وزارة الحواسّ

أسعد الجبوري

((31))

في محاولة منه للتخلص من اشباحه الذهنية التي تتدافع في رأسه بسرعة سيارات الإسعاف، شعر طوروس بأن قصراً يغص بأولاده ومن مختلف النساء، بات يشكل تحدياً لسلطاته. فكلما كبر الأولاد، كبرت مخاوف طوروس من نزعاتهم باقصاء الأب والزحف نحو كرسيّ السلطة.

((الحمى يا طوروس تأتي من الرجلين. أليست تلك حكمة قديمة قالها العارفون بأحوال الشعوب المريضة بالمال والسلطة والحريم؟؟!

لذلك عليك الاستعداد والمواجهة. الوقت قادم وبسرعة. وأبناؤك بشهية شرهة لأكلك حيّاً. ولكنك يا طوروس، لا تريد أن يحل موعد من ذلك القبيل. لذلك خذ الخطوة الأولى بالتخلص من الأولاد أولاً بأول)).

استعرض طوروس في نفسه تلك المخاوف، قبل أن يوقع الورقة التي كانت أمامه. لكنه رفع القلم ووقع بعصبية على قرار تسفير نجلي شيريهان للإلتحاق بعائلة أمهم في مصر. ومن ثم ليغرق بالتفكير لتوزيع الأبناء الآخرين من زوجاته المتعددة على مختلف القصور الأخرى في العاصمة وبقية المدن النائية.

تلك الخطوات كانت بنظره، بمثابة عمل جراحي لتخفف الضغط عن رأسه من الأفلام المرعبة، على الرغم من أن سينمائية طوروس قادرة على إخراج المليودراما والخيال العلمي والفانتازيا والسوريالية والكوميديا والأكشن بشكل يومي، وربما بفيلم واحد تجتمع فيه كل تلك المدارس بخصائصها دفعة واحدة.

ومثلما رمز البلاد العظيمة وسيادتها، تتمثل بكرسي واحد عظيم، حتى لو كان الكرسي الآخر صغيراً من الخشب أو البلاستيك أو الورق المقوى، مثلما طوروس لا يتخيل حدوث نزاع على عرش ما زال يجلس عليه. تلك الصورة مرفوضة. وفيما لو قام أحد الأبناء الحلم بذلك الكرسي في المنام، فذلك لا يعد إلا خيانة يستحق مرتكبها قبراً.

 ((طوروس.. أنت لم تخدع أحداً. طوروس أنتَ شخص وضع وطناً بجيبه وأقفل عليه السحّاب، ولا يريد من الآخرين إلا تصديقه. هل في ذلك ما يخدع النفس؟!)).

نطق الملك بتلك العبارات أمام المرآة الضخمة في الصالون. بعد ذلك غادر المكان الى مكتبه. ترك وجهه ينهش في زجاج المرآة. أحس بذلك وهو يجلس وراء طاولة مكتبه. بعدها رفع سماعة الهاتف:

– نادوا على وزير الحواس. أريده في الحال.

أمر بذلك ثم أغلق السماعة حزيناً وقلقاً وهو يدقق بأوراق كانت موجودة أمامه. وما هي إلا لحظات حتى كان وزير الحواس بين يديه مرتعداً. وقف كالصنم. يأمره طوروس بالجلوس. يتردد، ثم يختار أبعد الكراسي ليجلس كالقملة.

يبحلق طوروس بالوزير طويلاً. ثم يلقي بمجموعة من الأوراق في وجهه غاضباً:

– لا أحتاج لكل التقارير التافهة هذه. قرأت الرواية بنفسي، وهي أتفه من التقارير التي دونت لتحليل آثارها إلى الشعب. لقد أمرتك أن تكون الرواية رواية رعب مروعة عن عصر طوروس الجهنمي العظيم. رواية عندما يفتحها القارئ، تهبّ في وجهه نتانة إرهاب أقذر عصور الإنحطاط والظلم والموت في التاريخ. رواية تؤرخ هوّل ماجرى ويجري من قتل وذبح وشنق واضطهاد وتدمير للمخ ومسخ للذاكرة واتلاف للكيان الآدمي.

أنت كلفت كاتباً تافهاً، خير ما عنده أن يشتمني ويكيل لي اللعنات ويوصمني بالحاكم الظالم، كم في هذه العبارات والأوصاف من الطرافة والسذاجة والضحك!؟

ما في هذه الكتابة من سذاجة لا تفي بالغرض الذي كلفتك به أيها الوزير الأحمق. أتعرف ماذا ستكون نتيجة هذا الكتاب الروائي الذي يمطرني بالشتائم وحدها؟

ستجعلني أضحوكة. ستجعل القارئ يلتقط أنفاسه ويحلم بيوم خلاصه من هذا الحكم.

 – سيدي جلالة الملك… هل لي أن أجرب الكتا……

– إخرس أيها النفاية. فأنا لم أندم على قرار اتخذته بشأن منعك من الكتابة والتأليف.كنت كاتباً فاشلاً. ولكنك رجل مخابرات مثالي.لذلك عينتك وزيراً للحواس، بعد أن بلغت سفالتك حجماً لا مثيل له في عالم الخسة والوضاعة. أعرف بأن لا غبار على نواياك، بعدما بعتني ما تملك وما لا تملك من حواس. فأنت قذر بالقدر الكافي. بالقدر الذي لو ملأت أنفك كل نتانة العالم، لما كنت تشعر بشيء تماماً.

أتعرف ماذا يريد طوروس؟

يريد كاتباً يؤلف رواية تبدد القارئ برعبها. تجعل دماغه يتشاطر إلى ملايين من ذرات لا تُرى حتى بالميكروسكوب. يريد رواية، كلماتها تنفخ في وجوه القراء سماً كما تفعل االثعابين الخارجة من جحر محاصر بالحرائق، كي يدرك الجميع من هو طوروس الملك. وكيف جعل العظام أقلاماً لكتابة تاريخ هذه البلاد.

خذ هذه الرواية التافهة هذه أيها الوزير الأحمق. دع مؤلفاً آخر يعيد كتابة فصولها ويكمل ما يراه ناقصاً منها. هيّا تحرك من أمامي أيها الزريبة.فالرواية التي طلبت منك أن تشكل طاقماً من المؤلفين لكتابتها لم تحرك مخاوف ذبابة.

لا يعرف وزير الحواس كيف أصبح خارج مكتب الملك. فما أن غادر الباب، حتى أمسك به الحراس ليكون في سيارة جيب، سرعان ما إنطلقت به نحو وزارته ليكون وراء مكتبه وهو يبتلع أقراص الحبوب المهدئة من مختلف الصنوف. بعدها يأمر الوزير باحضار مؤلف الرواية على وجه السرعة.

أعطى الوزير أوامره ثم سقط في غفوة عابرة سهواً، لم تمهله بالراحة طويلاً، إذ سرعان ما تسربت إلى دماغه الأشباح، لتوقظه مذعوراً ومحطماً. استفاق. فإذا به وجهاً لوجه مع ((ستيفاني بروكسن)) كاتب الرواية.

ما أن رأى الوزير ستيفاني ماثلاً أمامه، مكتوف الذراعين، حتى طلب منه الجلوس. ثم ضغط على الجرس ليقول للحاجب:

– كأس من عصير التفاح للسيد ستيفاني. أما أنا فاحضر لي قهوة بلا سكر. بعد ذلك التفت الى ستيفاني وقال له مبتسماً:

– أنت تعرف بأن قوانين البلاد تنص على حرية الإبداع. فالملك المبدع، يحتاج لكتّاب مبدعين في دولة حرّة شُيدت على جماجم الملايين من ضحايا الحرية. لذلك لا رقابة على الحواس. جلالة الملك يحقن الأفكار، ونحن نطبع ونغلف ونوزع وننشر ونروج لكل ما يؤلف للناس.

– أعرف كل هذا.. ولكن ما المطلوب مني يا سيدي الوزير؟

سأل الكاتب ستيفاني، فيما راح الوزير يقهقه وينظرُ في كأس عصير التفاح.

– لا شيء. استدعيتك من أجل تذكيرك بأن المكافأة في طريقها إليك. لن تتأخر أكثر من ثلاثة أيام على أبعد إحتمال.

نهض ستيفاني. صافح الوزير وخرج مبتسماً. فيما كانت أصابع الوزير تضغط على الزر بعصبية. يدخل الحاجب مرتبكاً. فيسأله الوزير:

– كم من القطرات وضعتها لضيفنا؟

– عشر قطرات يا سيدي.

– آوف.. عشر قطرات من سمّ الثاليوم ستجعل دم ستيفاني نهراً أزرق.

قل لمدير شعبة “ الصم البكم النطق “ أن يأتي في الحال.

– أمرك سيدي.

ينهض الوزير من وراء طاولة مكتبه مرتجفاً. والحيرة تكاد تقصم له ظهره بالضبط. آنذاك يدخل عليه رجل ضخم الحجم.

– هل من طارئ سيدي؟

– تعال. إقترب مني. يقف الاثنان الى جانب النافذة وهما في وضع قلق. وما أن ينتهي الوزير من شروده، حتى يباغت المدير بقوله:

– منْ من المؤلفين جدير بالعمل التاريخي الجاد. ليعيد لنا كتابة رواية ستيفاني بروكسن برأيك؟

– رواية “قيامة الديناصور“ سيدي؟!! يردّ المدير مرتعداً ومندهشاً.

– قيامة الديناصور الثور الكنغور. لا يهم الاسم الآن. ربما سنختار لها عنواناً آخر.

الرواية لم تعجب الملك. وعلينا التحرك بسرعة قصوى وإلا…….

– فهمت. فهمت يا سيدي. أرجو أن تمهلني ساعات فقط، ليكون اختياري للمؤلف الجديد جاهزاً وفي محله.

– تقول في ساعات أيها القذر؟!! أريد المرشح الجديد لاعادة كتابة الرواية الشؤوم في غضون ساعة واحدة لا غير. ألا تعرف بأنني لا أستطيع النوم دون معرفة من سيكون المؤلف الجديد؟

  • لا عليك سيدي. فقد وجدته. إنه الكاتب آدم السومري بعينه. فهذا الكاتب هو الذي سيقوم بإنضاج الرواية واكمال فصولها الجهنمية. أجل سيدي.

فكاتب سواه، لن يقدر على تصوير جحيم الملك طوروس بالطريقة الفظيعة. اللعين كتلة من الكراهية. احتقاره لملكنا طوروس قد يكون أضخم من سور الصين وأطول منه. هذا ينفعنا. سيدعم الرواية بوقائع ستجعل منها كهفاً مليئة بثاني أوكسيد الكاربون. هذا أقل ما نتوقعه.

– تحرك من هنا على الفور، لاحضار آدم السومري. ربما يكون هو ضالتنا التي ستنجز العمل الروائي بالضبط.

شعر مدير شعبة “ الصم البكم النطق “ بانتفاخ عضلاته وتوترتها. فغادر مكتب الوزير ملتهباً وهو يهذي كالأعمى. لم يعد لمكتبه. بل استمر بالمشي حتى البوابة الرئيسية للوزارة. ومن هناك صعد الى سيارته لينطلق بعيداً عن مبنى عمله.

لم تمر سوى دقائق حتى أصبح رئيس الشعبة في منزل الكاتب آدم السومري. اجتمع به. وتحدث معه بالتفاصيل. سلمه مخطوطة وكلفه بمهمة إعادة كتابة الرواية واستكمال فصولها بشكل رسمي من قبل الدولة.

وحدث ما كان غير متوقع.

فما أن سمع آدم السومري بمهمة تعيينه كمؤلف مُكمل لرواية “ قيامة الديناصور “ وقلّب وقرأ بعضاً من صفحاتها المُروعة، حتى أصيب بنوبة من الهذيان. آدم السومري تمنى لو كان قلبه تشقق وانتهى قصاصات من أوراق صغيرة في تيار أهوج، ولا يقوم بتنفيذ مهمة مثل تلك التي أُكلت إليه. فضل الإنتقال للجحيم على أن يستكمل تلك الرواية. فمقعد في الجحيم، أكثر جمالاً وأمناً من أي مكان في بلاد الملك.

((لقد انتخبتك الكارثة الآن يا آدم. ومن أجل ماذا؟ من أجل أن تكمل رواية تفوح منها رائحة العنف والإستبداد والموت. ستكتب تاريخ الموتى. لذا عليك تهيئة النفس للسباحة في الدم. فهو الحبر الوحيد الذي سيتم فيه تدوين طقوس الإرهاب وأحداثه. ستهرول على نصال سيوف طويلة طويلة. ستكتب أنت، وستقرض الجرذان ذهنك بالتدريج حتى تنتهي كل الكلمات وكل اللغات من مخك. ملكك العظيم يعيد إنتاج الهلاك. وإنتاج البشر بصورة أفضل مما جادت به أرحام الأمهات. تعلم يا آدم تعلم. فخدمة الملك أصبحت قبل خدمة الرب. وما عليك إلا تقديم النذور والأضاحي والقرابين للحكومة. فهو عملك في هذا الوطن، أو هذه الحفرة التي طالما تمزقت من أجلها الحناجر في المدارس)).

أغلق آدم السومري باب الإستطرادات على نفسه، وهو شبه ذاهل من سرّ تكليفه بتلك المهمة الشاقة. فاض بأنهر حمى تجاوزت حدود جسده. ولم يكن ليظن بأن جسده النحيل ذاك، يفرز حرارة تطبخ عجلاً استرالياً بكامله.

نهض مدير شعبة “ الصم البكم النطق “ من على الكرسي، ساحباً آدم من ياقة قميصه،

ليكون وإياه خارج باب المنزل وسط صراخ الأولاد وعويل الزوجة. لم تنجح العائلة باعتراض المدير الذي طمأن الزوجة والأولاد على مصير الزوج. أخبرهم بأن آدم سيكتب شيئاً. وحالما ينتهي من عمله سيعود. فسألته الزوجة، إن كان بامكانها زيارته خلال تلك الفترة أم لا. فردّ المدير عليها بالسلب.

لكن آدم السومري صاح بزوجته أقبال وكأنه يزيح عن صدره صخوراً:

– لا ضمان لشيء على الأرض الطوروسية. لذلك من الأفضل يا أقبال أن تعطي الأولاد دروساً عن الفقدان. أن ينسوا الأب الذي أخرجهم من صلبه. أما أنت فتزوجي. لا تتركي جمالك يذوي هباء. فالمرء في هذه البلاد هو رواية نفسه. رواية مختومة بشمع أسود اسمه طوروس.

ربما لم تسمع الزوجة الجملة الأخيرة. فقد اختفت سيارة الجيب الرمادية بآدم من الشارع، وهي تسحق الطريق خلف سيارة المدير. آدم لا يعرف الى أين كان الاتجاه. وعندما بدأت أصوات الفرامل بالإرتفاع، شعر برعب يسيل في داخله. توقفت السيارتان. ونزل آدم ليجد نفسه أمام مبنى غريب لم ير له مثيلاً من قبل.

أدخل الرجال آدم الى المبنى. وهناك، وضعوه في غرفة واسعة ثم خرجوا، تاركين الرجل وحيداً مع الصمت. بعد ذلك بدقائق، يدخل عليه وزير الحواس هائجاً متلهفاً. يسحب كرسياً ويجلس أمامه وجهاً لوجه ويقول له:

– أهلاً بالكاتب الفذ. أهلاً بأدم السومري.اشتقنا لك يا رجل.لقد أخبرك المدير عن طلبنا.ها نحن وحيدين يا سيد آدم، بعيداً عن الأعين والضوضاء. يوجد في هذا المكان السرّي كل ما يلزمك من أطعمة ومشروبات وتبغ ومستلزمات راحة، بما فيها الخادمات والمدلكات والوثائق والمعلومات وأفلام الرعب والأكشن المختلفة. كذلك توجد كتب عن أخطر الأحلام وأبشعها عبر التاريخ البشري. لا يوجد نقص هنا. كل الأشياء مؤمنة وبامكانك طلب ما تحتاجه.

– أشكرك على الكرم. أشكرك على كل شيء. وما المطلوب مني يا حضرة الوزير؟

ردّ عليه آدم ببرود، وكاد ينفجر بالبكاء، لولا رائحة زوجته التي ما تزال عالقة بثيابه.

– وماذا تتوقع أن نطلب منك غير ما تحدث به المدير في منزلك؟ أن نلعب البلياردو أم كرة القدم أم الشطرنج؟!! أن تبدأ بكتابة الرواية طبعاً.

– ليس من داع ٍ للتهكم. اريد اخبارك يا سيدي بأنني لن أستطيع تكملة نص روائي من ذلك النوع.

أنا كاتب قصص وروايات بوليسية فاشلة. هذا أولاً. وثانياً، أخشى التسبب بتخريب النص الأول، فلا أجيد وضع الفصول الختامية بمثل ما تشتهون. ستتخلخل الرواية وتصبح فجة وقذرة ودون معنى.

– وهذا جزء مما نريده بالضبط.

هتف الوزير، وهو ينهض نحو فاترينة زجاجية مليئة بصنوف الخمور، ليلتقط منها زجاجة ويسكي، يحملها عائداً وهو يقول بابتهاج:

– الآن.. الآن يا سومري نستطيع احتساء كأس أو كأسين أو مائة، لنقذف العالم وراء ظهورنا. إشرب يا رجل. إشرب فسأخبرك كيف يعمل المؤلفون.

– هل التأليف طبيخ.. ولديكم مقادير معينية للكتابة يا حضرة الوزير؟

أجابه آدم ساخراً.

– وماذا ترانا نعمل في وزارة الحواس؟ نحن نمتهن أصعب ما على الأرض من الوظائف يا آدم. معرفة وفهم جميع اللغات يحتاج لقدرات هائلة، خاصة لغة الصم. أم ترانا نضيع وقتنا بالحب أو بصناعة الإليكترونيات أو الإنجاب أو إنتاج العقاقير؟

– حتماً لن تكونوا كذلك وحق الربّ.

– تقول بحق الرب ّ!! تلك إهانة متعمدة لنا أيها الكلب القذر.

– لا تزجرني بحق السماء. هل يرتكب المرء حماقة لو أقسم بالربّ؟

ألم يعلن الملك عن برنامجه بالعودة للينابيع المسيحية، ليحول دون التصاق البشر بالموبقات والشرور؟

– وهل باستطاعة الملك أن يفعل عما عجز عنه المسيح؟

كم أعداد هؤلاء؟ أليسوا هم في حالة من الانقراض المستمر.ثم لنفترض افتراضاً وجاءهم المسيح ثانية، فأمرهم بالكف عن الموبقات والأذى وتدمير الآخر، ماذا ستكون ردود أفعالهم؟

سيقومون حتماً بشحنه على أول طائرة ذاهبة لبيت لحم. أتعرف لماذا يا آدم؟

لإنهم لا يرون في عيسى إلا شرقياً يحاول الحصول على معاش اللجوء في أوروبا.

– أنتم ترون ذلك.. وليس أحداً سواكم يا سيدي.

– لا تستطرد أكثر. كف عن الثرثرة ودعنا في الجوهر. تحكم بعقلك واكتب.

– قلت لك بأنني كاتب فاشل، يصنع روايات بوليسية رديئة، لا تصلح للقراءة إلا في القطارات والمراحيض والباصات والسجون.

– هذا جيد وعظيم يا آدم. بصحتك. بصحتك. ما قلته ينسجم مع خط الرواية. فالمواطن عندنا مسافر للآخرة أما في قطار أو باص. ومادامت ذمتنا واسعة، فنحن لا نتركه دون واسطة نقل. أما التواليتات أو السجون يا آدم، فهي منازل شُيدّت بأموال الدولة. ولا يجوز لنا تركها مهجورة دون نزلاء. ذلك حرام شرعاً؟

– لذلك لا تستوجب الأحوال تأليف رواية من ذلك النوع. فأنا لم أر خراباً أو تفسخاً أو إرهاباً أو موتاً في دولة الملك، لأزور أحداثاً خرافية. أم تريدني أن أدون أوهاماً غير موجودة في الوطن أصلاً؟

– اللعنة على شياطين الإرهاب التي تسكن أعماقك. لم أر كلباً منافقاً وتافهاً مثلك أيها الصعلوك. لا تحاول المماطلة واللف والدوران. قلنا لك بأننا نريد تأليف رواية تشع بالموت والرعب والخراب عن عصر طوروس واجرامه، لا أن تتقمص دور افلاطون لتكتب نصاً مقدساً عن مدينة فاضلة. خذ إشرب. فالملك يريد أن ينفخ الشعب بالأحداث الكبرى. بالوقائع الكبرى، . بالآلام الكبرى. بصحتك.

– شكراً سيدي الوزير. أنا لا أحتسي الخمر.

أجابه آدم السومري وهو يرتعد من الخوف.

– لا تشرب. أمامك أفخر أنواع الويسكي المعتق، وتقول لا تشرب!

لو توفر هذا الشراب لسواك يا آدم، لكرعه مع القنينة كذلك. كتابة رواية من ذلك الطراز، تحتاج لبراميل من الويسكي. لأطنان من الحشيشة. وإلا لن يشع الدماغ وتسطع المخيلة وتتدفق الصور والأفكار كالحمم.

ماذا تظن بأنك ستكتب؟ قصة عن دجاجة جريحة تعرضت لهجوم ثعلب فاشي؟

قصة لاعب كرة، تعثر بأرض الملعب قبل أن يبلغ الهدف؟ رواية عن حياة حشرة خرجت من بيتها وضاعت بين الرمال؟

أيها الغبي الأحمق الرعديد.. أنت ستكتب عن الملك طوروس!!

– ولكنني لا أستطيع يا سيدي.

– لا وجود لشخص في هذه البلاد، ولا يستطيع كتابة أعظم روايات الرعب عن الملك جزار. نحن لو منحنا الكلاب والدببة والخنازير والسناجب والقطط والعناكب فرصة للكتابة عن أحوالها تحت خيمة من خيام طوروس، لتفتحت قرائحها بالمعجزات وأبدعت. لكن جسمك كما يبدو، لم يتقشر بالقدر الكافي من التعذيب بعد، لتكون ثور تأليف. تعالوا خذوه للغرفة الشاقولية.

صرخ الوزير غاضباً وفمه معطر بمختلف الشتائم. آنذاك يدخل مكتبه ثلاثة من البغال الآدمية، ليحملوا آدم السومري الى الخارج.

الزريبة الأدبية

المكان: غرفة مساحتها متر بمتر. حيطان بارتفاع ثلاثين متراً دون سقف. ثقوب في الجدران تخرج منها تيارات من الهواء المثلج. جثث محنطة تملأ الجدران مع سماعات تبث أصواتاً ترتطم بالاذان ارتطاماً. ومياه سوداء ساخنة تتساقط من الفتحة العليا للسقف. وآدم السومري يقف عارياً تحت ثقب السماء وهو يهتز فزعاً وسط هذا المكان الجنوني.

تمارين الكتابة

 

التمرين الأول: ويسمى “ نزهة البراءة “ المطر الأسود يتساقط. وما أن يتوقف، حتى تلقى على المؤلف من الفتحة العليا كتلاً صغيرة من الاسفنج المشتعل، تعقبها قنبلة صوتية تنفجر لإطفاء ذلك الإشتعال. ثم يسحب جسد المؤلف للأعلى منعاً لإختناقه. بعد ذلك يتم تنظيف الموقع من الدخان بواسطة مفرغات كهربائية مخصصة لتلك الغاية.

التمرين الثاني: ويسمى “ مكبس الحرير “ حيث تُرفع أرضية الموقع بواسطة محرك ضخم، فيما تنزل ببطء كتلة من الباستيك الساخن بحجم مساحة الفتحة تماماً. فتلتقي الطبقتان وبينهما جسد المؤلف. بعد الضغط، تنفك الطبقتان عائدتين الى موضعيهما، فيما يبقى جسد المؤلف أشبه بالحرير الساخن.

التمرين الثالث: ويسمى “همس الملائكة“ حيث تقوم سماعات صغيرة مزروعة في جدران الغرفة الشاقولية ببث ألف باء اللغة الشرسة بمختلف أصوات الحيوانات، يجمع بينها إيقاع مرعب.

بعد يومين من وجوده في الغرفة الشاقولية، مرّ آدم السومري بمختلف التمارين. جربها كلها. رأى. وسمع. وعاش. ومات آلاف المرات. دخل قبراً واكتشف طريقة تنفس الموتى هنا.

 ((لن تخرج من هذا المكان يا آدم إلا جثة شاقولية متبخرة. ستذهب ضغوطات الحكومة هباء. لن يعثروا على شيء منك. ستخيب أمالهم. وآنذاك سيبحثون عن مؤلف ليكتب لهم رواية وزنها طن من الورق وطن من الأفكار وعشرين طناً من الصور.

لا أريد تلويث لساني بشتيمة طوروس حتى. الطريق مفتوح أمامي. أراه بوضوح. فالشارع يمتد من هذه الغرفة نحو السماء مباشرة. وهناك ترقد سعادتي. هأ.. هأ. سأتبخر. أنا أتبخر. ولن تجد لي الحكومة أثراً في هذا الكهف القذر. وبعد رحيلك لن ينفع تسميّد الحكومة لجسدك بتلك الآلام العظيمة يا آدم. تعذيبهم الفريد سيذهب أدراج الريح. نم الآن. نم)).

في اليوم الثالث من التمارين، وجد آدم السومري نفسه مغطى داخل سرير في غرفة أنيقة، والى جانبه تمثال متوسط الحجم للملك طوروس مع زجاجة ويسكي وكتاب. فتح عينيه ورأى ذلك. أدرك بانه خرج من غيبوبته. نهض ولم يستطع. فعاد وانخمد تحت الأغطية دون أن ينطق بكلمة واحدة. مد يده بهدوء والتقط الكتاب. بدأ يقرأ فيه حتى الصفحة الخامسة ثم رماه أرضاً. بعد ذلك أمسك بقنينة الويسكي وراح يكرع منها كرع الوحش العطشان.

 ((عليك يا آدم أن تكون معتقاً. مثلك مثل هذا الويسكي تماماً. فعندما تتعتق أنت، ستصاب الأشياء الأخرى بالعدوى نفسها. وهكذا يصبح طوروس معتقاً بالقتل. والطبيعة معتقة بأنهار الدم. والتاريخ معتق بأعين الجرذان والخرائط والنبال والبنادق والموتى والمفقودين والأسرى والمجانين كذلك. سينال قانون التخمر أو “ العتاقة “ من كل هؤلاء دفعة واحدة. ألا تطمح بإنقلاب في حياتك التافهة؟

إذن.. عليك حشر كل شيء بكل شيء، لتلخص منها نفاية اسمها طوروس. وإلا مت ولا تفكر بكتابة الرواية. أنت يا آدم واحد مثلي. لا لا. لن يكون صعباً عليك كتابة رواية عن ملك. ذلك سهل، مادام بطل الرواية طوروس الواحد. رواية البطل الواحد، لا تحتاج لقواعد وقوانين وخرائط وخطوط وخطط ومخططات وطول وعرض وعمق وحبكات. بالعكس. كل ذلك وهمّ وضعه المتحذلقون والنصابون الأوائل لقطع الطريق على الآخرين. قاموا بتهويل صعوبات الكتابة الروائية وتضخيم شروطها. هناك قوانين الذات فقط. بامكانك الإستعانة بها دون أن تؤذي رقبتك بالإلتفاف للوراء حتى. وما دامت الذاكرة التي لديك، لا تريد البقاء تحت سقف الجمجمة الى ما لا نهاية، فسيكون الحظ حليفك يا ادم. تذكر بأن النقاد شركاء في صناعة تاريخ الرعب.هل بلغت ناصية الإدراك، ففهمت القصد؟ أم ما زلت كتلة طابوق تضرب نفسها بنفسها، بعدما عجزت على أن تكون صالحة في بناء شيء ما، حتى لو كان ذلك البناء مدخنة أو قن دجاج؟

الداخل البشري يا آدم السومري مناطق متنازعة النفوذ.هي هكذا على الدوام: زخارف وحروب وإضاءات وأسوار ومعامل وأطلال. وقد تشعر في بعض الأحيان بأن سور الصين على كتفيك، وتحاول رميه بعيداً. لكن ذلك قد لا ينفعك في كل الظروف. فعالم مليء بالمستنقعات، ربما سيكون أكثر نفعاً، لأنه سترك لنا فرصة أن نرى وجوهنا في تلك المياه الراكدة، بعدما عجزنا عن رؤية المياه الصافية في ديسكولاند)).

وقعت قنينة الويسكي فارغة على الأرض من يد آدم. ووقع هو الآخر في النوم بعدما فشل بتنظيم موجات التشوش التي كان يغرق بكهرومغناطيسيتها تماماً.

فصل من رواية ((ديسكولاند ))