بريد السماء الافتراضي

مقدمة:
كان الوقت ملبداً بغيوم ضخمة.ولم يكن أمام تلك البحيرة،غير ريح لم يقو عودها على الحراك.وردٌ أصفرٌ قرب كتاب ضخم.ورجلان مع امرأة يتبادلون الأحاديث بهدوء .كل فرد يجلس على كراسي مغطى بقماش أزرق.إلى جانب أحد الرجلين ،ينتصب قفص كبير،تدخل وتخرج منه العديد من الطيور .القفص مفتوح.ومغطى بأوراق،كانت تساقط من حبل غسيل طويل .وما أن يتم الاقتراب من الجالسين ،حتى بدا المشهد واضحاً إلى حد ما.
الشاعر بدر شاكر السياب الذي نبحثُ عنه،لم نر له وجوداً بين الجالسين الثلاثة.لذا،انطلقنا نمشي تارة،كما كنا نفعل ذلك على الأرض،ونطير تارة أخرى،لضرورات الموقف السماوي الذي وضعنا فيه،بحثاً عن الشاعرفي أماكن أخرى.لم نر شيئاً يدل على وجود الشاعر بين بشر تلك المناطق ،ولا بين ملائكة المقاطعات الأخرى،مما اضررنا إلى السؤال عن السياب،عسى أن يقل جهد البحث عنه،ويدلنا أحد عليه.وجدنا امرأةً في أول السرب،فطرحنا عليها إن كانت تعرف شاعراً باسم السياب أم لا؟
ضحكت المرأة ،وأشارت إلى الأشخاص الثلاثة الذين يجلسون قرب البحيرة،عند قفص الطيور.وعندما أخبرنا المرأة،بأننا لم نتعرف عليه بين الأشخاص الثلاثة ،قالت لنا ،لقد استبدل بدرُ كامل قطع غياره القديمة ،فصار شاباً رياضياً،يمارس الصيد والجمباز ويذهب مع الملائكة في رحلات سياحية إلى منابع النور في وادي النساء.
عندما عدنا إلى الثلاثة،وسألنا أي من الرجلين يكون هو السياب؟
لم يطل الأمد،حتى مد أبا غيلان يده مصافحاً،ومُعرفاً عن نفسه وعن الشاعرة سيلفيا بلاث ،التي كانت تجلس إلى شماله، وعن الشاعر اللبناني إيليا أبي ماضي الذي كان يجلس على يمينه،وهو يدخن السيجار.
تنفسنا الصعداء،ونحن ندقق في وجهه .لقد بات مشرقاً،لا يمت بصلة إلى شكله الماضي تماماً.إلا إنه،ومع استمرارنا بالتحديق وبالتدقيق بوجه، حتى ظهرت بعض ملامحه القديمة ،لتدل على شخصيته.
– كيف وصلت إلى هنا يا بدرُ ؟
– ليس أسهل من السفر إلى هنا. لقد وصلتُ مشياً بين الحقول دون تعثر أو تعب.
– هل كل من معك وصل ماشياً؟
– ليس بالضرورة.فثمة من يأتي إلى هنا على ظهر مركب أو على جنح طائر العنقاء.كذلك منهم من يصل مضغوطاً بكبسولة من الليزر .
– كيف يصبح الموتى أحياءً هنا؟
– البشرُ لغاتٌ هنا. وكل مخلوق هو مجموع كلمات،ما أن تكتمل،حتى تتحرك كالحمم سطر من هذا الفضاء العميق.
– لم تعد حزيناً ،كما كنت في العراق؟
– أعرف ذلك.لقد تجاوزت مرحلة الخطر.وكما تراني،فأنا الآن أرفلُ بصحة يحسدني عليها هرقل زمانه.
– هل شُفيت مما كان يتربص بجسدك تماماً؟
– شُفيت .وبدلت كل محركات القهر التي أحرقت في القديم جسدي ،بما في ذلك المحركات الشعرية التي تربيت عليها أولاً ،وما جاء بعدها من شعر حر.
– ألا تخشى من مخاطر تصريح كهذا ،قد يدل انحيازك لقصيدة النثر؟
– لا .أبداً .الحرية هنا أكثر مما تتصور، أو هي أوسع مما تكون على الأرض.
– لكن ناراً قد تصيبك من نازك الملائكة ؟!
– لا تخف .نازك دميةٌ وديعة.لكنها عدو شرس للحداثة،لأنها تعتبرها استقلالية عن الموروث. .كأنها امرأة أقفلت على نفسها الأبواب،متوهمة،بأن تأليفها لبعض الشعر الحر،كان بمثابة جناية.لذلك كان ارتدادها سريعا،وموثقاً بكتاب !!
– ربما، لأنها امرأة تؤمن بالزواج وبالطلاق
– يجوز أن يكون ذلك صحيحاً،ولكن نازك،ربما كانت تعد الوعي بحرية التحديث إثماً يجب التخلص منه أو محو مصادره.
– هل كان يشبهها الشاعر عبد الوهاب البياتي في ذلك أيضاً؟
– كلا. عبد الوهاب لا يؤمن إلا بذاته.حتى صار ذلك الإيمان مرضه الوحيد .
– لكنه كان صديقك ؟
– صديقي ،لأغراض الصيد في المياه العكرة فقط !!
– هل حدث ذلك ، بسبب التنافس على قلب الشاعرة لميعة عباس عمارة مثلاً ؟
– ذاك ما كانت تظنه لميعة من طرفها وحسب، حتى إنها لا تزال تكتب عن ذلك الحب الوهمي الملاحم والأساطير حتى اليوم.
– وغرامك بها، ألمْ يكن حقيقة ؟
– الحقيقة أن لميعة كانت تفصل العشاق على مقاسها الوهمي الخاص. فهي ،إن صادفت تمثالاً في شارع ما ، قد لا تتواني عن الادعاء، بأن حجر ذلك التمثال هاج حباً بها وماج. بل وربما يكون قد غمزها أيضاً !! .
– تعني بأن أحداً لم يقع بحب لميعة مثلاً؟
– لا أعرف بواطن تلك المرأة ولا أزقتها. كنت مشغولاً بالمرض وبالعمل والبحث عن القوت وتصحيح بعض قصائدها.
– لدرجة أن تدير الظهر للحب؟
– لم يكن في العراق من حبّ آنذاك .الغرام العراقي،غرام من البارود. كانت الأحزابُ تقتل كل شيء
– لذلك هربت إلى الكويت؟
– هربت إلى هناك ،من أجل أن أكتب إلى شناشيل أبنةالجلبي شعراً
– وكانت قفزة شعرية برأيك.أم هي مرحلة أولى لتصنيع نوع من النواح الحاد الذي يتركُ أثراً في الصخر؟
– عندما يتعشق الحب بالموت،فكلاهما يصبح جسداً من زجاج بلون الدم.
– – ميلتون يعتقد بأن بطولة الشاعر ،تكمن في التوق لتدمير الذات.هل كنت تقذف تلك في الجسد لتقول وتفعل وفقاً لتلك الفكرة؟
– لم أكن ذاتاً في يوم من الأيام،بل كنت التدمير بعينه.وبطولتي، تذكرني بجسد ،كنت أحمله كالورق الذي يلفظ الروح ممزوجاً بالنار ؟
– نعلم أن الشعراء حتى الأقوياء منهم يأتون ضعفاء ،ذلك لأنهم كل واحد منهم يبدأ مثل آدم،حالماً، وليس مثل الشيطان مستبطناً على حد تعبير هارولد بلوم. هل كنت غير ذلك ؟
– أنا بدأت شيطاناً قوياً في الظاهر قبل الباطن الشعري.لعبت مع الموت،لعبة التناص مع الخلود لغوياً،دون أن أترك للموت فرصة لاجتثاث الشعرية من مجرى حياتي.
– هل كنت متقدماً على اللغة في شعرك.أم العكس؟
– كنت مثل أفعى الماء، أجهش بالبكاء وأنا في مجرى اللغة.لا أعرف إلى أين ستذهب بي.ولكنها في أغلب الأحايين،كانت تدلّني على سفن ومراكب فيما وراء الضباب.
— هل كان ذلك بسبب وجودك على سطح مياه الخليج؟
– لا أعرف.إلا أن ذلك، ربما يكون بسبب شيء آخر، كان يتموج في باطني ،ويدفعني لخيار آخر غير الحياة .
– – خيارُ إقبال ،والسقوط في حبها مثلاً؟
– لم تكن إقبال خياراً،كانت هي المصير كاملاً. فبسبب ماءها،تعمقتُ بالغرق في ذلك المجرى ،لأن تيار إقبال هو من سحبني إلى هناك ،بعد خسارات غرامية وبرد عاطفي وصل إلى درجة التجمّد .
– لتختنق كمركب مُتعب ،ثم تفنى حباً ،لتبكي عليك البشرُ وآلهة الشعر وثعالب التاريخ؟
– – المهم.أن يفرح البياتي!!
– هل كنت تدرك بأن رحيلك ،سيجلب السعادة للبياتي مثلاً؟
– نعم.كنت أقرأ ذلك في عينيه غيباً
– ولكنكما من حزب شيوعي واحد؟
– البياتي أخذ من الشيوعية الكراسيّ .فيما أخذت أنا المرض منها .
– كيف هي حياتك الآن ،بعيداً عن غيلان والبصرة والعشار وجيكور ؟
– أتدركُ بأنني مشتاق حتى إلى سعالي القديم . كل شيء تطوّر عندي. الشعر الحر،لم يعد غير سياحة كلاسيكية قديمة في اللغة .لذلك تركت مراعيه لنازك الملائكة،لأنها أشطر شاعرة انقلابية ،وتستطيع قيادة الكلمات وتنظيمها مثل قطعان الماعز على أية طريق الزراعية .
– وهل ما زال بينكما الخلاف على ريادة الشعر الحر يا بدر؟
– دعني أعترف لك بشيء مهم . الشعر الحديث الذي كتبته،لم يكن وليد معرفة أو تخطيط ،بل كان ظلاً لقريحة مصابة بمرض عميق في بدن كان ينقرض بسرعة البرق.
– وهل الأمراض وحدها تصنع الشعر أو تخلقهُ مثلاً؟
– ربما ،ولذلك تجد حفار القبور في قصيدة كتبتها.وهو إن لم يظهر علانية هنا أو هناك، إلا أنه موجود في كهوف كل نصّ؟
– هكذا كان الأمر. شعرك محفور بمختلف المعاول. كأنك لم تكتب،بل كنت تحفر الكلمات في الأنفس حفراً.ولكن قل لي:ما سر هيامك بالأساطير؟
– منذ أن كنت طفلاً تاهت عنه أمهُ على مقربة من نهر بويب،وأنا أحاول التعويض عن ذلك الحرمان بشئ آخر غير الدمى.ولأنني لم أجد شيئاً من ذلك القبيل، فقد أستخدمت طاقتي الذهنية باللجوء إلى تلك العوالم الفوقانية الثرية بالخيال . فوجدت فيها كل ما كان غائباً عني.وكذلك وفرّت لي الأساطير ما كان ينقص عالمي الوجداني.
– – هل كان ذلك بتأثير من وود زورت وكيتس وشيلى وت .س.إليوت؟
– أنا قرأت وتشعبت وفضت. والأساطير التي في العراق،قد لا تشبهها أساطير العالم.
– ولمَ تعتقد ذلك؟
– ربما لأن الأساطير العراقية،تجعل المرء يعيش الحالتين معاً:عالمه الواقعي والعالم السفلي في آن واحد
– ولكن الأساطير في شعرك،كأنها من أجل تطهير الكلمات من خرافة الواقع الممل إلى خرافة عالم فانتازي ؟
– الأساطيرُ جرادُ في النصوص.هذا كل ما يمكنني قوله،لذلك تم السطو عليها من قبل البياتي،دون أن يتمكن من تصريفها كعملة فنية في شعره! بعبارة أدق، تورط فيها!
– – القريحة قبر ينزل فيه الشاعر.ما رأيك؟
– لقد برهنت على ذلك دائماً.كنت أنزل إلى حفرة القريحة،لأستجلب للنص مياه ،تمنع انتشار التصحر في حقول الكلمات
– ماذا تقرأ الآن؟
ليس من كتب هنا لنقرأ.فالمؤلفون عندنا عبارة عن أقراص ،كلما تناولنا نوعاً منها، نصل إلى المعنى ،فنفهم قصد كل كاتب.أمورنا متطورة،أكثر من الانترنت و الفيسبوك وبقية وسائل الاتصال القديمة.
– وهل تراسل أحداً ممن كنت تعرفهم على تلك الأرض القديمة؟
أراسل أدونيس فقط .وقد بعثت له مؤخراً قصيدتي القديمة :
يا ليتني أصبحت ديواني
لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له
يا ليت من تهواك تهواني
ألك الكؤوس ولى ثمالتها
ولك الخلود وأنني فاني؟
– يبدو أنك تريد إدخالنا في مشهد جديد!. فلماذا أدونيس بالضبط ؟
– الشعراء شعراء.منهم قوة صاعدة ومنهم قوة هابطة. هذا كل ما أردت قوله.ربما ،لذلك ترك أدونيس الشعر.
– هل تحس بتأثير شعري في المرحلة الراهنة؟
– الشعر في عالمنا هنا، دون أساطير وفلسفات ونقد وسعير جنسي. نحن نكتب على جلونا بالأصابع،ونتمرس على قوة الجذب الديالكتيكي ما بين الخيالي والخلائقي .فالشعر هوس ذئاب قابلة للتبادلات السريعة.
– والشعر الصوفي ؟
– لا يوجد شيء من هذا القبيل .فما من شاعر هنا، إلا وقد تمرس على الخمر بشكل مطلق،وصولاً للثمالة الأبدية.
– كأنك حجبت عن نفسك كآبة أيام زمان،وصرت مبشراً بسلفية ما ؟
– لا .ليس في هذا ما يدعو للقلق .فما من شاعر تحرر من تلك الأرض،ولا يرفض أن يكون سلفاً للغبار والظلام القديم
– بشكل استراتيجي كما تعتقد؟
– نعم.الموتى هم وحدهم سلفيون.فيما نحن في عالم حر من النظرات الضيقة .ولكنه عالم ممتلئ بحنين عالي المستوى ،كما يقول صديقي الشاعر إليا أبي ماضي الذي تراه جالساً بجواري ،وهو يدخن السيجار ويحتسي الكونياك كأساً بعد كأس .
– ألا يخشى شرطة الآداب أو جند المطاوعة؟
– لا .فهو شاعر، يتجنبوا التماس معه ،خشية أن تبكي قصائدهُ الاغترابية ولا تتوقف.
– والمرأة التي تجلس إلى طاولتك في هذا العراء الأبيض؟
– أنها الشاعرة سيلفيا بلاث
– ولمَ هي معك الآن.هل باتت صاحبتك؟
كلا.ولكنني أعد لانتحارها الثاني قصيدة رثاء جديدة تقديراً لشجاعتها ! –
– انتحارها الثاني تقول؟
– نعم . لم يعد الوضع هنا ، يثير فيها رغبة بالبقاء حيّة. أصيبت .المرأة بالملل وتريد تحولاً آخر خارج الكآبة.
– هل يذكرك وضعها بشعراء أو شاعرات عربيات؟
– لا أبداً.الشعراء العرب،هم الأعمدة وهم القوافي وهم الأوزان فقط،لا يؤسسون شعرهم إلا على نوازع النظام المحكوم بالإيقاع .فيما الانتحار ،لم يكن غير هيجان قطار خارج السكة. لذلك فهم يفضلون الموت شيخوخةً ومرضاً وكبتاً على الانتحار.لا أحد يجرؤ على الإقدام بفعل من ذلك الطراز،ربما لأنهم يريدون الموت مع شعرهم،عندما تصبح القصائد توابيت لجثامينهم.
– ماذا لديك في هذا المساء؟
– سنقوم برحلة صيد في بحيرة أبولو ،فربما أحظى بالمرأة الثعبان هناك، قبل أن تتحول
بخاراً في القصيدة!
– لقد بلغت مقاماً جيداً من السوريالية كما نرى؟
– ربما.فما من شيء شعري دون سوريالية.هنا السوريالية ديانة.
– ويقال إنها تحرسُ الشعر من الظمأ.ما مدى صحة قول كهذا؟
– ذلك ليس افتراءً.

في ذكرى غيابه اليوم
((بريد السماء الافتراضي ))
حوار مع الشاعر بدر شاكر السياب
(25 ديسمبر 1926 – 24 ديسمبر 1964)