحريض اللاوعي وتراسل الكلمات.

أما سعيد عقل الذي اعتمد على ظلال اللاهوتيات في مشروعه الشعري، كما يرى الجبوري، فقد أفرد له حيزا للدفاع عن الآراء التي أطلقها وقوبلت بردات فعل عنيفة من قبل أقرانه،لاسيما دعوته لتبديل العربية بالمحكية الدارجة وتغيير الحرف لجسر الهوة بين مفردات القاموس وبين الناس في الشارع.

واحتاج الحوار مع العراقي عبد الوهاب البياتي لهدنة سياسية نظرا للمعارك الكثيرة التي خاضها مع شعراء كثر أمثال أدونيس وبدر شاكر السياب ونزار قباني الذي وجه إليه إهانة عندما قال عنه: “لولا المطرب كاظم الساهر لم يُعرَف..”.

وهكذا يواصل الجبوري سجالاته المفترضة مع شعرائه الذين استعادهم من عالم الغيب وهم أكثر من خمسة وثلاثين شاعرا ينتمون إلى فترات زمنية وتجارب شعرية مختلفة قدم تحليلا منهجيا مبتكرا لحياتهم وسيرتهم الشعرية بلغة بسيطة وواضحة.

((جريدة البعث السورية ))