نقد فني مدهش في انتظار عودة “أزهار الشرّ” المتأخرة قرناً

إبراهيم العريس باحث وكاتب 

لوحة تكريم ديلا كروا لفانتين – لاتور ويُرى بودلير جالسا أقصى يمين اللوحة

في العام 1865 أي قبل وفاته بعامين وبعد أن أقام عاما كاملا في بروكسل البلجيكية حاصراً اهتمامه بالفنون الجميلة محاولا أن يخوض اللعبة النقدية بشكل كلّي، وفي جعبته مجموعة من مقالات ودراسات “راكمها” كما سيقول هو نفسه في كتاب أطلق عليه عنوان “نتفاً جمالية”، عاد بولير إلى باريس معتقداً أن الناشرين سيفتحون له الأبواب وسيتدافعون لنشر الكتاب. صحيح أنه كان لا يزال في الرابعة والثلاثين لكن سمعته كانت قد كبرت خلال العقدين الفائتين وصار له أعداد كبيرة من القراء ولا سيما بعد “الفضيحة” التي كانها إصدار مجموعته “أزهار الشرّ” وما تعرضت له من محاكمة شغلت الحياة الثقافية الفرنسية وربما الأوروبية أيضا سنوات عديدة انتهت بحذف الكثير من قصائدها إن لم يكن بمنعها نهائيا، كما سنرى بعد سطور. بيد أن ما حدث كان عكس ذلك تماما: ما من ناشر رضي بتبني الكتاب بما في ذلك الناشر الذي كان قد جازف بنشر “أزهار الشر” في العام 1857. على الفور يومها غيّر بودلير العنوان إلى “طرائف جمالية” ولكن بلا جدوى.

وهكذا إذ شعر بودلير بالخذلان والاختناق عاد إلى القطار متوجها إلى بروكسل يائسا من كل شيء، قابلا بجولة محاضرات بين المدن البلجيكية توفر له فتات المال وشيئا من إعادة الاعتبار. ولكن هنا مرة أخرى حدث أن المحاضرة الأولى التي كرسها لفن أوجين ديلاكروا وقدّمها في مقر “حلقة الفنون” في العاصمة البلجيكية لم تجتذب جمهوها إلا بالقطارة ما اضطره إلى إلغاء الجولة كلها. ولكن تلك المحاضرة بالذات عن ديلاكروا إضافة إلى مجموعة الدراسات التي رُفضت في ذلك الحين، عادت ونشرت في العام 1868 أي بعد عام من رحيل كاتبها عن عالمنا، وتعتبر اليوم من الكتابات التي أسست للحركة الفنية الحديثة في فرنسا. ولا بد أن نتذكر هنا الأساس الذي بنى عليه بودلير كتاباته النقدية في هذا الكتاب، وذلك انطلاقا من نصّ كان أصلا نشره في العام 1845 وقال فيه مؤسسا لازدواجيته الإبداعية اللاحقة كشاعر وناقد، هذا إذا غضضنا النظر عن كونه مترجما نقل أعمالا لإدغار آلن بو إلى لغة موليير وعرّف به في فرنسا: “إن على الناقد، كي يكون عادلا، أي كي يوجد لنفسه مبررا لوجوده، أن يكون منحازا وشغوفا وسجاليّاً. عليه أن تكون له وجهة نظر خاصة به… شرط أن تكون وجهة نظر تفتح على أوسع عدد ممكن من الآفاق”.

حب الفن لجمع الكاتب بالفنان

وسوف يضيف بودلير لاحقا أنه إنما يبني العلاقة بين الكاتب والرسام على حبه للفن، ولكن بعد ذلك على نظريات التقابلات التي تقول بأن “الروائح والألوان والأصوات تتجاوب مع بعضها بعضا”. والحقيقة أن النقد البودليري الذي يمكننا قراءته في تلك الدراسات التي يضمها الكتاب والتي كان قد نشر معظمها انطلاقا من جولاته في “الصالونات الباريسية” للأعوام 1845 و1846 و1846 نقد له برنامج نظري واضح يدافع عن حق الفنان في أن يتكل أول ما يتكل على فرديته منطلقا من فضوله الخاص وخياله ناهيك بحساسيته. ولعل هذا ما قسم القراء، ولا سيما نخبتهم في ذلك الحين، من حول الكتاب إذ صدر بعد موت صاحبه، في زمن كانت الإيديولوجيات قد بدأت تنهك الحياة الثقافية الفرنسية والأوروبية بصورة عامة. مهما يكن من أمر، حين صدر “طرائف جمالية” لم يلق النجاح الذي سيكون له بعد سنوات حين راجت النقاشات الكبرى حول الفن و”وظيفته الإجتماعية”. يومها إذ تغلب هذا التوجه برزت كتابات بودلير خصما عنيفا له معيدة إلى شاعرنا الناقد مكانته في الإبداع الفرنسي. ولسوف تستفيد مجموعة “أزهار الشر” من تلك العودة حتى وإن سيبقى عليها أن تنتظر اثنتين وثمانين سنة، قبل أن تصدر مكتملة، وبأمر واضح من القضاء الفرنسي. وبالتالي فإن شارل بودلير الذي كان قد رحل عن عالمنا في العام 1867 وهو غير دارٍ أبداً بالمصير الذي سيكتبه التاريخ لمجموعته الشعرية الأساسية كان عليه أن «ينتظر» طويلا بعد موته قبل أن يرقد، أخيراً، مطمئناً راضياً.

قرن من الطبعات المنقوصة

صحيح أنه لا يزال هناك حتى اليوم من يرى في «أزهار الشر» مجموعة من الشعر الإباحي الذي لا يجوز أن يُطلق من عقاله وأن يُقرأ بحريّة، ومن المعروف أن معظم الطبعات التي صدرت فيها المجموعة طوال ما يقرب من مئة عام، ومعظم الترجمات التي تحققت لها إلى اللغات الأخرى، ومنها بالطبع اللغة العربية التي نقلت اليها أشعار «أزهار الشر» مرات عدة، انطلقت كلها من الطبعة المنقوصة التي كان القضاء الفرنسي تدخل لجعلها هي الطبعة المتداولة.

منذ بداية أربعينات القرن التاسع عشر كان شارل بودلير بدأ يشتغل بالتوازي مع اهتمامات كبيرة بالفن التشكيلي، على مجموعته الشعرية تلك، والتي كانت في الأصل تتألف من خمسة أقسام تضم مئة قصيدة، وكان بودلير يرى أن تلك القصائد إنما تلخص شعره كله، وأنه إذا صدرت مجتمعة على النحو الذي يرتئيه، لن يكون في حاجة لأن ينشر أية أشعار أخرى. وبالفعل اكتملت المجموعة بعد عمل دام خمسة عشر عاماً. وصدرت في طبعة أولى يوم 25 حزيران (يونيو) 1857، عند الناشرين «بوليه – مالاسي» و«برواز». خلال الأيام الأولى التي تلت صدورها، لم يقبل القراء بالطبع على شراء المجموعة بالشكل الجنوني الذي كان يمكن توقّعه. كان مصيرها في ذلك الحين مصير أية مجموعة أخرى: يشتريها هواة الشعر وهم نادرون، ويقرأونها في ما بعد، أي حين تتيح لهم أوقات فراغهم ذلك. أما إذا قرر النقاد أن يكتبوا عنها فلن تكون الكتابة الا بعد أسابيع وربما بعد شهور. كان ذلك هو المصير الطبيعي لأي عمل شعري. ولكن، كما أن خصوم الشيء هم الذين، في أغلب الأحيان، يحددون له مكانته، نشر في صحيفة «الفيغارو»، وبعد ثلاثة أسابيع فقط من صدور «أزهار الشر» مقال عنيف ضدها يتهمها بالإباحية حمل توقيع شخص شبه مجهول يدعى غوستاف بوردين.

وهكذا انتقلت «أزهار الشر» من حالتها كمجموعة شعرية إلى قضية عامة، إذ أن المقال سرعان ما فعل فعله، وفي الوقت الذي كان فيه مئات، وربما ألوف القراء يتدافعون لشراء المجموعة في طبعتها تلك وقراءتها، بحيث أصبح بودلير بين ليلة وضحاها أشهر شاعر في فرنسا، في ذلك الوقت كان القضاء قد أمسك بالقضية وأمر بمصادرة النسخ الباقية من «الأزهار» الشريرة في المكتبات. ثم بعد مداولات صدر الحكم: يعاد نشر المجموعة شرط أن يمحو الشاعر منها ست قصائد هي الأكثر إباحية ولا أخلاقية في المجموعة. وإضافة إلى ذلك فرضت على الشاعر وناشريه عقوبات ماليّة ضخمة. ومنذ ذلك الحين أضحت «أزهار الشر» مجموعة شعرية ملعونة، حتى بصيغتها المخففة، وستظل تلك حالها إلى أبد الآبدين.

تعديلات غير مأذونة

مهما يكن فإن المجموعة، وقد اقتطعت منها القصائد المدانة، عاشت حياتها بعد ذلك، إذ فور صدور الحكم صدرت منها طبعة ناقصة كما أمرت المحكمة، وفي العام 1861 صدرت، في بروكسيل، الطبعة الناقصة ولكن بعد أن أضيفت إليها خمس وثلاثون قصيدة جديدة. وفي العام 1868 صدرت طبعة أخرى، وذلك في العام التالي لموت شارل بودلير، وهذه الطبعة الجديدة التي أشرف عليها ثيوفيل غوتييه الكاتب الذي كان بودلير أهدى إليه المجموعة الأصلية، سميت بـ «الطبعة النهائية» إذ أضيفت إليها خمس وعشرون قصيدة أخرى سبق أن طبعت سراً في بروكسيل. ومنذ ذلك الحين ظلت الطبعة الأخيرة هي المعتمدة، حتى كان الأول من حزيران 1949 حيث صدر حكم القضاء الفرنسيّ بإعادة القصائد المنتزعة إلى المجموعة. وتم ذلك بناء لطلب تقدمت به «جمعية أهل القلم» استناداً إلى قانون كان صدر يوم 26/9/1946 استخدمته المحكمة لتعيد إلى المجموعة التي يعتبرها تاريخ الشعر «فاتحة الشعر الحديث» في العالم، صورتها الأولى التي شاءها لها مؤلفها.