سائق الحرب الأعمى

رواية

أسعد الجبوري

منشورات  نوفابلس للنشر والتوزيع

الفصل الأول

((1))

لقد عثرت على الزوج الإيروتيكي. أحببته بكل ما في جسدي من قدرات عاطفية. وقد أدفعُ حياتي إلى آتون نيرانه الجميلة صفحة تلو أخرى، ففيه من الطاقات الرومانسية ما يحول دون احتراقي في حضن سواه من العشاق. ليس بإمكاني الحديث عن مستقبلي معه، لا أملك نبوءة تكشفُ عما يختبئ في كهوف ذلك الرجل وأغواره. ولكنني قررت التزوج به في عطلة نهاية الأسبوع القادم.

                                                                                                                                                                                                                     أديث/ نيفادا

 

ما أن قرأ أبي ما وردّ في تلك الرسالة التي استلمها بواسطة جهاز الفاكس الخاص بمكتبه داخل المنزل، حتى تعالت قهقهاته، وهي تمزق كهولة المكان وجفافه. بينما امتقع وجه أمي الجالسة على الصوفا في الصالون الكبير، فأصبح مثل مدخنة مشتعلة تفيض ناراً ودخاناً إلى أعالي السقف.

–  لقد اختارت البنت زوجاً ((إيروتيكياً))!

هأ هأ هأ. يا لها من عبارة حادّة. ولكنها مذهلة بحق!!

ما رأيك يا جوليا؟

سأل غرين زوجته وهو يشعل النار في سيجاره الفخم الطويل.

–  اختيار موفق. أليس هذا ما تريد التصريح به؟

أجابته أمي بتوتر وهي تنهض لمغادرة الصالون إلى الداخل، إلا أنها وقبل أن تختفي تماماً، توقفت وسألته بنوع من السخرية:

–  أهذا كل ما تعلمته أبنتك العبقرية من دراسة العلوم المثيولوجيا في الجامعة هناك؟ علم البغاء ومعارف الوقاحة؟!!

–  ولمَ تظنين بأنها ارتكبت خطأ. سأخبرها بالهاتف أن تأتي بالعريس إلى هنا، لنتعرف عليه ونقيم لهما حفل زفاف في القصر. نحن بحاجة إلى كرنفال صاخب لنطرد به عن أجسادنا الصدأ اللعين، سأخبر الشركة بأن تنقلهما بطائرة هليوكوبتر خاصة.

عليك إعداد قائمة بأسماء الضيوف، ممن سنرسل لهم الدعوات لحضور الاحتفال المرتقب.

–  افعل ذلك بنفسك. ولا تنس أن تشتري لها بنطلون جينز. فقد لا تعجب أبنتك أديث فساتين الزفاف!

ردت عليه أمي وغادرت المكان متوترة.

–  كلا يا جوليا. فقد تشهدين ما هو أفظع من الخيال.

هكذا صاح بها أبي باستهزاء متهكماً، فيما كانت عيناه تحدقان بي. أما أنا، فأصبحت في تلك اللحظات أشبه بقطعة لحم على نار ملتهبة.

شعرت بأن ناراً تكاد تحرق ذلك الكرسي الذي كنت أجلس عليه.

لم أفكر طويلاً بما جاء في رسالة أختي من كلمات.

أختي أديث وفرت ذلك الجهد على الجميع، عندما قامت بتوصيف عالمها بالمبغى القلق المراهق المضطرب. شعرتُ بأنها تملك جرأة حادّة قويةً، طالما أفتقدها أنا. أو بعبارة أدق، إن أديث لم تتنازل عن حريتها بالصراخ أو بعمل ما يحلو لها، ولا كذلك بالتعبير عن المركب الذي تجلس على متنه. ومع كوني غير شديد التعلق بالفلسفة ولا بمشتقاتها، فقد آثرت أنا الصمت والتسلل بهدوء من الصالون إلى غرفتي في الطابق العلوي، لأجد أمي واقفة أمام النافذة، وهي في غاية الارتباك.

عرفت أنها كانت بانتظاري لأمر ما. لكنني لم أرضخ لنظراتها المنكسرّة. رفضت التضامن مع مخاوفها، لأنني كنت أعرف ما كان يدور في خلدها من أسئلة وطواحين.

جلستُ أمام النافذة الثانية المطلة على الشرق، وأطلقتُ نظراتي نحو الحقول البعيدة بصمت، في محاولة مني للتغطية على ما كان يعتمل بداخلي من ارتباك. ومتخيلاً في الوقت نفسه، كيف ستهبط طائرة الهليكوبتر وسط ساحة القصر الأمامية بعد يومين، وهي تقل أديث وخطيبها.

لم أتوقع انسحاب أمي من غرفتي دون أسئلة آنذاك. أظن خاب أملها من حصول تبدّل في أفكار أبي أولاً. وثانياً، ربما لأنني شاب هامشي في العائلة، لا يتمتع بالقدرة على تصنيع أفكار فاعلة تستطيع قلب موازين القوى بين سكان القصر العائلي، بحيث يمكن أن يكون لها بعض التأثير على أديث، لتوقفها عن المضي بمشروع زواجها من ذلك المراهق الذي لم يعرف أحدٌ منا عن تاريخه شيئاً.

أديث فتاة انقلابية، ربطت حياتها بالمزاج والعبث والفوضى، وما كانت رغبتها بدراسة المثيولوجيا على سبيل المثال، إلا هاجساً منها للبحث في تاريخ الشخصيات الأسطورية التي ما تزال تلقي بظلالها على بعض جوانب من حياتنا.

بالتأكيد. أنا أقول ذلك دون تردد بالطبع. فلا أعتقد بأن رأس أختي يخلو من صورة إحدى ربّات الجمال، بنات زيوس اللاتي عبدهنّ الإغريق، هذا إذا لم تكن أديث تتصور نفسها ” أفروديت” إحدى الإلهات العشر اللواتي عشنّ على قمة الأولمب.

أعرفها دائمة الأحلام. وعقلها مُركبٌ بفظاعات. ومخيلتها فياضة بالأساطير إلى حدّ إنها تقوم باختلاق شخصيات وهميّة، يمكن أن تضيفها إلى تاريخ الأساطير افتراضياً.

نعم. فهي لا تتردد بالحديث عن تلك المخترعات الخرافية بإسهاب. وطالما تذكرنّي أختي برموز كثيرة تحكمت بمصير العالم في الماضي البعيد، وما تزال نسخ منها، تتسلل إلينا بصورها، لتفيض في أرواحنا وتزيد من مساحات التأمل في النفس.

ومع أنني لم أقو على مناقشتها، ولا الاستطراد معها بسبب الضيق الذي تبثه في نفسي أحاديثها المختلقة عن تلك الرموز الحقيقية منها أو المصطنعة، إلا أنني كنت أحسدها على تمردها العفوي للإطاحة بكتل تلك الأساطير دفعة واحدة. إذ سرعان ما تثور أديث فتقوم باحتقار زعامات تلك الأساطير وأبطالها ورموزها إلى حد قيامها بتمزيق كتب وإتلاف موسوعات تفوح من قصصها روائح رموز، يمكن أن تبطل عن حبهم، أو تكف عن التعلق بهم، ولا أن تبقي على شيء من الاحترام لسيرهم الذاتية.

((هل تعرف يا زولا أن الإيمان بتلك الأساطير، كثيراً ما يخفف علينا وطأة الموت أو الخوف منه؟!

لكن ذلك الإيمان، سرعان ما يتحول إلى عقيدة كابوسيه تريدُ استنزاف طاقات الخصب الذي يتموج في داخلنا، لنبقى له خدماً في المعابد فقط!)).

كنت أضحك من تصوراتها تلك. ولتلافي حدّة النقاش معها حول موضوعاتها الخاصة، طالما كنت أخرج على دراجتي هلعاً، لأشق الحقول بدولابيها. كنت افعل ذلك، ربما لتطهير نفسي من كوابيس، كانت أديث تحاول زرعها برأسي عنوة، علماً إنها تعرف جيداً طريقتي بمحو آثار كلامها من نفسي. بل وكانت تقول لي: حذار من مغبة التخلص من أفكاري على وجه السرعة، أو بدفعة واحدة!!

“الرأس الفارغة من الأساطير، تصبح عبئاً على الجسد الذي يحملها. لأنه يشبه أرضاً جرداء، لا يأتيها ماء ولا يتذكرها مطر”

ذلك تعبير لها، ما زال عالقاً بذهني حتى الآن.

كانت تريد مني أن أعيرَ رأسي لأفكارها مثل حاضنة البيض. بمجرد أن تتم عملية التفريخ. أقصد تفريخ الأفكار، فإنها تفقد الاهتمام بكل شيء، ولا يعد عندها ثمن لرأس أم لأفكار أم لحاضنة البيض أم لديوك الفلسفة العبثية التي كانت تُغرق بها نفسها.

لم أجد ما أشغل به نفسي في تلك اللحظات. فبعد أن غادرت أمي المكان، تركتني وقلقي في حلبة واحدة. ومن أجل تفادي تضخم حيرتي واستفرادها بيّ في تلك العزلة، نزلت إلى الطابق السفلي مرة جديدة، لأجد أبي منهمكاً بإعداد كل ما يتعلق باستقبال الخطيبين والضيوف بواسطة البريد الإلكتروني والفاكس، بينما رأيت أمي جالسة بالقرب منه، وهي تراجع في قائمة أسماء من ستتم دعوتهم للاحتفال بيوم الزفاف السعيد.

التلفاز في تلك الأثناء، كان يبث أغنية مصورّة للمطربة (( جنيفر لوبز)).

وكان كلب العائلة يستمع إليها وحيداً باهتمام واضح. عرفت ذلك، عندما حرك رأسه نحو الجهة الأخرى رفضاً للمداعبة التي قامت بها يدي. ربما اعتبرها حركة سمجة تعرقل متعته بالأغنية. لم استشط غضباً. تركت الكلب مخموراً بنشوته المحمومة تلك، وهو يجول بعينيه بين صور وحركات تمزج ما بين لحن البوب واهتزازات مؤخرة المطربة السائحة كقطعة زبد في ظهيرة يوم قائظ.

ما أن انتهى والدي من ترتيب بعض الأمور، حتى اضطجع على الصوفا العريضة مبتسماً، وهو في حالة من النشوة. صورته على تلك الشاكلة، أعطتني انطباعاً جميلاً عما كان يفكر به في تلك اللحظات. فأديث بالنسبة لأبي أشبه بسفينة نوح، فتاة تحمل على ظهرها كل الأجناس وكل الأطياف وكل المخلوقات.

على عكس نظرته إليّ تماماً. فأنا في ذهنه لغمٌ مدفون في أرض. لكن لا أحد يعرف في أي مكان، ولا في أي موقع يلبدُ ذلك اللغم بالضبط. إلا أن أبي في كل الأحوال، مطمئن على سلامة نفسه من أن يقع يوماً ضحية لانفجار ذلك اللغم الذي أمثله أنا.

أما أديث في رأس والدي، فإنها قنبلة، لا خوف منها حتى لوجدها ذات يوم في حضنه أو بين قدميه. فالبنت انفجرت وتخلص الأب من همّها. وكل ما بقيّ من عمل، أن تستمرَ العائلة كلها بلّملمة الشظايا المتطايرة منها على مرّ الأيام.

ذلك الإحساس بات مُقنعاً بالنسبة لي. ليس بسبب غيرّة، للاستئثار بحب أحد الوالدين، أو لكسب المال. لا. فالحبُّ قطار، ليس له عندنا في القصر سكة. والأموال والأراضي التي ورثها أبي عن أجداده، ارتبطت بأن ينال معها أيضاً نصيبه من ثروة تقاليدهم وأفكارهم وحروبهم وأمراضهم. ربما !

لذلك منعت نفسي من الاقتراب إلى حوض الماضي الآسن. فضلت أن أطفو كلوح خشب طرّي على مياه أخرى.

فمنذ أن تجاوزت أديث السابعة عشر بقليل، وهي تحظى باهتمام خاص من أبي. كانت مثل السماد الخبيث الذي يغطي كامل دماغه، مما سهل على أديث أن تزرع في رأسه كل ما هو غريب وشاذ من النباتات المجنونة.

مبدئياً.. أنا أدرك بأن أديث تحاول بناء عالم خاص بها. ولم يكن لديّ أي اعتراض في ذلك المجال. كنت أضحك دون أن أقع في شرك الظنون أو الأفكار العميقة. لذلك كنت أدير ظهري لها ولمشاريعها دون تخمين للمضار التي قد تنجم عن ذلك التجاهل.

كان لأديث نصف ساعة من الرياضة في كل اليوم. فما تنهض من فراشها وتتناول بعضاً من فطائر الجبن مع شيء من الزبد والبيض مع الشاي، حتى تربط شعرها، ثم تنهضُ لقطف بعض الزهور البريّة من قرب السور، لتضعها على قبرها المنتصب وسط ساحة المدخل الأمامي لقصرنا الريفي الضخم، بعد ذلك تمتطي دراجتها الحمراء، متجهةً إلى باب السور الرئيسي، حيث أكون بانتظارها.

ومن هناك عادة ما ننطلق إلى المدرسة الثانوية التي لا تبعد عن مكان إقامتنا في القصر، أكثر من الكيلومترين. وهي مسافة عادة ما نقضيها أنا وأديث بالثرثرة والتسابق على الطريق حتى وصولنا إلى هناك.

لا أعرف كيف أقنعت أديث والدي بتلك الفكرة اللعينة :أن تُقيم لها قبراً في الساحة الأمامية من حديقة القصر، وهي لا تزال على قيد الحياة؟!

فيدفع الأبُ إلى الجنون قسماً من عقله، فيما يدفع القسم الآخر مالاً كثيراً، لتنفيذ رغبة جنونية عقيمة من ذلك النوع. كل ذلك حدث. يستأجر الأبُ مهندساً لتصميم القبر. يبتاع مرمراً أحمر اللون مع شاهدة موشاة بالفضة والذهب، ليحُفر عليها كلاماً مبهماً وسخيفاً.

لقد غيرت أديث نمط حياة العائلة تماماً، فهي لم تدعنا نحس يوماً إننا نعيش عيشة الأثرياء، ولا أن نمارس شيئاً من الجبروت الارستقراطي الذي عادة ما تصنعه الأموال والسلطة. أديث مزقت العائلة سلوكاً وخرافات وطقوساً بضربها جميع البروتوكولات والقواعد المنصوص عليها عند أكابر القوم وعند العائلات الإقطاعية في أمريكا.

كانت تقول لي : إنها ميتة منذ زمن طويل. وما وجودها بيننا إلا وجوداً وهميّاً بعمر إضافي آخر لا يخصها، موثقة ذلك بوقائع من عندها.

فمرة تقول إنها ماتت في رحم أمها قبل ولادتها بسنوات. ومرة تقول لي إنها قتلت في حادث تدهور دراجتها الهوائية في هاوية عميقة، ولم يبق من جسدها على تلك الصخور إلا فتافيت لحم وعظام مهشمة. وإلى قصة ذلك الحبّ العنيف المرعب الذي تتصور إنها عاشته مع أشخاص كثر، كانوا يأتونها كل ليلة في المنام فراداً، يغتصبونها كل على حدّة. وما أن يبزغ الفجر، حتى ينتحر كل واحد منهم بالتتابع، تاركاً إياها أفعى تلتوي بين شراشف سرير مشتعل بالنيران!!

بادئ الأمر، اعتبرتُ فكرة بناء القبر نوعاً من فانتازيا البذخ، يمارسه رجل تجاوز الستينات مثل أبي. فهو رجلٌ خبر الدنيا كفايةً، حتى بات يعرف بثقة وإدراك عميق، أي الطرق أسرع لإنفاق تلك الثروات الطائلة، سواء إن تم ذلك على نساء أم على طاولات قمار أم على شراء كتب نفيسة، عادة ما كان يستفرد بمؤلفيها في صومعته الخاصة أيام الآحاد بمعزل عن العائلة.

أجل. لقد أدركت أبي في تلك الصورة مبكراً.

فما أن ينطلق أبي على حصانه ذاهباً لمكانه ((الصوفي)) في الطرف الجنوبي من المزرعة الخاصة به، حتى تنقطع عن الجميع أخباره. فهو من الرجال الذين لا يسمحون لأحد بالاقتراب منه، ولا بدعوة أحد ما ليشاركه عوالمه.

ففي النادر النادر، وبمرات قليلة، اصطحبني وأديث معه إلى هناك. كان الخدم يعدّون لـه الأطعمة والمشروبات والفوانيس الغازية والأسلحة، ويغادرون المكان بمجرّد وصوله إلى هناك.

لذا.. كلما حاولت الاستفسار عن عوالم ذلك الرجل، تضربُ الحيرّةُ لي دماغي، فتبرد الدوافعُ وتخف محاولات الكشف عن أي سرّ من أسراره.

صومعته تلك، كانت مكاناً مشفرّاً، ومن الصعوبة بمكان التحقق مما يجري فيها. لذلك ومن هناك، كنت أجد بأن فراغ جسدي من صورة أبي وعوالمه، أفضلُ بالنسبة لي من أن أجدهُ محشوراً في كل نقطة مني.

قد يكون ذلك بسبب رغبتي العارمة بالتحرر من الرقعة التي أعيش في آتونها. فكل ما كان يهم، هو أن أخرج كالطلقة من ماسورة العائلة دون ضجة أو أثر ضار. أشياء كثيرة تحدث داخل القصر، ولا أحسن التعرف عليها أو تفسيرها بالضبط، لأن شرحها يستعصي عليّ.

هل لأنني كنت صخرة تتعايش مع تلاطم الأمواج؟

صخرة راحت تنمو وتكبر في أعماق بحر مجنون دون خوف؟

وإذا كان عالم أبي مغلقاً إلى حد ما، فمثله كان عالم أمي أيضاً. كانت أمي هي الأخرى أشبه بلؤلؤة تعيش وتنمو وتتنفس داخل قوقعة، دون أن تترك لأحد مسافة خرم إبرة للدخول إليها وتفحص سجلاتها وتقديم أية مساعدة، فيما لو كان ثمة حاجة لذلك. وما أكثر الحاجات، كما كنا نجد ونتلمس ونرى في علاقة الاثنين.

طالما كنت أشعر بأنني في عائلة باطنية من طراز رفيع؟!

ومع وجود شعور قوي مثل ذلك، فأن تلك العائلة، لم تمنحني حتى حلم الفرار منها، على الرغم من تفاهة ذلك الحلم.

مرة ردّ أبي على أسئلتي المتكررة بخصوص صومعته الغامضة تلك قائلاً لي بما يشبه التوضيح:

((أنت قاصر على التفكير بعوالم الكبار الآن يا بني. وما أن تبلغ سنّ الكون، حتى تجد هذا المكان نجمة يمكن أن تلوذ تحتها في الأوقات العصيبة)).

لم أفهم شيئاً من كلمات أبي آنذاك، كان يلفني الصمتُ والضحك فقط، ومن بعدها الارتماء في حضنه، للعب بشواربه الطويلة التي كانت مثل ريش أبيض تشع فوقه تلك النظارة الطبية. إلا أن شيئاً آخر كان يجري على مرأى عيني وأتذكره الآن تماماً. هو قيام شقيقتي أديث بسرقة بعض من كتبه، والاعتكاف على قراءتها بعيداً عن جو العائلة وأعينها في أغلب أيام الأسبوع.

لم أفكر بما كانت تفعل أديث بتلك الكتب. إلا أن شعوراً ضمنياً، طالما يدفعني لتخيّل خطير وموجع. أن أرى أديث ذات يوم قريب امرأة عجوزاً بفعل آثار تلك الكتب الهرمّة !

ومثلما كانت علاقتي بشقيقتي مهزوزة، وكأن لا شئ يربطني بها سوى دراجتها الحمراء المنافسة لدراجتي السوداء على طريق المدرسة، وبعض المشاكسات التي كانت تستشيطني غضباً منها، كرفضها الدائم لاستخدام سيارات العائلة بالذهاب إلى المدرسة، عدا أيام الشتاء طبعاً، عندما تبتلع الثلوجُ العجلات الصغيرة كاللقمة السائغة، حيث لا مجال لركوب الدراجات على تلك الطرق بسبب تراكم الثلوج وسقوط الأمطار واندلاع العواصف التي غالباً ما كانت تستهوي أديث، أسوة بجهوزيتها الكاملة لتأنيبي على الدوام.

مرة صرختُ بها محتجاً كالمجنون:

–  لماذا تصرين على تعذيبي معك يا أديث؟

–  لأن السعادة في هذا المكان وهمّ. وما عليك إلا استخدام طاقاتك. كأن تتصور الثلج مرجاً أخضر في ربيع دافئ.

هكذا كانت تجيبني دون تلعثم واضح أو تفكير طويل.

–  أليس ما تفكرين به ليس إلا ضرباً من المازوخية يا أديث؟

–  للأسف يا أخ الغباء. كلما حاولت زرع شتلة من خصائصي في داخلك، إلا وأجدها تجف وتذبل وتموت مقهورةً. أتعرف لماذا يحدث ذلك يا زولا؟

لأنك ترجمةً صافيةً عن ملاك غبي، لا يستطيع إنارة الغرفة التي يسكنها، خوفاً من أن يَشعلَ عودَ ثقاب، فتلمس أصابعه النارُ !!

–  إذا كنت تكبرينني بسنتين. فهذا لا يعني أن تفكري وتحلمي بدلاً عني. أليس ذلك صحيحاً؟

–  أنا لا أناقش حجراً، ليكن ذلك معلوماً لديك.

–  وهذا كفر، بل هو الكفر بعينه؟!

–  ومن أين جاءتك هذه الأفكار الفلسفية وأنتَ ما تزال في القماط؟

–  تعلمتها من أمي.

–  وماذا تعمل أمنا جوليا غير أن تجلس في حجرتها وتصطاد بأفكارها وتخيلاتها ما يعجبها من الحيوانات البشرية؟ هل في كلامي هذا مبالغة؟

سألتني أديث هذه المرة ساخرة بشدّة وعنف.

–  أعرف عما تلمحين إليه يا أديث. فأنت لا تكفين عن ذلك البتة. ولكن ألا تعرفين بأنني كنت مُكلفاً بكتابة تلك الرسائل.

أجبتها كالمختنق.

–  أعرف بأن تلك كانت رسائل !! ولكن لمن؟هل سألت نفسك يوماً عن ذلك أيها المغفل؟

–  ومن أين لي أن أعرف ذلك؟ أمنا لديها حركات مجهولة. لذا لا أريد الاسترسال أكثر.

–  ماذا تقصد يا زولا؟ أكانت أمنا تخون أبي……

–  هذا ممكن. ولكن بطريقتها الخاصة.

الحوار مع أديث عادة ما ينتهي بمعركة، أكون أنا الخاسر فيها على الدوام. فقبل نمو بذور التمرد في ترابي، رضخت لمشيئة أمي وأوامرها، وذلك بأن أعمل تحت إشرافها دون تردد أو عصيان. وآنذاك.. أوكلت لي أمي مهمة سرية:

أن أصبح ((العرض حالجي)) الخاص بكتابة ما تمليه عليّ من رسائل، وبخط يدي فقط.

منذ ذاك الوقت، اعتبرتُ كتابة الرسائل بتلك الطريقة، مهنة مرغم عليها. وهي نوع من التسلية التي لم أدرك ما يكمن وراءها.

لم أكن مهتماً بالاحتجاج على فرض من ذلك النوع، إذ طالما شعرت بالارتياح مما كنت أقوم به في أثناء تدويني لأفكار ومشاعر وصور، كنت أسمعها للمرة الأولى في حياتي. لقد مضيت بالخطة دون اكتراث. أنا أكتب تلك الرسائل إلى أشخاص مجهولين. وأمي ترسلها إلى العناوين المختارة.

لم أسأل أمي عن سرّ امتناعها عن تكليف شقيقتي أديث بتلك المهمة، وهي الأكبر سناً مني، فتتركني وشأني بعيداً عن عوالم خاصة بالكبار!؟

عمل أمي الوظيفي كمديرة لدائرة البريد في الولاية، أمرٌ لا يمكن تبريره. فهي لا تحتاج لتلك الوظيفة أصلاً. خاصة وأن الأموال التي تملكها العائلة، تستطيع إطعام مقاطعة أمريكية طويلة عريضة.

هل كانت أمي تعمل لتقطيع الوقت؟

ربما يكون ذلك صحيحاً. لكنني، ومع مرور الوقت وتكاثر كتابة الرسائل. أصابني الملل من عمل شاق كذاك الذي كنت أمارسه بتكليف من الأم. لذلك طلبت منها أن تبتاع لي جهاز كومبيوتر، لإنجاز المهمات التي كانت توكلها إليّ، بدلاً استخدام الأقلام، فيتم الاستغناء عن الكتابة اليدوية.

إلا أنها رفضت طلبي محتجةً بشكل ساخط وقاطع قائلة:

((الكومبيوتر لا ينفع في تدوين الرسائل، لأنه جهاز يفتقد إلى حرارة مشاعر كاتبها ومكونات طقوسه الداخلية)).

من يومها ابتلعني الصمت. اعتبرت تلك الكلمات تأنيباً على وقاحة لم أقصدها، وهو ما دفعني للاستمرار في كتابة تلك الرسائل بخط يدي، وحتى بلوغي الثالثة عشر من العمر، عندما قامت أمي بتسريحي من وظيفتي تلك مرغمةً،

مع بدء طرحي لأسئلة ساخنة باتت حرارتها تقلق أمي.

بعبارة أدق، خافت أن ينفك اللحام عن علبة أسرار دفينة في رأسها، فيفضح ما كانت تريد سجنه في داخلها للأبد.