في وداع ليمونوف.. السياسي الروسي ورائد روايات المغامرات الجنسية

ليمونوف يتحدث خلال مسيرة معارضة في موسكو (31/5/2014/فرانس برس)

في السابع عشر من آذار/ مارس عام 2020، فارق إدوارد ليمونوف(**) الحياة. وبحسب الكلمات الشحيحة التي جاءت في لقاء صحفي أجري معه العام الفائت، كان ليمونوف يعاني من أمراضٍ مزمنة ضربت حنجرته وفكيّه. في الأسبوع الأخير، لم يكن في مقدوره حتى تناول الطعام بشكلٍ طبيعي. حرمه المرض من النطق، ولكنّه بقي محافظاً على كامل قدراته الذهنية.
في يومياته التي نشرت منتصف الثمانينيات، ترك الكاتب بضعة أسطر: “لا يمكن أن يشيخ ليمونوف! اقتلوني، اقتلوني! وليكن ذلك في إبريل….”.
في النتيجة، وبحسب المعايير الطبيعية، فقد امتدت حياته طويلاً. ولكنّه بقي حادّ الطبع، متصابياً بعض الشيء. لا يختلف شهر آذار كثيراً عن شهر نيسان/ إبريل، وبهذا المعنى يبدو أنّ رغبته أخذت بعين الاعتبار نوعاً ما.
يعيش الوسط الأدبي الروسي انقساماً جبهوياً – كما هو حال المجتمع الروسي بأكمله. فشكراً لبوتين وأصدقائه! ولهذا فإنّ الحكم على ليمونوف سيكون بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا كـ”رجلنا”ـ وإمّا كـ”عدّوٍ”. إنّها المصيبة بعينها. من وقتٍ لآخر، كانت الضرورة تقتضي الخروج من هذا الوضع، وهذا ما كان في مقدور ليمونوف القيام به في بعض الأحيان.
عموماً، من يهتم الآن في روسيا بالأدباء والكتاب؟ فعدد قرّاء الكتب في تناقص مستمر. ولكي

يكون الكاتب محط الأنظار، فإنّ عليه الانخراط في السياسة. وهذا بالضبط ما شهده ليمونوف في زمنه! فقد تسلل إلى ساحة السياسة كتابٌ آخرون. قرّر هؤلاء الأدباء، عكس ليمونوف، تملّق السلطات ليحظوا بمكانةٍ ما على زعمهم.
فكيف استطاع ليمونوف في مثل هكذا ظروف من نفض الأدب الروسي دون سياسة؟ أكان بفضل نثره البالغ الصراحة، وبوضوح اعترافاته، أم لكونه البطل الباحث عن الحب والمتجنب الوحدة إلى ما لا نهاية؟
بالطبع، نعم، لقد هزّ ليمونوف الحياة الأدبية الروسية بأوسع وأغنى تجربة ترحالٍ تجسدّت نثراً، تجربة التنقل والسفر إلى أصقاع المعمورة، تجربة الوقوع في الحب، وتذوق ألم الفراق، الاستسلام للإغراءات، والدخول في عراك، النضال بجميع أشكاله، التعرف على الوحوش والجميلات في الوقت نفسه، معاقرة الخمور، الاكتئاب والمرح. وماذا أيضاً؟ كثير من الأمور الأخرى! يقيناً، لن نجد في الأدب الروسي ما هو أكثر دقّة من هذا.
إن كنتم ترغبون بتذوق غنى الحياة، والانبهار بتألق كبريات المدن، وتنسّم رائحة التجوال، والتعرف إلى ألاعيب الجنس، بكل ما فيها من متعةٍ، ومرح، وبكلّ تفاصيلها، سيكون عليكم قراءة ليمونوف!
أمّا إن كنتم تخشون أن لا تجدوا ما يبهركم مما سبق، أو إن كنتم تبحثون في النصوص الأدبية عن أمرٍ آخر، فلا تقرأوه!، فقد درجت العادة اليوم على تقسيم الباحثين وفق مبدأ الانتماء الحزبي – السياسي.

فلتذهب السياسة إلى الجحيم!
يتذكّر كثيرون رواية ليمونوف الأولى “أنا – إيديتشكا”، التي تمثِّل صرخة مهاجر روسيٍّ يائس. وبفضل هذه الرواية، تمكّن ليمونوف من الوصول إلى القارئ الغربيّ، في وقتٍ لم يتجاوز عدد الكتاب الروس الذي نجحوا في ذلك أصابع اليد الواحدة. بعد ذلك، كانت هنالك

عشرون رواية أُخرى كلّ واحدةٍ منها تنبؤيةً وثاقبة على طريقتها. يشعر القارئ بمتعةٍ كبيرة عندما يعيد قراءة بعض الروايات. ربما ينطبق هذا الأمر على راويات ليمونوف: “تاريخ خادمة”، و”ترويض نمرٍ في باريس”، أكثر من غيرها من مؤلفاته. تدور أحداث روايات ليمونوف في مروحةٍ واسعة من الأماكن تمتد من الضواحي العمالية لمدينة خاركوف في أوكرانيا، إلى الشواطئ اللازوردية الشهيرة في فرنسا. أمّا معرض الصور في رواياته، فهو مجموعة لا مثيل لها من الشخصيات. إن لم يكن ليمونوف خبيراً بارعاً في تصوير المشاهد المصطنعة المثيرة، فهذا لأنّه كان يركِّز على وصف الحياة الحقيقية بكلّ دقة ووضوح.
ليس من المهمّ إلى أيّ معسكرٍ ينسب ليمونوف نفسه، وليست مهمة هي الحدود والخطوط الحمراء التي تخطاها. المهمّ أنّ الحدود لم تلعب دوراً مهمّاً في حياة أبطاله. في عالم أبطال ليمونوف، بالإمكان الوصول بالسهولة نفسها إلى كاليفورنيا، وشواطئ فرنسا الجنوبية، بروكسل، ولينينغراد، موسكو، وطشقند، سيبيريا، وكندا.

إدوارد ليمونوف، رئيس حزب روسيا الأخرى، يحضر قراءات الرواد التي عقدتها مجلة روسي بايونير في موسكو (13/12/2016/Tss)

لم يكن مهمّاً له إلى أيّ جانبٍ يميل، أكان ذلك جانب القوميين، أم الملكيين، جانب الإمبرياليين، أم العسكريتاريا. المهمّ أنّه كان في رواياته يعيش ويغضب أبطالٌ من قومياتٍ وأعراقٍ مختلفة، يحملون آراء متباينة وتوجهات جنسيةٍ متنوعة. ولكن المؤلف ينظر إليهم جميعهم باهتمامٍ وسخرية وتعاطف. فعالمه عالمٌ غنيّ الألوان.
في الوقت نفسه، كان الكاتب يناضل تماماً بروح نيتشه، أو نيكولاي أوستروفسكي(***)، أي ليجعل من نفسه إنساناً فولاذيّاً، قادراً على البقاء في أيّ موقف، لينجو ويكون مقاتلاً في الوقت عينه. انخرط ليمونوف في حروبٍ مختلفة، ولكنّ خصمه الرئيس والمباشر كانت البيروقراطية الحكومية المضجرة والمتحجرة، التي يمكن أن تحطّم الجماجم، أو أيّاً من أجزاء الجسد الأُخرى. كانت البداية من بيروقراطية الدولة السوفييتية، فالأميركية، ثمّ الفرنسية، فالروسية أخيراً.
في نهاية المطاف، اعترفت به هذه البيروقراطية نفسها كخصمٍ جدير. في عام 2002، طلب الرئيس الفرنسي من الرئيس الروسي إطلاق سراح ليمونوف من السجن، باعتباره مواطناً فرنسياً. غير أنّ روسيا الاتحادية، في مثل هذه الحالات، تعترف بالجنسية الروسية وحدها.
من حيث المبدأ، كان إدخاله السجن (بتهمة محاولته إثارة انتفاضةٍ في جمهورية كازاخستان)،

وطلبات الإفراج عنه، وإطلاق سراحه المبكر من السجن، أشكالاً من الاعتراف بمكانته المميزة في الحياة العامة.
غير أنّ كبار الشخصيات يمكن أن تخطئ أحياناً بشأن كيف وأين تركوا آثارهم. كان ليمونوف يؤكِّد باستمرار أنّ كتابيه “إيديتشكا”، و:تاريخ خادمة”، كانا مناهضين للولايات المتحدة الأميركية. غير أنّ جوهر الأمر يكمن في أنّ الكتابين أهديانا مدينة نيويورك المشرقة المرحة، ومنحانا كاليفورنيا الفاخرة. بالمناسبة، الطعام الشعبي في نيويورك طعام رديء، ولكن يبدو أنّ “إيديتشكا” لم يلاحظ ذلك، لأنّه كان يعاني في كثيرٍ من الأحيان الشعور بالجوع.
مع خلال كتابه “«Ереси» إيريسي”، يمكن فهم ليمونوف لأصل الإنسان، وعلاقته بالله. ولكنّ مناقشته تكون مفيدةً فقط إذا كانت مع أولئك الذي قرأوا بعنايةٍ مثله الأناجيل، والعهد القديم، والتوراة، بنسختها الروسية، والقرآن الكريم. في حقيقة الأمر، وبعد قراءة هذا الكتاب، أصبحت أميل إلى القناعة بأنّ المحترفين الذين يلبسون الجلباب لم يتعمقوا بما يكفي في تلك المصادر المذكورة آنفاً. فكثيرٌ منهم يُحرجون ويشعرون بالغضب. على كلٍّ يجب ألا نحرجهم!
بدا ليمونوف وكأنّه رائدٌ في أكثر أقسام النثر الروسي شهرةً заветном отделе، قسم المغامرات الجنسية. في هذا المجال، كان (إيفان بونين)(***) أول من مهد الطريق هناك، ولكنّه لم يذهب بها بعيداً. أمّا ليمونوف فقد ذهب بعيداً. غير أنّ موضوع الحرمان في مؤلفاته بدا أقوى بكثيرٍ من موضوع اللذة الجنسية عندما يهجرك حبيبك، فإنّه يتركك دون شفقةٍ، أو ندم. حول هذه الفكرة تدور أحداث أهمّ روايات ليمونوف الأميركية، وكذلك العديد من قصص موسكو.

أيُّ سياسة هنا
لم ألتق ليمونوف كثيراً. ولكنني ذات مرة في عام 2000، وأثناء اعتصام نظِّم أمام مبنى

سفارة أوزبكستان، اقترحت عليه أن يوقع كتيِّب دستور روسيا الاتحادية، الذي لم يكن قد شوّهه بعد الرئيس الروسي الثاني (بوتين)، ضحك الجميع حينها، وقالوا “كم هو رمزيّ هذا المقترح!”.
آخر مرةٍ التقيته فيها كانت خلال برنامجٍ تلفزيونيّ. أخبرته وقتها أنّ ابنه (بوغدان) شابٌّ لطيف للغاية. شكرني، وقال بشكلٍ غير متوقع: “الشيء الرئيسي ألا يجرّوه إلى المخدرات. هذا ما أخشاه أكثر من أيّ شيءٍ آخر”.
أمّا هو نفسه، فقد تغلب منذ فترة طويلة على جميع الإغراءات، وأقلع عن التدخين قبل 30 عاماً، لمجرد اختبار قوة الإرادة. في إحدى قصصه “الكاليفورنية”، كتب حول اختبار قوة الإرادة، مظهراً أبطال القصة أناساً أحياءً وواقعيين للغاية.
غادرنا ليمونوف، ولكن فتى الضاحية العمالية مازال يبحث عن الروبلات الخمسة العزيزة، ليدعو إلى الرقص فتاته الجميلة سفيتلانا. أما “إيرديتشكا”، فما زال مرتدياً بنطال جينز بالٍ، يطوف نيويورك في شهر حزيران، باحثاً عن مغامرة تدور في رأسه. وهكذا سيبقى الفتى إلى الأبد.

هوامش:

(*) دكتور العلوم القانونية.
(**) ليمونوف – Eduard Limonov (1943-2020): شاعر وكاتب روسي منشق. هاجر من الاتحاد السوفيتي عام 1974. عاد عام 1991 إلى روسيا ليؤسس حزب القومي البلشفي الذي حظر عام 2007. كمعارض شرس للسياسة الليبرالية الجديدة. اعتقل عام 2001، وسجن بتهمة حيازة أسلحة. كان أحد قادة ائتلاف (روسيا الأُخرى). ومع ذلك وقف إلى جانب سياسة بوتين الخارجية في أوكرانيا عام 2014. اشهر أعمال: ” أنا – إدي”، “كتاب واتر”، “انتصار الميتافيزيقيين”، “روسيا الأخرى”، “الوحوش المقدسة”، “أمّ الحبّ العظيمة”، “إختفاء البرابرة”.
(***) نيكولاي أوستروفسكي (1904- 1936): كاتب سوفييتي، مؤلف رواية “كيف سقينا الفولاذ”.
(****) (إيفان بونين): شاعر وكاتب روسي – سوفييتي، حاز جائزة نوبل في الأدب عام 1933، تقديراً لمهارته الصارمة في تطوير تقاليد النثر الروسي. وجائزة بوشكين ثلاث مرات، في أعوام (1901- 1903 – 1909). من مؤلفاته: “حياة أرسينييف”، “سيّد من سان فرانسيسكو”، “تفاحات أنطونوف”.

ــ عنوان المقالة الأصلي: Лимонов. На прощание.
ــ عن صحيفة: نوفايا غازيتا.
ــ رابط المقالة: http://www.ng.ru/vision/2020-03-22/100_200322limonov.html

ترجمها عن الروسية: سمير رمان.