قصائد مختارة لشاعر المايا الغواتيماليّ أومبرتو أكابال

ولد أومبرتو أكابال في بلدة موموستينانغو في غواتيمالا عام 1952، ووافته المنية في غواتيمالا سيتي عام 2019. اختار أن يكتب شعره بلغته الكيكتشية الأم، وهي إحدى لغات المايا، ثم يقوم بترجمته بعد ذلك إلى الإسبانية. تُرجمت أعماله إلى اللغات الإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، والعربية، واليابانية، والهنغارية، ما جعل منه شاعر المايا الأكثر شهرة في العالم، وأحد أشهر الكتاب الغواتيماليين في أوروبا، وأميركا اللاتينية.

اضطر أكابال لترك الدراسة وهو في الثانية عشرة من عمره، كي يساهم في إعالة أسرته، إلى أن غادر موموستينانغو إلى غواتيمالا سيتي. وعلى الرغم من أن جده حذره من أن الكتب يمكن أن أن تجعله يفقد عقله، إلا أنه قرر المغامرة في عالم الشعر. فكتب بداية بالإسبانية، لأنه لم يكن يعرف لغته الأم، لكنه سرعان ما أتقنها، وبدأ يكتب قصائده بها في الثمانينيات، ثم يترجمها إلى الإسبانية، الأمر الذي أتاح لأعماله جمهوراً أوسع.
منذ أول مجموعة شعرية له بعنوان (مربي الحيوانات) عام 1995، وظف أكابال رموز السكان الأصليين ضمن إطار تاريخي ثقافي، وعبّر عن قضيتهم. وأعماله لا تزال تشكل عنصراً من عناصر ظهور الشعوب الأصلية، كموضوع، وكعامل سياسي وثقافي في غواتيمالا اليوم، حيث بات البحث عن الهوية أكثر صعوبة في أعقاب ”اتفاقيات السلام“ التي تمّ توقيعها نهاية القرن الماضي. صوته هو صوت أسف وإدانة، كما أنه أغنية ودعوة للمشاركة في آن معاً. إنه قصيدة للتعايش، قصيدة للخصوصية، أشبه بمرآة جدلية تعكس التنوّع. وقد ساهمت أعماله إلى حد كبير في تكوين وعي جماعي يضم السكان الأصليين وغير الأصليين معاً، مخاطباً بذلك ذاته، والآخر.
حاز على العديد من الجوائز، منها جائزة كيتزال الذهبية عام 1993، التي منحته إياها نقابة الصحفيين في غواتيمالا، وجائزة بليز سيندرارز السويسرية الدولية للشعر عام 1997، وجائزة الغناء القاري في أميركا، التي منحته إياها اليونيسكو عام 1998. ومن الجدير بالذكر أنه رفض عام 2003 جائزة ميغيل أنخيل أستورياس الوطنية للآداب، وذلك لأنها تحمل اسم أستورياس الحائز على جائزة نوبل للآداب، الذي كتب أطروحة بعنوان ”مشكلة الهنود الحمر الاجتماعية“ أشار فيها بشكل مسيء، وبانتقاص، إلى شعوب السكان الأصليين في غواتيمالا حسب قول أكابال.
من أعماله الشعرية: “مربي الحيوانات”، و”حارس الشلال”، و”قلب الثور”، و”رقصة الرعب”، و”الكلمات تتزايد”، و”العزلة”، كما أنه كتب العديد من القصص والمقالات.
أثنى العديد من النقاد على عمل أكابال كتخليد لتقاليد الشعوب الأصلية. وقد قال الناقد الأدبي كارلوس مونتمايور فيه: “إن أومبرتو أكابال شاعر يؤاخي في ذاته بين وعي السكان الأصليين (لغاتهم وعظمتهم وروحانيتهم وموسيقاهم وأغانيهم)، ووعي أميركا اللاتينية لذاتها في الحاضر”. كما قال الشاعر الإسباني أنطونيو غامونيدا: إن أشدّ ما يذهلني في شعر أكابال هو بساطته الجوهرية القائمة على أساس القدسية التي تنبض بها كلماته، كاشفة عن الحقائق والأشياء والكائنات الطبيعة”.

***

الجناح المكسور

 

لم أسمع مرة أخرى شدواً
بجمال موجع للغاية.

سقط العصفور
بجناحه المكسور
نظر إليّ،
وكان يحتضر
نظر إليّ،
نظر إليّ،
نظر إليّ..
انتحبتُ.

وكان يحتضر، يحتضر، يحتضر…

نظرته تلك
كانت تريد مني
أن أحييه من جديد.

* في قصيدته “الجناح المكسور”، يمثل النحيب الشعري على العصفور المحتضِر العجزَ أمام ذاكرة الشاعر المتعلقة بضحايا القمع.

الريح المجنونة

كما لو أنها جاءت تمتطي
ثوراً هائلاً،
زأرت الريح عبر الوهاد:
ارتعدت الأشجار،
صرّت الأبواب…
بدت وكأن خوفاً يطاردها، كما لو أنها
تبحث يائسة عن مخبأ لها.

أفزع جريُ الريح الجنونيّ
الليلَ نفسَه
فاستتر
خلف الدّجى.

البيت العنيد

في النهار ندهنه بالكلس
فيُزيلُه في الليل.

هذا البيت،
لا يريد أن يكون أبيضَ،
يعجبه لونُه الترابي.

رماد

كلّ شيء احترق.
الرماد ما يزال مشتعلاً،
تنوح الريح،
تفتّش،
تعلم أن ناراً
كانت هنا…

وما من أحد يرانا
لهيب دمنا يستعر،
متعذَّر إطفاؤه
رغم ريح القرون.

صامتون،
غناء غارق،
بؤس له روح،
حزن محشور.

آه، أريد أن أصرخ باكياً!

الأراضي التي تتركنا
هي المنحدرات،
الأغوار:
تغسلها الأمطار شيئاً فشيئاً
وتجرفها إلى السهوب الفسيحة
التي لم تعد لنا.

ها نحن هنا
نقف على حافة الدروب
بنظرة تكسرها دمعة…
وما من أحد يرانا.

* في قصيدته “ما من أحد يرانا” المنشورة في ديوان “حارس الشلال”، يثير أكابال قضية المايا من منظور تاريخي، ويؤكد على التعددية ضمن إطار وطني، ليس في القارة الأميركية فحسب، بل في العالم أيضاً. أعماله ليست فقط انعكاساً أدبياً لعمليات التمرد التاريخية والسياسية والثقافية، إنما هي عنصر من عناصره، فقد استخدم أكابال الكلمة كرمز للتمرد الذي حدث في تاريخ الأمم الأميركية، وكأحد أسلحته. كما يؤكد على ذلك تكراره المتواصل مثلاً لكلمة “صراخ” في  قصائده. من هنا نستطيع القول إن أعماله هي في حدّ ذاتها عمل تمردي.

لوحة للرسام الأميركي كارل إيفرتون (1879-1948) صورت الأميركيين الأصليين في حالتهم الطبيعية (buy enlarge)

وجع في غاية الحساسية

مرة أخرى
يُشعل لهيبُ الذكرى
الذاكرةَ من جديد…

بوجع مفرط الحساسية
بنظرة محطمة
ينبش بنو قومي الأرضَ
بأظافرهم.

والأرضُ الأم
تنبش موتاها
وتَخرج العظامُ لتصرخ،
لتروي بصوت مريع
رعبَ تلك الأيام،
تلك السنين، ذاك القرن
الذي بالكاد انتهى البارحة…

والريح تبدد الصدى:
قتلة، قتلة، قتلة!

إذا كانت عظام الموتى تتكلم
فلأي سبب سنصمت نحن الأحياء؟
فلتبقَ ذكراهم
متقدة

وليبق لهيب الذاكرة
مستعراً أبد الدهر

لا مزيد من الدم،
لا مزيد من الألم،
بعد الآن.

* قصيدة “وجع في غاية الحساسية” اخترناها من أحدث مجموعاته الشعرية، وهي بعنوان “رقصة الرعب”، وتعبر عن المهمة الحالية في غواتيمالا، والمتمثلة في انتشال رفات ضحايا سياسة التدمير الجسدي والثقافي لجماعات المايا في الثمانينيات.

اليوم

اليوم استيقظت خارج نفسي
وخرجت باحثاً عني.

جبت طرقاً وسبلاً
إلى أن وجدتُني.

جالساً فوق منزل الطحالب الجنائزي
عند قدم سروة،
أحادث الضباب
محاولاً أن أنسى
ما لا أقدر على نسيانه.

عند قدميّ
أوراق، أوراق وحسب.

* نشر شاعر المايا هذه القصيدة “اليوم” في أول مجموعة شعرية له بعنوان “مربي الحيوانات”، التي صدرت في العام نفسه الذي بدأت فيه عملية السلام في غواتيمالا لإنهاء النزاع المسلح الداخلي الذي استمر لأكثر من ثلاثة عقود (1960 – 1996).

أغنية الدم القديمة

 

لم أرضع اللغة الإسبانية
حين جئت إلى العالم.

لغتي ولدت بين الشجر
ولها طعم الأرض؛
لغة أجدادي هي بيتي.

وإذا ما استخدمت هذه اللغة التي هي ليست لغتي،
فإنني أفعل ذلك كمن يستخدم مفتاحاً جديداً
ويفتح به باباً آخر ويدخل عالماً آخر،
حيث للكلمات صوت آخر
وطريقة أخرى للإحساس بالأرض.

هذه اللغة هي ذكرى وجع
وأتكلمها من دون خوف أو خجل
لأنها مشتراة بدم أسلافي.

بهذه اللغة الجديدة
أُريك أزهار أغنيتي،
وآتيك بمذاق أحزان أخرى
ولون أفراح أخرى……

هذه اللغة هي مجرد مفتاح آخر
أغني به أغنية دمي القديمة.


* أغنية الدم القديمة التي يُفتتح بها ديوان الكلمات تتزايد، تمثل الصرخة التمردية عند أكابال، والتي هي في آن معاً صرخة – استنكار، وصرخة – أغنية.

الماء والنار

لا أنسى صورة
ذاك المطبخ الذي شبت فيه النار،
كان الدخان يشتعل في العيون
وكان مريراً في اللسان…
الظلالُ على الجدران
مخاوفُ سوداء.

النار المجنونة كانت تلتهم
الخشب…
وكان الماء يغلي
أشبه بحيوان، يخمشُ
مسعوراً داخل القدر.

ضباب المساء

اسمحي لي أن أبكي الآن
فلن يكون لدي وقت للبكاء لاحقاً.

دعيني أحبك الآن
فثقل الحياة سيزداد عليّ غداً.

لا تقولي لي إن للحلم نهاية.

لا تقولي لي إن الوهم يتبدد
مثل ضباب المساء.

لا أريد أن أعرف أنني أكذب على نفسي
وأن هذا الوجع الذي يشتدّ
شيئاً فشيئاً في قلبي
هو الحقيقة الوحيدة.

ترجمتها عن الإسبانية: مها عطفة

((ضفة ثالثة ))