سائق الحرب الأعمى

رواية

أسعد الجبوري

منشورات  نوفابلس للنشر والتوز

الفصل الثالث

((3))

 

عندما هبطت طائرة الهليكوبتر في الساحة الأمامية من القصر، كنت أقف ما بين أمي وأبي، مستغرقاً بالتفكير. فيما اصطف المدعوون خلفنا في حلقات. كان الجميع يرتدي ثيابه من آخر موضات الأناقة والأزياء.

بماذا كنت أفكر؟

لا أستطيع أن أكذب على نفسي في تلك المرة، وأقول بأنني لا أعرف بما كنت أفكر فيه. فالواقع والحقيقة أنني كنت مشغولاً بما قالته لي الخادمة فوجي. فلم أعِ تماماً هدف إخبارها لي: بأنها لم تكن معي في الصندوق.

ذلك بفصيح العبارة يعني عدم حصول اتصال جنسي ما بيننا بالمرّة.

هل كانت تكذب، أم أن في الأمر خدعة ما؟

بعض الأسئلة تحتاج إلى إجابة لها هيبة الأسد في الغابة. لكنك يا زولا ضعتَ، فلم تعد تعرف أن كانت فوجي معك في ذلك الصندوق أم كانت الدمى وحدها !

لقد فعلت بك تلك الخادمة ما لم تفعله الشياطين بك من قبل؟

لا تقل شيئاً الآن. فالبعير الذي يتحمل أهوال العطش في أثناء رحلة الصحراء، لا يستطيع الاستغناء عن الماء للأبد. وأنت مثله في هكذا وضع. بالتأكيد ستعترف فوجي ذات يوم بالحقيقة، ولكن لا مناص من تقديم بعض التنازلات لتبلغ ذروة الشهوة المخبأة في الأعماق. هل تشك بذلك يا زولا.. أم تراك اكتشفت جسد الأنثى متأخراً، وتحاول التعويض الآن عما فاتك من أيام؟

لا فما من حبّ يمكن زراعته في الجسد على طريقة ما يفعله الأطباء بقطع الغيار، تعويضاً عن الأعضاء المعطوبة أو الميتة أو الناقصة. الشهوات يا زولا ليس لها قطع غيار. كل شهوة تموتُ، لا تعويض بشيء.

–  انظر إلى الطائرة يا زولا. ألا تشبه رحم المرأة؟

فاجأني أبي بسؤاله، وكأنه يحاول قطع سلسلة الأفكار التي أحس بأنني كنت غارقاً تحت رمالها.

–  تقول الطائرة تشبه الرحم يا أبي؟

عليك بطرح هذا السؤال على أمي. فربما هي أقدر مني على تفسير تلك الصورة.

كدت أنطقها رداً على السؤال، لولا غابة الخجل التي أعيش تحت ظلال أشجارها الهرمة. ولكنني استجمعت قواي وقلت مستدركاً:مثلما ترى يا أبي. ولكن لماذا لا توجه سؤالك لأمي؟

فجأة قهقه أبي وردّ بتهكم قائلاً :

–  لو سألت أمك ذاك السؤال، لكانت قد نفت أن تكون للأرحام أجنحة مثل تلك التي تملكها الطائرات.

لم يعد باستطاعتي تجميع شيء مما كان في عقلي. ولضرورة الخروج من المأزق سألته :

–  ألا ترى بأن خروج أديث من الطائرة قد تأخر يا أبي؟!!

يبدو أن الشوق يستبد بك يا زولا لرؤية البعل الايروتيكي وهو يتأبط ذراع أختك؟

أجابتني أمي بشيء من التذمر والاستهجان، وهي تحاول إطفاء النيران في عينيها.

–  لا لا… ليس بي شوق لذلك كما تظنين. ولكن ربما هو الفضول فقط. نريد أن نعرف شيئاً عن رحم الطائرة، ومن سيخرج منها ليس إلا. هل في ذلك ما يزعجك يا أمي؟

–  لست طبيبة نسائية، لأعرف ما بالأرحام.

ردّت أمي باقتضاب وهي تطلق نظراتها الحائرة باتجاه الطائرة، فيما أشعل أبي سيكاراً وبدأ بالتذمر، متململاً من الانتظار.

كانت فوجي مُسمرة عند باب الطائرة، وهي تحمل إكليلاً ضم مختلف أنواع الورد. شعرت برغبة عارمة، لو تحركتُ نحوها، وحملت ذلك الإكليل بدلاً عنها.

ولكنني كنت منتصباً ما بين الأب والأم مثل سور الصين، وكأن لا حراك أو حركة لي إلا بعد أن يفتح الكابتن باب الطائرة، ونرى أية إضافة جلبتها أديث للعائلة.

–  أعرف ما الذي يدور في رأسكَ يا زولا. ولكن أناقتك ستحطم الموازين في هذه المناسبة السعيدة.

قال لي ذلك أبي وهو يبتسم متفاخراً بأناقتي.

–  ربما. ولكنني أطمح من زولا أن يحطم أفئدة البنات لا موازين الدمى المتحركة في الاحتفال يا غرين.

ردّت أمي وكأنها تؤنب أبي على مديحه لي.

فأدركت بأنها كانت وراء مهمة فوجي التي انتهت. شعرت في الوقت نفسه بصراع هادئ يتأجج بين الوالدين. ليس بإمكاني التدخل. كانت أمي تطلق كلماتها بسرعة، ثم تعود للشرود متصفحة وجوه المدعوين، ومركزة على أشخاص محددين. آنذاك قفزت برأسي فكرة لعينة. أن استغراق أمي بالتفكير، وبمثل ذلك النوع الاستثنائي، أنما ناجم أو مرتبط بالرسائل التي سبق وأن كتبتها بخط يدي.

ولا اشك بأن أغلب المرسل إليهم، ربما يكونون بين الحشد الموجود في القصر الكثير. أجل لابد من وجود من تسلموا تلك الرسائل هنا.

لم أطرد تلك الفكرة من ذهني أبداً، فبمجرد الإصرار على طرد فكرة ما من خزائن الرأس، يحتاج لطاقة ليزرية. لأن كل فكرة تُزاح من الذهن أو تمحى من سطحه، تحتاج إلى فكرة تسد الفراغ الذي تتركهُ الفكرةُ المطرودة.

بل وربما يكون لزاماً أن تسدّ ذلك الشاغر بفكرة أهم من تلك التي تحاول مسحها من الذاكرة. لم يكن الأمر بسيطاً، بقدر ما هو معقد لدرجة قد تقود المرء لتخريب بعض مناطق تلك الذاكرة اللعينة.

خرج كابتن الطائرة متأبطاً ذراع أديث وهي في فستان الزفاف الذي كان خليطاً عجائبياً من الألوان، مع قبعة سوداء تغطي بها شعرها، فيما حملت يدها اليسرى سلةً من القش بدلاً من الحقيبة اليدوية. شعرت بالدهشة تسيطر على وجه أمي. لم أره متغضناً بذلك الشكل إلا في لحظات نادرة.

بينما طغت ابتسامة عريضةٌ على وجه أبي الذي راح يلوح لأديث بيده، ومسرعاً في الوقت نفسه بسحبي من ذراعي للاقتراب من الطائرة. وبينما كانت الفرقة الموسيقية تطلق ألحانها النحاسية من على شرفة القصر. سمعت أبي يقول في نفسه بصوت عالٍ:

–  يبدو أن شيئاً قد أفسد الفيلم !!

–  ما قصدك يا أبي؟ سألته وأنا ممسكٌ ذراعه بقوة.

–  لا شيء يا زولا… لا شيء ولكن كفّ عن عصر ذراعي بهذه الطريقة. ادخر قوتك لأمر آخر يا ولدي.

لم تتقدم أديث نحونا. تركتنا واتجهت نحو قبرها الافتراضي المقام في مقدمة حديقة القصر. فآثرنا الصمت والاستكانة، أخضعتنا أديثُ لإرادتها. ثم زحفت العائلة ليتبعها المدعوون نحو ذلك المكان وسط حيرة الجميع وذهولهم.

(( أيكون الكابتن هو الايروتيكي الذي تزوجت به؟ ))

سألت نفسي. وربما كان ذاك السؤال، يدور في أذهان جميع الحاضرين، ممن كانوا معنا في تلك الساعة من الزمن المرّ.

ما أن وصلت أديث إلى قبرها، حتى امتدت يدها اليمنى نحو سلة مليئة بالرمل كانت موجودة على طاولة حجرية قرب القبر، فكمشت بحفنة منه وذرّتها على قبرها وسط صمت مطبق.

لم تتحمل أمي الموقف، فصاحت بالكابتن صارخة بصوت مرتجف:

–  أتكون أنت بعلها.. أم الرجل الايروتيكي مازال جالساً داخل الطائرة؟

لم ينطق الكابتن بكلمة للردّ. كان واقفاً إلى جانب أديث كروبوت دون حراك. بعد ذلك ابتسمت أديث للجميع، لتخرج عن صمتها قائلة :

–  كلا. هذا الكابتن ليس زوجي أبداً. زوجي انتزعته مني أشباح الصحراء ونحن في الطريق إلى هنا.

ثم التفتت نحو الكابتن لتشكره أمام الجميع على ما بذله من نبل لإنقاذها من الموت. بعد ذلك اخترقت صفوف الحاضرين، متجهة نحو القصر.

اضطراب أبي دفعه لأن يطلق ضحكة مدوية حطمت الصمت والحزن والدهشة، عندما دعا الحاضرين لاستكمال برنامج الحفلة المخصص لتلك المناسبة. قائلاً بصوت عالٍ :

–  لا مكان للأسف الآن. الموت مثل الولادة. هذا إذا لم يكن أفضل من الحياة. هيا.

وأشار إلى الخدم بالتقدم نحو الضيوف لتوزيع الكؤوس المليئة بأنواع المشروبات عليهم. حاولت التحرك لتتبع أثر خطوات أختي أديث، لكن أبي حال دون ذلك. فيما كانت طائرة الهليوكوبتر ترتفع مبتعدة عن الحديقة.

–  لا تخف على أختك أديث. اطرد مخاوفك مثلي. فهي تستطيع حل مشكلاتها بطريقة ممتازة.

هكذا سمعته يؤنبني على محاولتي بنجدتها. ومع ذلك بقيت قلقاً. أحسست بأن رتلاً من الشياطين قد بدأ بالعمل في رأسي آنذاك. قلت من المستحيل قمع مخاوفي وقلقي بعد سماع الخيط الأول من قصة، لم أتعرف على كامل تفاصيلها. ربما لم يملك الجميع إحساساً مثل ذلك الذي أصابني. حتى أن أمي التي أظهرت معارضتها لموضوع زواج أديث من الرجل الايروتيكي، فقدت هي الأخرى نشوتها بالنصر تماماً، عندما رفضت التحرك خلف ابنتها لتستفهم منها البقية الباقية من تفاصيل القصة الغرائبية التي روتها أديث على الجميع بمثل ذلك الإيجاز المكثف!!

أنا أعرف حركات أمي. فقد أرادت معاقبة أديث بذلك الإهمال مقصود منها، عندما أشغلت نفسها بالاهتمام ببعض الأشخاص، ومظهرةً سعادتها بما حدث، وكأنها أرادت أن تخبر الحاضرين، بالتخلص من زواج كان يمثل لها كابوساً مرعباً.

ومع تبعثر المستقبلين في حلقات وحلقات، هرعت الخادمة فوجي نحو أديث. حملت إكليل الورد مبتعدة عن الحشد، لتستقبلها بحرارة. لكن الأخيرة دفعتها بيدها، وهي تفتح الطريق إلى غرفتها في الطابق العلوي من القصر، مما أثار في الضيوف وفي نفس فوجي امتعاضاً خفياً، استطاعت الأخيرةُ السيطرة عليه، وتتبع خطوات أديث، حيث فتحت لها باب الغرفة مبتسمة، لتطلعها على السرير الجديد والخزائن والترتيبات الخاصة بالعرس في ذلك المكان.

لم تكترث أديث لشيء. خلعت فستانها وملابسها الداخلية، رمتها أرضاً، ثم توجهت نحو الحمام على الفور. فسألتها فوجي من وراء الباب، إن كانت تحتاج لمساعدة أم لا. فأجابتها أديث بنعم. آنذاك فتحت الخادمة فوجي الباب بهدوء ودخلت عليها، لتجدها وقد أصبحت داخل البانيو. اقتربت منها ممسكة ليفه من الإسفنج، وراحت تليّف لها جسدها برقة.

–  لقد أردت له أن يغرق في عمق الصحراء يا فوجي. وذلك ما حدث بالضبط.

–  ماذا تعنين يا سيدتي أديث؟

سألتها الخادمة بحيرة.

–  ماذا أعني تسألين؟!!

–  أعني عودة المهاجر إلى مسقط رأسه. لقد أمرت الكابتن بالهبوط لدقائق على ظهر بقعة من صحراء نيفادا. وما أن وافق الطيار على مضض، حتى غادرنا الطائرة أنا وهو. أقصد أنا وخطيبي “وليم” لنطلق أقدامنا ركضاً على تلك الرمال. تصوري امرأة بثوب الزفاف تهبط من طائرة هليوكوبتر وسط صحراء لا حدود لها، لتهرول هي وحبيبها على رمال ساخنة وكأنهما في مراثون ركض مائة متر حواجز؟

طالما كنت مسكونة بهواجس الأساطير التي تحدثت عن تلك الأرواح التي تسكن قلب الصحراء. كنت اركض فوق الرمال، وكان وليم يتبعني مثل صيّاد يحاول النيل من طريدته. وما أن وصلت لنقطة العمق من تلك الصحراء، حتى كانت المفاجأة بتحرك الرمال من تحت أقدامنا، وكأن لتلك البقعة سقفاً كان مغطى بالرمال وانهار، ليبتلع أقدام الخطيب ويطمر جسده تحت تلك الذرات الحارة. حاول وليم الإمساك بطرف فستاني، ولكن أصابعه لم تسعفه، عندها اندفع الطيار ليخلصني من قبضة وليم بشق الأنفس. سحبني بقوة، وقام بنقلني إلى الطائرة. بعد ذلك أسرع بالتحليق مبتعداً عن المكان الذي بدأت فيه الصحراء بالتنفس تحت تلك الشمس العمودية الحارقة.

–  يا للكارثة! ليكن الربّ برفقته في محنته يا سيدتي أديث.

قالت لها فوجي باكية ومواسية وهي مصابة بالذهول من الصدمة.

–  البكاء لا يصح يا فوجي. جلجامش بكى طويلاً على صديقه أنكيدو، لكن ذلك لا ينفع له بشيء. عليك التفكير بكيفية تنظيف مسامي من الرجل جيداً. لا أريد للموت أن يلتصق بجسدي. يكفي إنني أعيشه في حديقة القصر منذ اليوم الذي فكرتُ فيه بإقامة قبر لي وأنا حيّة.

أجابتها أديث بشرود ودون مبالاة بحزن فوجي.

–  لا أدري ما الذي يمكن قوله في مناسبة كهذه.. فأنت تسحقين سذاجتي بما تملكين من خبرة. ولكنني أتحسس جسدك بين يديّ كما لو أن الحياة تجتمع فيه كلها. يا له من نبض هذا الذي يسري في عروقك يا أديث.

–  هل تعتقدين ذلك يا فوجي حقاً؟

سألتها أديث وهي ترتخي داخل البانيو مستسلمة لحلم ما.

–  بكل تأكيد سيدتي. بكل تأكيد.

أجابتها فوجي وهي تدهن نهدي أديث بنوع من الكريم المطري للبشرة.

–  لكننا لا يمكن أن نعيش دون أساطير. وإن لم نجدها فوارّة في عروقنا وتغلي، فليس أمامنا إلا مهمة صنعها. حزنك على وليم قد لا يدوم طويلاً يا فوجي. بكاؤك سيجف. وإحساسك بالألم سيزول هو الآخر بعد أيام قليلة. لكن أبطال الأساطير، سيستمرون بإقناعنا بالوهم إلى الأبد، ذلك يتوقف على الحبكة التي يصنعها لنا مؤلفو تلك الأساطير. وقد حاولت صنع حبكتي تلك.

–  ماذا تقصدين يا سيدتي بالضبط! هل خططت بنفسك لمثل تلك الفاجعة؟!!

سألتها فوجي مرتعشة اليدين، بعدما توقفت عن تدليك صدر أديث.

–  لأكثر من عام وأنا أتخيل ذلك وأتحسسه يومياً.

أجابتها أديث وهي تتناول المنشفة من فوجي. لتغطي بها جسدها وتجلس على حافة البانيو.

–  ولكنها لم تكن إلا جريمة يا سيدتي. واسمحي لي لو فقدت عقلي لأطلق مثل ذلك الوصف.

–  وأية أسطورة من الأساطير، ولا تحمل بذرة الجريمة في داخلها؟

حدثيني عن أسطورة واحدة لا تأخذ ذلك المنحى؟

سألتها أديث وهي تخرج من الحمام باتجاه غرفة النوم.

جلست الأولى أمام المرآة الكبيرة، فيما بدأت فوجي بتجفيف شعرها بمنشفة وردية اللون. كانت الخادمة في غاية الذهول. استولى الرعب عليها فجأة دون أن تعرف طريقاً للفرار من تلك الصدمة.

–  ومن أين لي أن أعرف شيئاً عن ذلك؟

صحيح أنني قرأت في بعض الكتب والمجلات، ولكنني لست أستاذة مختصة مثلك.

–   ولكنك لست غبية يا فوجي.

فأنا مثلك. لم أكن أستاذة ولا شيئاً من ذلك القبيل. لكن معرفتي بوليم، هي التي فتحت الطريق أمامي للدخول في التجربة. تعرفت عليه شاباً وسيماً مهتماً بدراسة علم المثيولوجيا حتى الدهاء. وتعلق بي هو الآخر إلى حدود التجلي. بدأ ذلك منذ العام الأول لدخولي الجامعة هناك في نيفادا.

عرف عني الكثير، وعرفنّي عن نفسه بالكثير من الأخبار والمعلومات، ومنها ما كان متعلقاً بسلالته القديمة، وكيف ولد جده الأول في ذات ليلة عاصفة على شكل نسر أصلع من رحم الرمال. استمعت إليه مغرومة بكل حذافيري. بل كان يطلعني على وثائق ومستندات غاية في القدم، منها تلك التي توضح قوة ذلك النسر ذو المنقار الألماس، عندما تمكن من مهاجمة ثعبان ضخم بحجم الجبل، كان يطرح الرمالَ من عينيه لتملأ العالم.

أجل يا فوجي. فذلك النسر تمكن من قتل الثعبان، عندما غرز منقاره بالعينين، وانتصر عليه، متوجاً نفسه بطلاً على جميع ممالك صحارى الكون. ومتحولاً في الوقت نفسه إلى مخلوق أدمي بمرور الزمن.

أعجبتني أفاق وليم التخيلية، حتى ظننت بأنه ليس إلا نسراً في سريري. لكن الشيء الذي لم أتوقعه منه أبداً، أن يرتب زيارة لي ويأخذني إلى وسط الصحراء، لأجل أن يُطلعني على موقع المعركة التي انتصر فيها جده الأسطوري هناك !!

آنذاك.. لم أشك بأوهام وليم فقط، بل وبقواه العقلية، حتى أنني عرضت عليه زيارة عيادة أحد الأطباء النفسانيين، لأستوضح شكل العلاقة ونوعها ما بينه وبين تلك الصحراء اللعينة. إلا إن الطبيب اللعين سرعان ما خذلني، عندما أكد لي صحة تصورات وليم وخلو قوته العقلية من الأمراض!!

–  وماذا فعلت أنت بعد ذلك يا سيدتي؟

سألتها الخادمة وهي تهتزّ من الرعب الذي أمسكها من معدتها.

–  وما الذي بإمكاني فعله يا فوجي؟ هيّا.. ضعي نفسك في موقفي وقولي شيئاً؟

–  أنا؟ لن أصدقه بالطبع.

أجابتها فوجي بسرعة.

–  تكونين مخطئة إذا ما فعلت ذلك. رجل يصنع لك أسطورة ويقدمها لك بنفسه على طبق من ذهب، وترفضين ذلك؟

عليك القبول ليس إلا. بل وتضخيم الصورة التي يرسمها لك. فالبشر مجموعات من الأساطير تتعقب مجموعات أخرى من ذات النوع وخلافه. منها من يصمد ومنها من يلتهمه التاريخ، فلا يبقي له أثراً على الأرض. وهذا ما فعلته أنا بالضبط.

–  تقصدين إنك هي من إلتهم وليم يا سيدتي؟

سألت فوجي محمومة ومتعرقة.

–  لا. الرمال فعلت ذلك. أنا ساعدته على العودة إلى جذوره الأولى فقط. فاستعادتهُ ينابيعهُ القديمة بسرعة لم أتوقعها.

ربما من أجل خلق أسطورة جديدة، سنشغل بها وقتنا لأمد ما من الزمن القادم. لا بد وأن يكون وليم سعيداً بترتيباتي التي أوصلته لأحضان أجداده العظام في ذلك التيه الصحراوي.

كان وليم مبغى لتفاعل الأساطير وتلاقحها عبر التاريخ. فرأسه، وقلبه، وخلاياه، وعيناه، وذاكرته، كلها مليئة باضطرابات الأبطال القدامى ومسكونة بصراعات الآلهة مع الشهوات المقدسة للحب والشر والعدل والخصب والضوء والماء والسحر والطير والنار.

كنت أرى وليم بمثابة شخص داعر ينتقل من سرير عشتار لآخر يخص فينوس لثالث أوروبا لرابع يخص بارفاتي ربة الجبال. بل ولا يفوّت فرصة معاشرة رجال سومر وآكاد وبابل واليونان والرومان وفينيق والليجندات الهندية والفرعونية والاسكندنافية والجرمانية والسلافية.

أجل. فهو لا يتوانى عن الانتقال في لحظة واحدة من حوض الرافدين إلى الأولمب. ومن مصر الفراعنة إلى الخيمة البوذية إلى طروادة إلى قرطاجة إلى العالم السفلي.

تنقله السريع ذاك، جعله مركبة فضائية من الصعب الإمساك بها دون تقديم المزيد من القرابين. حتى إنني هددته بالانتحار حرقاً، ما لم يقربني ويلج فيّ، فماذا كان ردّه برأيك يا فوجي؟

–   لا أعتقد بأنه رفض مضاجعتك يا أديث.

ردّت فوجي وهي تمشط لها شعرها بارتباك.

–  كلا كلا.. لم يحدث شيء من ذلك القبيل. قال لي بأن الانتحار لا يجعلني أسطورة إلا في حالة واحدة : أن أترك للآخرين من جسدي رماداً يكفي لبناء حانة على لسان بحر من البحار.

هكذا كان ردّ الكلب بالضبط.

أجابتها أديث وهي في غاية السخط والنرفزة مستطردة :

–  تصوري لو قمت بإحراق جسدي هذا، استجابة لرغبته ! هل كان رمادي بكافٍ لبناء عشّ لعندليب؟

–  رأسي تكاد تنفجر يا سيدتي !!

فجأة ينقطع السرد بين أديث وخادمتها بدخول السيدة جوليا إلى الغرفة مبتسمة ومعانقة لها بحرارة فائضة. الأمر الذي اضطر فوجي لأن تتوقف عن العمل، تاركة المشط معلقاً بشعر أديث، والاتجاه نحو الباب للخروج. بينما كانت الألحان الكلاسيكية تطلق روائحها في كل اتجاه منه.

–  لم أر جمالك قط بهذه الفتنة من قبل يا أديث.

قالت لها أمها معجبة وهي تجلس على حافة السرير في الغرفة؟

فردت عليها أديث بشيء اللامبالاة.

–  ربما. ولكن من المبكر قول ذلك؟

–  ولماذا تظنين ذلك؟

سألتها أمها بتأثر من استهتار أديث.

–   لماذا أظن ذلك!!

لأن قطار الملائكة لم يصل إلى هنا بعد. أنت تعرفين ذلك، ولا حاجة للتفسيرات.

أجابتها أديث وهي تلتقط المشط للاستمرار بترتيب شعرها.

–  نحن لا نحتاج لوجود ملائكة في هذا القصر. ردت عليها أمها بتشنج.

–  لماذا؟ هل أعدموا كلهم؟ أم لم يعد بإمكانك استخدامهم لتنفيذ رغباتك؟

سألتها أديث ساخرة.

–  لا بد أنك مازلت مشوشة من الحادثة التي سمعتها من مساعد الكابتن. هل تريدين بعض المساعدة؟

لديّ أقراص مهدئة.

سألتها أمها وهي مستاءة من كلمات ابنتها أديث التي اعتبرتها عدوانية بقدر لم تكن تعرفه من قبل.

–  لقد أحسست بأن كثيرين منهم كانوا في الحفل. أليس كذلك؟

سألت أديثُ أمها بخبث.

–  ماذا وراء كلماتك المتعفنة تلك؟

ردّت عليها الأم جوليا بعنف.

–  لا حاجة للمناورة. لقد تخيلتهم جميعاً هنا. أقصد كل الرجال القدامى. الرجال الذين كنت تكتبين لهم الرسائل بخط يدي أخي زولا. لا أعرف إن كانت نسبة الخيال أعلى من الواقع، أم أن الاثنين متساويان.

أنت في كل الأحوال متورطة بلعبة قذرة. هل في كلامي شيء من التجني يا أمي؟

سألتها أديث ببرودة أعصاب. فيما صرخت بها جوليا وهي تنهض من على حافة السرير فاقدة أعصابها:

–  أعرف أن روحاً عدوانية تسكنك منذ زمن طويل، ولكنني مستغربة بأن تفقدي عقلك بهذه الطريقة السخيفة، لتقيمي محاكمة لأمك، وليس عندك سند واحد سوى أوهام جعلت من دماغك بيضة فاسدة. مع ذلك، لا يمكنني تركك على ما أنت عليه. أنت تبنين عوالمك على هواك، وأنا أتحمل نتائج تهورك على الدوام.

اسمعي جيداً. ما لا يعجبني فيك يا أديث. أن أراك عنقود عنب، كل حبة فيه لا تشبه الحبة الأخرى.

–  ولكنني في نهاية المطاف نبيذ جيد. معتق.

ردّت عليها أديث وهي تقوم بتغيير أسطوانة الموسيقى لتضع أسطوانة بوب الصاخبة، الأمر الذي أثار أعصاب الأم، ودفعها مضطرة للخرج من غرفة ابنتها مستاءة وساخطة وحزينة، بعد أن صفقت خلفها الباب. بينما نهضت أديث للرقص أمام المرآة الكبيرة، بعد ذلك بلحظات. تطفئ الموسيقى وتجلس على الأريكة. وما هي إلا لحظات من التأمل حتى تمد أديث يدها لالتقاط سماعة الهاتف. ثم تبدأ بالضغط على أزرار الأرقام. وتنتظر رداً. لكن صوتاً لم يأت عبر الأسلاك. تعيد السماعة لمكانها، ترتدي بنطلون الجينز وتضع الكاسكيت على شعرها ثم تصرخ:

فوجي. ليكن حصاني جاهزاً.

–  والضيوف يا سيدتي؟!!

أولئك للخمر والثرثرة وتبادل المنافع، وليسوا لي أبداً.