سائق الحرب الأعمى

رواية

أسعد الجبوري

منشورات  نوفابلس للنشر والتوز

((2))

 

طقسي الروحي في ذلك النهار، كان مرتبكاً. شعرت بجفاف يسيطر على مشاعري منذ لحظات الصباح الأولى. لا أعرف سبباُ لذلك، ولكنني أرجعت ذلك لنفسي المشوبة بالقلق من الحدث المتوقع. فالعائلة تنتظر وصول أديث وخطيبها للقصر في الغد. ومع أن الاستعدادات الواسعة والترتيبات اللازمة لإقامة الحفل قد استكملت بشكل شبه نهائي على الرغم من ضيق الوقت، إلا أن إحساساً رافقني بوجود نقص ما. فلا ضجيج الخدم أخرجني من تلك الدوامة، ولا بهرجة الاحتفال وترتيب الزينة وانتشار الأضواء، قلل من أهمية تلك المشاعر التي تسلّطت علىّ ذهني لتنخر فيه.

كنت في غاية التناقض ما بين السعادة المفترضة الوجود، وبين ذلك الاضطراب الذي باتت وطأته تشتدُ علىّ مخي بسبب كلمة “الايروتيكي” التي وصفت بها أديث زوجها القادم.

لا بد وأن اختيار أديث لتلك الكلمة من بين ملايين المفردات الواردة في القواميس، لم يأت سفسطة. أو عبثاً. فالتفاصيل عند أختي، طالما تأتي في المقدمة على الدوام. ضغطت على جهاز الحاكي القديم، للترويح عن نفسي ببعض أغاني الريف الأمريكية، لعل تلك الألحان تطرد ما كان عالقاً برأسي من أفكار سوداء ومرارة لزجة. لا أريد الاستغراق والغوص بمستنقعات أديث المتحركة أكثر، دون التوصل إلى حقيقة من الحقائق التي تنبت في داخلها وتعيش. كنت أعتبر أديث حقيقة اللا حقائق على الدوام.

وفيما أنا غارق التفكير بالصور المقلقة، شعرت بأنه من العبث الاستمرار بالاستمتاع إلى تلك الموسيقى. لذلك، كان لا بد من التخلص منها. وقد حدث ذلك بالفعل، عندما اقتربت مني الخادمة قائلة بنبرة فيها الكثير من الغنج:

–  السيد غرين يطلبكَ على وجه السرعة سيد زولا.

–  بسرعة!!

وهل ثمة ما يدعو للعجالة؟

سألتها وأنا أغلق جهاز الموسيقى.

–  لا أعرف ولكن الضرورة تقتضي أن أرافقك إلى حيث يكون سيد القصر موجوداً.

أدهشني كلامها. فاقتربت ممسكاً إياها من ذراعها وهامساً بأذنها في الوقت نفسه:

–  أنت تعرفين عدم حبي للمتاعب. فماذا هناك يا فوجي؟

–  تعال وستعرف.

ابتسمت لها. إلا إن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما سحبتني الخادمة من يدي وهي تقول لي :

–  كان عليك أن تُسكتَ صوت الموسيقى من زمن طويل،. وتستمع إلى الموسيقى التي تخرج من داخلك كبركان. أنت تحتاجُ لذلك. أليس غداً يوم عرس يا زولا؟ ألا تشعر بتأنيب الضمير حيال نفسك؟

 

–  كفى ثرثرة. لنذهب إلى هناك بسرعة، قبل أن يستولي الغضب على أبي. هيّا.

زجرتها متظاهراً بعدم المبالاة بكلماتها الرومانسية الخبيثة، فيما كان جسدي أشبه بصفيحة بنزين تشتعل تحتها النيران.

جمعّت أطرافي كلها في سلة واحدة، وهبطت إلى الطابق السفلي بمرافقة الخادمة. فتحت لي باب المكتب حيث كان يجلس أبي كالطاووس وراء مكتبه الأنيق.

–   هل من أمر طارئ يا أبي؟

سألته بارتباك. فيما رأيت الخادمة تغلق الباب خلفها وتختفي مبتعدة.

–  ماذا بك؟ أراك غير مبالٍ بالاحتفال الذي نقوم بالإعداد له من أجل زفاف أختك؟

سألني بتجهم وهو يضع السيجار في فمه، فيما كان كأس الويسكي المثلج باليد الأخرى.

–  ولمَ تعتقدُ بذلك يا أبي؟

قلت له ذلك في محاولة مني لنفي التهمة.

–  أنا أقرأ الأفكار الباطنية يا زولا. هل نسيت ذلك؟

قالها بصوت أبح فيه مسحة من الألم.

–  كم من المرات رجوتك يا أبي أن تعلمنّي طريقتك بقراءة أفكار الآخرين وأحوالهم عن بعد. كنت ترفض. وتعتذر حتى عن اصطحابي لصومعتك المبهمة تلك، والتي كنت وما زلت أسميها بسرداب المعارف السريّة.

–  أتريد أن تتعلم طريقة الاستشعار عن بعد يا ولد؟

أجابني ضاحكاً، ثم أردف قائلاً:

–  اجلس على ذاك المقعد الموجود في طرف المكتب.

–  ولم لا أجلس على هذا المقعد القريب منك. أهو كرسي مكسور أم ماذا يا أبي؟

سألته باستنكار وخبث.

–  أن تجلس بعيداً عني يا ولدي، فتلك أولى خطوات الاستقلالية التي تمهدُ لجعلك حراً بالقدر الكافي، ومنفصلاً عن السلطة الأبوية البابوية.

–  يا لحكمتك ؟

أجبته كطفل يحاول التذرع بالبكاء ليهرب من ضغوط الآخرين.

–  لا لا. لم أكن حكيماً في يوم ما. فالحكمة لها دمٌ لا وصف للونه.

أما أنا، فتستطيع تشبيهي بناقوس للحكمة. كلما تكاثر الصدأ عليه، حاول الانتفاض على نفسه، فيقذف ما بداخلها من مخلفات وأوساخ.

أريد منك أن تشارك أختك آلامها ومخاوفها وجنونها المُصاغ على شاكلة أرنب بريّ.

أنت تعرف كيف يحفر الأرنب بيته؟

إنه يصنع لنفسه منافذ متعددة، توفر له فرصاً أكثر للهرب من الموت، للبقاء حياً بعيداً عن بنادق الصيادين والمتربصين بلحمه.

–  ولكنني لست كأديث. ربما لأنك عجنتنا من طينتين مختلفتين كما يبدو. وأنت تعرف ذلك جيداً يا أبي!

–  لقد نضجت يا زولا. نضجت كثيراً. كأن الأعوام بلغت فيك ذروتها. أكنت تقرأ كتباً ولا أعرف؟

استفزني سؤال أبي. وخمنّتُ بأنه كان على درايّة بالرسائل التي كنت أكتبها لصالح أمي فيما مضى.

لم أكن متأكداً. ظننت ذلك فقط. ومع ذلك شعرت برغبة عارمة للاعتراف بتلك المهمة التي سبق لأمي وأن أوكلتها لي. إلا أنني سرعان ما شعرت بجفاف يطبق على فمي ويحوّل لساني إلى قطعة من الكارتون. ربما لم تكن ظنوني في محلها. آنذاك انتابني شعور بنسيان الحقيبة السرّية التي أحتفظ بها داخل رأسي، مما اضطرني لتغيير مسار الحديث قائلاً:

–  متى تصل طائرة الهيلكوبتر للقصر يا أبي. أقصد بأي وقت من الساعة بالضبط؟

–  وأصبحت تعرف كيف تهرب من الأسئلة وتمارس سياسة المناورات يا ولد؟!

سألني وهو يدلق بقية كأس الويسكي بجوفه المشتعل على الدوام. ثم ليتركني حراً من استجوابه قائلاً:

–  في الثالثة بعد ظهر الغد كما قيل يا زولا. لذا فما عليك إلا أن تكون بجهوزية كاملة. اذهب لتغيير هواجسك وتحضير ثيابك معاً، لتكون مستعداً لاستقبال الضيوف عند مدخل القصر.

بعد خروجي من غرفة المكتب الخاص بأبي، شعرت بأنني لا أملك رئةً في جسدي. لكنني سرعان ما بدأت باستعادة استنشاق هواء، ولكنه كان شاحباً في تلك اللحظة كما ظننت. هواء شاحب لم يكن في حسباني تنفسه ذات يوم. فقلت في نفسي:

((لماذا يتحوّل الآباء إلى ما يشبه الزنازين. يضعون أبناءهم داخلها ويقفلون الأبواب؟

هل يحدث ذلك بسبب خوفهم علينا من التورط في مشكلات، ربما لا تقودنا إلا إلى ذلك الهلاك مثلاً؟)).

ما أن تجاوزت الصالون، حتى رأيت الخادمة ذاتها بانتظاري، وهي ترجونّي للحاق بها.

–  إلى أين؟

صحت بها متشنجاً.

–  السيدة جوليا بانتظارك. إنها تريد رؤيتك في الحال.

كنت دائخاً ومبترداً بعض الشيء. إلا أن يد الخادمة كانت أشبه بشبكة من الأسلاك الكهربائية، سرعان ما أعادت الحرارة إلى جسدي على الفور. سحبتني من يدي وهرولّت بي إلى الشرفة الذي كانت تجلس فيها أمي الشاردة بنظراتها إلى ما وراء الزجاج. دخلت عليها وبقيت صامتاً. فنظرت إليّ مبتسمة:

–  لا تجلس يا زولا. كل ما أريده منك الآن. أن تقوم ببعض الترتيبات مع الخادمة. عليك إطاعة كل أوامرها اليوم فقط. أي أن تنفذ كل ما تطلبه منك دون تردد أو اعتراض أو احتجاج. أسمعتْ يا زولا؟

–  إطاعة الخادمة تقولين؟!!

انفجرتُ غضباً، وكدت أفقد صوابي.

لكن أمي هدأتني. قامت من على الكرسيّ، وزرعت أصابع يدها اليسرى بشعري. كانت لقطة مليئة بحنان مؤثر، مما أدى ذلك إلى انخفاض مستوى التوتر في جسدي.

انسحبت من شرفة “التأملات” الخاصة بهذيانات أمي الداخلية التي عادة ما تنتابها بين الفينة والأخرى. كانت أعصابي مشحونة بنوع الغيوم. هكذا شعرت آنذاك.

في الممر، كانت الخادمة واقفة متقاطعة الذراعين وهي تسند ظهرها على الجدار بانتظاري. وما أن رأتني خارجاً، حتى ابتسمت لتمشي أمامي بشيء من الغنج والعجلة، مشيرةً ليّ بأطراف أصابعها، كأمر منها يقضي بأن أتبعها !!

في البداية شعرت بالقهر. تملكني إحساس بالمهانة على وجه الدقة.  فقلت في نفسي محترقاً:

((ألا يكفي أن تكون يا زولا عبداً للسلطات الثلاث في هذا القصر اللعين. الأم والأب والأخت، لتضاف إليك الخادمة فوجي كسلطة رابعة، تتلقى منها الأوامر هذه المرة؟!

ماذا وراء أوامر الأم بإطاعة الخادمة؟

سألت نفسي وأنا أجد قدميّ تصعدان الدرج. لم أنس قطرات العرق التي نزلت على جبيني. كنت كشمس مغلفة بأطنان من الغيوم الباردة، وجاء من يقشط عن جسدي تلك السحب، ليقيس لي حرارتي عن كثب في ذلك النهار. كل تلك الأمور كانت تجري كما لو كنت في غيبوبة أدخلتني بها الخادمة بالتدريج المريح.

فما أن وصلنا إلى قبو القصر، حتى طلبت مني فوجي الدخول إلى أحد غرف المبنى التحتاني. ففعلت. وما هي إلا لحظات، حتى جاء السؤال الأول:

–  لماذا تصرّ يا زولا على أن تبقى ذكراً بتولاً حتى الآن. أتشعر بخوف ما من النساء؟

همستْ الخادمة فوجي في أذني بهدوء، فيما كانت يدها تبحث عن شيء آخر بين فخذي. لم أستطع النطق. لكنها رفعت طرف فستانها الأزرق المعرّق بورود برتقالية، لتمسح قطرات العرق عن جبهتي التي أصبحت فائضة بطوفان مفاجئ.

أبعدتها بيدي لأتمكن من الردّ. ولكنني لم أستجمع شيئاً من الكلمات. طار كل القاموس من رأسي دفعة واحدة. فهرعت نحو النافذة لأمسك بقبضة الشباك، ولأرى تطاير روحي من جسدي إلى الفضاء.

–  لا أريد رداً وحسب. ملّلنا من الردود الكثيرة الباردة. لسنا بحاجة لأية لغة لنترك الكلمات وندخل فيما وراء الكلمات. أكثر من خمس سنوات وأنا في خدمة القصر هنا. إلا أنني لم أجد قط ما يثير اهتمامك لا بيّ ولا بامرأة أخرى يا زولا!!

والأسوأ من ذلك كله، أن صديقة واحدة لك، لم تدخل غرفتك في القصر.

ما الذي يجري؟

أنت تهين ذكورتك. كأنك تنتظر نموذجاً خيالياً تحلم أن يهبط على هذه الأرض ذات يوم، لتمارس معه الجنس؟!!

كنت في هياج خانق وأنا أتلقى كلمات الخادمة النازلة كالمطر الاستوائي على تربة باردة. شعرت بفوجي كما لو أنها سفينة انقلبت، لتنزل إلى أبعد نقطة في قاع محيطي.

وما أن شعرتُ بالغرق معها إلى أسفل السافلين. حتى صرختُ بها لاهثاً:

–  فوجي ابتعدي. لا تفعلي بيّ فعلاً لا أريده الآن. اتركي كل شئ إلى ما بعد الاحتفال بزفاف أديث.

–  ولكن أليس الحرّي بك أن تتعلم النكاح أولاً. البشرية ولدت على هذه الأرض من أجل أن تتعلم تلك الفروسية يا زولا. أم أتراك ولدت فقط من أجل أن ترث الأراضي والأموال دون إنجاز مهمة من ذلك القبيل؟

ارتبكت أكثر. شعرت أنا زولا أبن صاحب القصر، ليس أكثر من حشرة في محكمة للاستجواب، فيما كانت الخادمة فوجي هي صاحبة الجرأة باتخاذ القرارات الوجودية في هذا المكان.

وها هي وقد سحلت جسدي كالجثمان إلى مستودع المؤن الواقع في قبو القصر. لا أعرف ما الذي انتابني من مشاعر في تلك الأثناء.

ولكن ما أن خف صراخي بعد حالة الارتعاد التي مررت بها، حتى وجدت الخادمة تتعرى وتمسك بيدها موسى من تلك التي يستعملها الحلاقون.

انتابني الذعر من ذلك الهجوم المباغت. حاولت الارتداد إلى لخلف قليلاً. لكن فوجي راحت تتقدم نحوي كالجنيّة صارخةً:

–  بهذه الموسى أريد حلاقة مخاوفك الآن. وما عليك إلا أن تهدأ وتساعدني بإنجاز عملي أيها الدمية الخائبة.

–  عن أية دمية تتحدثين أيتها المجنونة؟!!

صرخت بها معتقداً، بأن يسمعني كل من كان في القصر، فيهرع لإنقاذي.

بل ظننت أن أبي سيطلب البوليس وفرق الطوارئ وقوات المار ينز من الجيش الأمريكي، لوضع حدّ لتصرفات تلك الخادمة اللعينة التي كشفت عن نواياها الشريرة كامرأة بارعة في الإجرام.

لكن آمالي خابت دفعة واحدة، عندما أمرتني بالدخول في برميل من الانتيكا مصنوع من خشب الأبنوس، كانت أديث تستخدمه كمكان للاحتفاظ بالدمى.

حاولت الامتناع والمناورة والتحايل والرفض، إلا إن ذلك لم ينفع. آنذاك دخلت في البرميل الخشبي على مضض، لأكون وسط مجموعة كثيرة من الدمى التي كانت هناك. وما أن استقر جسدي في جوف صندوق الخشب البارد، حتى قامت فوجي بإغلاقه عليّ من الخارج قائلة بهدوء:

–  سيكون بإمكانك يا زولا اعتبار كل دمية من الدمى التي أنت معها، بمثابة زوجة لك، فتمتع بهنّ بالمفرق وبالجملة، تعويضاً عما فاتك من ملذات في حياتك السابقة.

أنظر لأفخاذهنّ. تلمس نهودهنّ برفق. ولج كل واحدة منهنّ من المكان الذي يعجبك. لا تفكر بخوف يا زولا ولا بعار أو بارتباك…. وعندما تجد صعوبة بالكشف عن الينابيع، كأن يُغطي عانة إحداهنّ شَعرٌ كثيف، نادي عليّ، لأجيء بهذه الموسى وأحلق كل ما يعرقل وصولك إلى الهدف بسرعة.

–  أخرجيني من هذا البرميل اللعين. رائحته تكاد تخنقني.

(صرخت مختنقاً)

–  ستتأقلم معه، مثلما تعايشت مع خيبتك في السابق.

أجابتني فوجي بوقاحة قل نظيرها.

كيف استسلمت للخادمة بكل ذلك الخنوع والخوف يا زولا؟!

لا أعرف. شعرت داخل ذلك البرميل بأنني أضطجع بين نساء من كل الأجناس. كنت أتحسس صدورهنّ وسيقانهنّ وشعورهنّ على الرغم من قلة النور في صندوق المستودع.

ولأقل بصراحة، كنت أسير حرب فوجي المفاجئة. وليس من لغة لأسرى البراميل –كما هو حالي- أفضل من لغة الصمت للتعبير عن الهواجس والآلام، وفقاً لقوانين الحرب وقواعدها.

التجارب القاسية أثبتت ذلك بالأدلة والبراهين.

كنت غارقاً بحمى الأفكار. لكنني أحسست فجأة بالخدر وبموسيقى خفيفة تحتل كل مرافقي الداخلية بشكل تدريجي بين مجموعة النساء اللائي كن نائمات بين ذراعي في البرميل. بدأت أتحسس أنفاسهنّ المتبخرة تنفث عطراً خفيفاً بوجهي. يا لك من خادمة رائعة يا فوجي. صحت في نفسي بانبهار !

لقد فعلتِ ما كان ينبغي عليك فعلهُ منذ زمن طويل.

قلت تلك الجملة إلى نهايتها، بينما كانت ذاكرتي تستعرض حياتي التافهة كفيلم بائس. ومع ذلك، فلا بد من العزاء. تخيلتُ بأن فوجي هي الأخرى كانت معي في ذلك الصندوق الأبنوسي. تعارك النساء بضراوة نمرّة داخل ذلك الظلام، محاولة الاستئثار بي لوحدها. إنها غيورة إلى حد كبير قاتل، وأكثر شراسة في حبها من كل البنات الأخريات اللائي كنّ معي في ذلك البرميل الايروتيكي.

عندما قررت فوجي إنهاء العملية وفقاً لأوامر سيدة القصر جوليا، وبدأ الضوء بملامسة عينيّ بالتدريج، حتى شعرت بأن أطياف النساء قد بدأت بالانقشاع عن ذاكرتي. حزنت على ذلك. لم أكن راغباً بالخروج من قصر الحريم ذاك. أقصد البرميل.

لكن، وكما يبدو من الوضع العام، فإن مهمة فوجي قد انتهت. فبعد خروجي من جوف البرميل الخشبي، وأنا أرتجف من الشهوة والخوف على حد سواء، وبذهول تام، حتى ناولتني فوجي الموسى ضاحكة:

–  هل تمتعت جيداً مع نساءك يا زولا؟

–  أهذه أنت يا فوجي؟!!

كيف سبقتني بالخروج من الصندوق أيتها اللذيذة. أتعلمين:

لقد كان جسدك طريّاً. حتى إنني فضلتك على الفتيات اللاتي كنّ معي هناك. كنت تنزفين شهواتك بطريقة لا توصف. عكس الأخريات تماماً.

حاولت استعماري. استعماري لصالحك فقط. ذلك شيء عظيم. أن أكتشفك دفعة واحدة وأن التقط ما في داخل حواسك من حرائق.

لم أكن مهتماً بما ستجيبني به فوجي، ولكنني سمعتها تشهق بصوت متقطع.

–  زولا.. لقد نظمنا اليوم كل شيء من أجل أن يكون زفاف شقيقتك في الغد لائقاً بسمعة العائلة. ولم يبق إلا ترتيبك ترتيباً واقعياً بعد خروجك من البرميل. أنت تعرف قصدي بالضبط. أنت جربّت اليوم مضاجعة الدمى. كل ما أعنيه، هو أنك فقدت عذريتك وسوف تضطلع في الأيام القادمة بممارسة عينات أخرى من النكاح الحقيقي.

–  أنا؟ ولمَ عليّ فعل ذلك؟!!

–  لتختار لك العائلة منهنّ الأفضل لمستقبلك كزوجة الغد.

ارتطمت كلمات فوجي برأسي ارتطاما مدويّاً.  أفكاري تقطعت ولم يبق ما يربط بينها سوى زوغان ضرب عينيّ في تلك اللحظة الصاعقة. “تريد فوجي أن توهمني بوصولي إلى حافة الجنون”.

ذلك ما فكرت فيه أولاً. ومن ثم لتستولي على جسدي البتول بمفردها خارج البرميل الأبنوسي العتيق. الخادمة ذكية. وربما هو حلمها الذي لا تستطيع التنازل عنه بأي ثمن. قد يكون من حق فوجي التفكير بذلك، ولكن ليس إلى الدرجة التي تحاول فيها تضليلي بتلك الطريقة المفزعة.

–  لا بأس يا فوجي، ولكنني أحس كما لو أنك تستبعدين نفسك عن طاقم النسوة اللاتي سيتم اختيار زوجتي منهنّ!

–  ولكنني لم أكن مع الدمى في ذلك البرميل الذي وضعتك بداخله! فعلام تقوم بخلط الأوراق بتلك الطريقة يا زولا؟

تلك سخافة لا تستحق النقاش حتى، لقد بتّ تعيش في عالم مجازي يا زولا. أنا لم أكن معك في البرميل كما تظن. ولو حدث شيء من ذلك القبيل كما تعتقد، لبقيت بعضٌ من آثار سفنك محطمة في مهبلي.

أتريد التأكد من تلك الحقيقة. هيا أنظر إلى فرجي وقل شيئاً يدعم أقوالك. أرأيت شيئاً يا زولا؟

سألتني فوجي وهي ترفع فستانها لتكشف لي عن جسدها كاملاً.

لا أدري كيف أمسكت فوجي بذراعي لنصبح أنا وهي خارج باب القبو؟

كنت أسمع رؤوس الدمى، وهي تقهقه خلفي، وكأنها تسخرُ من صورة جندي مهزوم. لم احتمل المصيبة. فعدتُ هائجاً بكامل قواي لأشعل النار في البرميل الخشبي، حيث كانت الدمى تملؤه.

–  تصور يا زولا لو كنت دمية في ذلك البرميل! هل سترتاح لرؤية نهديّ وهما يحترقان؟

صرخت فوجي مرعوبة من فعلي وهي تقوم بإخماد النار.

–  لا. صرخت بها.

عندما بدأت الاختلاجات تمس الجانب الحيوي من تفكيري، شعرت بالموت. اعتبرته سريراً دافئاً لا يستحق كل ذلك الذعر: الدنيا بيت. لنذهب عنه دون صراخ، فالتنازع على ملكيته تدمير للعقل.

كنت على مرمى حجر من الموت في ذلك القبو. اختنقت بالدخان ووقعت فاقداً الوعي. وهناك في غرف الباطن نمتُ مع فوجي في بانيو بنفسجي ضخم. تحت المياه قبلتها وضاجعتها كثيراً بفعل قوة هرقلية هبطت من كوة سماوية في داخلي.

“ما أن استعدت الوعي بين أركان العائلة والخدم حتى طرحت السؤال على نفسي ببرود وذهول:

منْ الذي منح فوجي مثل ذلك التفويض، لتقوم بإخضاعي لمثل تلك التجربة؟

ما الذي تريدهُ من وراء ذلك بالضبط؟!!”

وسألت أيضاً:

لماذا تدخلني أمي إلى الصراع العائلي عن طريق الجنس؟

“هل تريدني أن أصحو قبل أن تلتهم أديث كل ما تملكه العائلة من ثروة مع زوجها الايروتيكي.

هكذا خمنتُ، واستسلمت للكآبة دون الدخول في التفاصيل.

قلت في نفسي:

يا ولد أمك لا تريدك خاسراً. لا تريد رؤيتك وأنت تتعفن بعفتك بعيداً عن النساء والمال والكراسي، فتصبح هيكلاً عظمياً، ربما ستدرسُ التلامذةُ شكلهُ ومعناه في مختبرات المدارس مستقبلاً، فلا تجد فيه بذرة صغيرة قابلة للاستمرار في الحياة.

(( يتبع))