زينايدا غيبيوس.. سيّدة العصر الفضي(1) الأولى

زينايدا غيبيوس (20 نوفمبر 1869 ــ 9 سبتمبر 1945)شارك هذا المقال 

  بمناسبة مرور 20 عاماً على وفاة زيانيدا غيبيوس، نَظَمَ فلاديمير زلوبين، مؤلف أول كتابٍ يتناول حياة وشعر الشاعرة هذه الأبيات:

انتهى كلّ شيء. وليس هناك خير ولا شرّ
لم أشهد ربيعاً أكثر سعادةانقضى 20 عاماً على رحيلك
وشمس الربيع لا تظهر.

الآن، تمر الذكرى 150 على ولادة الشاعرة. لكنّ هذا الضوء لا يخمد، وهو بالنسبة لنا ليس ضوء الشمس، بل هو ضوء قمريّ. في عالمنا هناك “أشخاص من ضوء القمر”. وزيانيدا نيقولايفيتش غيبيوس واحدة من هؤلاء. وللمناسبة، كان بإمكان زينايدا أن تكون أيّ شيء، فتتحول من “سيدة مغرورة بمنظار الأوبرا” إلى فتاةٍ صغيرة، وإلى أختٍ مرحة، “سافو سانت بطرسبرغ”، “شيطان أبيض”، أو “ساحرة”. تحدثت، كمخلوق معطّرٍ بأناقة، إلى “هنريخ ريكّرت”(2) عن الفلسفة والخرافة، وأذهلت معلِّم “الكانطية الجديدة”(3) neokantianism بفهمها المسألة.
كانت على معرفة بالجميع. ومَن مِن الشعراء لم يذكرها في قصائده، أو من الكتاب لم يرسم صورتها في مذكراته، أو لم يشر إليها في رسائله! اسمها يتردد في مقدمات كتب كبار الكتاب مثل: بلوك، بريوسوف، سولوغوب، آداموفيتش. كما كانت تطلّ حيّةً من صفحات مذكرات: تيفي، بيلوف، ماياكوفسكي، بيرتسوف، وبيربيروفا. ولم تغب من يوميات بونين. من جانبه، ألّف إيلين أشعاراً لاذعة بحقّها (ولكنّها أشعارٌ فكاهية)، أرسلها إلى شميليوف. أما رسائلها الخاصة، فأمرٌ آخر!! إذ كان م. فيشنياك يقارنها بـ”رسائل رائعة” موجهة إلى معسكر الأعداء: كانت زيانيدا نيقولايفنا أستاذةً في الدسائس الأدبية – السياسية. كم هي جميلة هذه الرسائل – تلميحات بين السطور، التجاهل، وما يميزها لوحدها هو تلك النبرة التي لا تتكرر!.. كانت تكتب للجميع، وكان كثيرون ينضمون إلى دائرتها!: بيرديايف، كارتاشوف، سافينكوف، كيرينسكي – وهؤلاء لاعبون في ساحة الفلسفة والسياسة، وليس الأدب. ولا ننسى أنّها لم تفترق عن “ميريجكوفسكي”، الذي كان قبل كلّ شيءٍ “رجلاً ذكياً جداً” (فوصف تشيخوف قيمٌ جداً).
كان “تفرُّد” زينايدا غيبيوس تفرداً مدروساً بعناية، وطبيعياً في الوقت نفسه. بالطبع، كان لغيبيوس دور: فهي تلعب أدواراً مختلفة. ففي قرن المسرح والتنكر الفضيّ، كانت شخصيةً متميزة على خشبة مسرحها الخاصّ بها. وبدوره، يردّ القرن لها الجميل: إعجاباً، وانبهاراً، أو كراهيةً. غير أنّ سبب شهرتها لم يكن فقط السحر والفتنة. فهل كان (ميريجكوفسكي) يعتزم أن يصنع من تلك الفتاة الصهباء الفقيرة، التي جاء بها من تبليسي عبر الطريق الحربية ــ الجورجية ( تلك الطريق بالذات التي ستصفها في مذكراتها، مع كثير غيرها من الطرق) “السيدة الأولى في القرن الفضيّ”؟ هذا أمرٌ ممكن. فقد أدرك ميريجكوفسكي أهمية هذه المرأة – سيّدة الصالونات، وهو خريج كلية التاريخ والفلسفة في جامعة سانت بطرسبرغ (لم تحصل زينايدا على شهادة الثانوية، مع أنّ والدها من أصولٍ ألمانية نبيلة).
لم تخيّب “زيناتشكا/ اسم دلال زينايدا – (المترجم)” توقعاته. في البداية، دخلت صالونات بولونسكي ، وفينينغير. ومن ثمّ نظّم آل ميريجكوفسكي أنفسهم محافل أيام الآحاد. لعب الزوجان ميريجكوفسكي الدور الأكبر في تنظيم لقاءات دينية – فلسفية (أعوام 1901 – 1904)، والتجمّع الديني- فلسفي (أعوام 1907 -1917). وفي سنوات الهجرة الأولى، تمّ إنشاء “اتحاد من لا يساوم” المناهض للبلاشفة، ومن ثمّ المجتمع الأدبي السياسي “المصباح الأخضر” (1927 – 1939): لعامة الجمهور، وللدائرة الضيقة من الأصدقاء المقربين والأشخاص متشابهي التفكير (كما هو الحال في روسيا نفسها).
بالإضافة إلى ذلك، التعاون الوثيق مع ناشطين في المجال الاجتماعي قبل الثورة، والحركة المعادية للبلشفية في بولندا (1920 – 1922)، وكذلك العمل الصحافي.
قبل الثورة، من خلال “الطريق الجديدة”، والمشاركة في مجلات “عالم الفنّ”، “الميزان”، “الفكر الروسي”، وفي الصحف “الكلمة”، “الخطاب”، “النهار”، “صباح روسيا”، وغيرها.
بعد الهجرة، المشاركة في صحفٍ، مثل “القضية العامة”، و”آخر الأخبار”، و”النهضة”، وفي مجلات مثل “ملاحظات حديثة”، و”الخليّة”، و”الرقم”، و”البيت الجديد”، و”السفينة الجديدة”. تلك هي الإصدارات الأكثر أهمية بالنسبة إليها.
كان أنطون كرايني (اسمها المستعار الذي استخدمته) ناقداً دقيقاً ومناظراً حادّ الذكاء، وحظي بتقديرٍ عالٍ في الأوساط الأدبية والسياسية، وليس فقط من أصدقائه والمقربين. كلّ هذا مضى، انتهت المسرحية، وأسدلت الستارة، وأزيلت الديكورات جميعها.
في السابق، إن كان بإمكان الإنسان نفسه، وشخصيته وأهميته في الحياة الأدبية، أن تحجب إبداعه، فإن هذا الإبداع يندفع الآن إلى المقدمة: وها هي أشعار ونثر ومقالات غيبيوس النقدية تأخذ مكانها الذي تستحق على الساحة الأدبية. أثناء حياتها، حظي شِعرها بكثيرٍ من التقدير. وفي وقتنا الراهن، تطبع هذه الإبداعات بشكلٍ رائع، وتحظى بكثير من التحليل والتعليق. وبشكلٍ دوريٍّ، تنظم المؤتمرات المكرّسة لإرثها في روسيا، وفي الخارج، وتصدر مؤلفات تتضمن التقارير والمقالات التي تركتها. وفي الوقت نفسه، قام (ت. بروكوبوف) بجمع آثارها النثرية ما قبل الثورة، في حين تولى (نيكوليوكين) جمع ما كتبته في المهجر. أمّا (م. غيهتمان) فقام بتنظيم منشوراتها التي كتبتها أثناء حياتها.
فمن هي إذاً غيبييوس في المقام الأوّل؟ هل هي شاعرة، أم كاتبة نثر، أم ناقدة أدبيّة؟
هي شاعرة، وشاعرة متميّزة بذاتها. هي “فريدةٌ” جداُ، كما وصفها (أ. بلوك)، وهي إنسانٌ فريد في الدرجة نفسها. وإذا كنّا نبحث عن التقاليد، فيجب علينا، في الغالب، أن نتذكّر (باراتينسكي): من حيث الفلسفة، البرودة، الحزن العميق، وفي نهاية الحياة – اليأس. غير أنّ قصائد باراتينسكي لم تكن على هذه الدرجة من “الصنعة” ومبتكرة بهذا القدر. مثل هذا الاهتمام بالشعر، من حيث الشكل، كان ميزة آخر فترة العصر الفضيّ. في العصر الذهبيّ، أصبح بإمكان الشاعر التمتع بحريةٍ أكثر.
بالنسبة لشعر غيبييوس، هناك العديد من التعاريف: كهربائية (بونين)، تسجيلات في يوميات (غ. آداموفيتش)، جفاف قاسٍ وجليديّ (س. ماكوفسكي) وسواها. يقترح الناقد الأدبي المعاصر (أ. بلينوف) نموذج غيبييوس ذاتها: “جليدٌ يغلي”…تعجبنا المقارنة مع الزهور الجليدية، التي تتفتّح في الشتاء البارد على شرفات البيوت: ببرودتها اللاذعة، جمالها الهشّ ودقتّها، خطوطها الهندسية الدقيقة. ولنتذكّر بعض ميزات هذه الأشعار – وما الذي يميّزها، حتى على خلفية العصر الفضيّ العجيب مع كلّ “تعقيداته التي تتفتّح أزهاره”. وهذا قبل كلّ شيءٍ الشعر الديني. لا يتعلق الأمر بمحاولات تأليف “صلواتٍ” خاصّة (تبدو أحياناً ذات معنى مزدوج). يتعلّق الأمر بشيءٍ آخر: في العودة إلى مفاهيم الدين الأهمّ – إلى الإيمان، الحبّ والندم. يتعلق الأمر بوجود التجربة الدينية الذاتية، التي بدونها يستحيل فهم هذه المفاهيم.
منذ بداية القرن العشرين، كانت الشاعرة تتوجّه إلى المخلّص (المسيح) بهذه الكلمات:

أنا لا أجرؤ أن أطلب منك،
فكل ما أحتاجه – تعرفه بنفسك:
أنّ حياتي – التي هي كلّ ما أملك 
أضعها الآن عند قدميك.

أقسى ما عانته الذنوب، المغريات، وصراعها معها. كتبت الأديبة حول هذا الموضوع  حكاية رائعة “الجسد المقدّس” (1901). وفي هذه الحكاية الرائعة نرى القوة التي تظهرها البطلة في كفاحها ضد الإغواء، المجد لتلك القوة – فهي تذكِّر بـ”المبارزة” لتشيخوف؟
في الشعر، يبدو الموضوع ميؤوساً منه أكثر (فشاعرتنا أكثر قسوةً في الشعر، منها في النثر، وخاصّة في شعر المهجر):

ونحن نسامح أيضاً، والربّ يسامح أيضاً.
لأننا جاهلون، نتعطش للانتقام.
فالعقاب – عملٌ شرير
في ذاته يختفي، ويذوب.

الخاصيّة الثانية في شعر زينايدا هي عمق المعاني الفلسفية. لم تكن هباءً قراءتها  لـ(ب. سولوفيوف)، وبعده (أ. بيرغسون) مطلع القرن العشرين. فالمواضيع التي كانت تهمها: إمكانية الفهم، جوهر اللعب والشعر، الموت، والزمن.
لنتوقف عند الأخير، أي الزمن، فزينايدا الشاعرة تشعر باستحالة تكرار اللحظة، وتشعر بهرولة الزمن، وتحسً بسحره بشكلٍ رائع:

آخر أشجار الصنوبر مغمورة بضوء النهار.
تحتها جذورٌ مظلمة معشوشبة.
والآن ستنطفئ هي أيضاً.
فقد انقضى النهار – ولن يتكرر.

ويتكرر هذا في النثر: ما قبل الثورة (في “كلمات سماوية”)، وجزئياً في المهجر (في “حلقة الصمت”).
أما الميزة الثالثة في شعرها فهي المهارة المدروسة. إنّها صنعة مزركشة دقيقة التخاريم: مقاطع شعرية، قوافٍ، جميعها تأتي في تناغمٍ صارم مع الموضوع. الكناية والتلميحات المنتقاة بعناية، الإشارة إلى نصوص أُخرى. التلميحات المشفّرة – للعارفين… فهي لم تعلّم الشعراء الشباب نظم الشعر، بل علّمتهم أسرار المهارة الشعرية.
مقترناً بالقوة والتعبير، يعطي هذا الأسلوب أمثلة رائعة:

لا يمكن أن يعود إلى الوراء، لا يمكن أن يصحّح.
لن نغسله بالماء. ولن نحرقه بالنار.
لم يمرّ جانباً!- بل داسنا
ذاك الفارس الثقيل على صهوة حصان أصهب.

زينايدا غيبيوس 


















يتبادر إلى الذهن أنّ رجلاً كتب هذه الأبيات. ولكن لا، بل هي غيبيوس – المرأة في أعلى درجات تجليها. ومن هنا جاءت كلّ الأدوار التي لعبتها، الرغبة في أن تفهم، والتعطش إلى الفهم، والاهتمام ببقية الناس، مراعاة الآخرين. وهي تعرف الطبيعة الأنثوية لدرجةٍ أنّها لا تحتاج إلى ارتداء هذا القناع. ما الذي تساويه قصة “جميع الناس- أخوة!”، وحدها المرأة تستطيع كتابة هذه القصّة. في ختام مقالاتها النقدية، وفي أشعارها، غالباً ما تُسْمع تلك النبرة الأنثوية، وكأنّها تنهيدةٍ خفيفة، أو سخرية ناعمة:

أُعطيت مفتاحاً سحرياً،
وقد حافظت عليه.
علاه الصدأ دون أن يلحظه أحد…
وانقضت آخر مهلة.
أسير على جسرٍ متعرج.
ومياه النهر المعكّرة تفور.
وترتطم التيارات بهدوء
بالغرانيت القاتم،
بغموض وبدون كللٍ،
تتمتم عن شؤونها،
ناثرةً زبدها الصدأ
ليتناثر تحت الجسر.
وفي فورة المياه،
رميت مفتاحي الذي لا لزوم له.
واختفى، مخترقاً التيارات،
واستلقى في مكانٍ ما، على القعر…
إغفر لي شوقي.
ولا تفكّر بي.
كثيرة هي السنوات التي مرّت — وما زلنا نفكّر فيها!

هوامش:
(1) العصر الفضي: يطلق على فترة من تاريخ الأدب الروسي (من نهاية القرن 19 إلى العقد الأول من القرن العشرين). شهد هذا العهد ظهور كتابٍ وأدباء روس كبار مثل تولستوي، تشيخوف، ومكسيم غوركي.

(2) هنريخ ريكرت (1863 – 1936): فيلسوف ألماني مثالي. من زعماء مدرسة بادن للفلسفة الكانطية الجديدة. أشهر مؤلفاته: “فلسفة الحياة”، و”علوم عن الطبيعة والعلم والثقافة”.
(3) الكانطية الجديدة: تيار فلسفة مثالية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. حاولت إحياء فلسفة “كانط”، وحلّ مسائل الفلسفة الأساسية انطلاقاً من مقاربة “كانط” المثالية وحدها. عاشت فترة ازدهار خلال الفترة 1890 – 1920، وهيمنت على العديد من الجامعات الألمانية والفرنسية، ولاقت بعض الانتشار في إيطاليا وروسيا أيضاً.

عنوان المقال:
Первая леди Серебряного века (سيّدة العصر الفضي الأولى) – الصحيفة الأدبية/ ليتيراتورنايا غازيتا.

رابط المقال: https://lgz.ru/article/-47-6714-20-11-2019/pervaya-ledi-serebryanogo-veka/

ترجمه عن الروسية: سمير رمان.

  • المترجم: سمير رمان