سائق الحرب الأعمى

رواية

أسعدالجبوري

الفصل الرابع
((4))

في يوم أحد ساخن ونابض من شهر تموز. وفيما كنت أتسكعُ بسيارتي على الطريق الزراعي، اعترضتني سيارةٌ مجهولة كان يقودها شخص لا معرفة لي به. أوقفني وسط الطريق الفارغ ذاك. فكرت بأن الرجل ربما سيقوم بجناية ما ضدي. لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك القبيل.

كل ما فعله، هو أنه قام بتسليمي رسالة دون أن ينتظر استفساراً أو سؤالاً مني.

سلمنّي تلك الرسالة فقط، وانطلق بمركبته بسرعة البرق.

لم أخمن في بداية الأمر بما كانت تحمله الرسالةُ. ولكنني اضطربت من طريقة الرجل وسلوكه غير السوي. لذلك لم أتحمل مزيداً من الصبر. أوقفت سيارتي إلى جانب الطريق، وفتحت الرسالة للغوص في تفاصيلها.

القراءة جعلتني أتصبب عرقاً، وكأن ناراً كانت تقدحُ تحت جلدي. وقبل أن أنتهي من قراءة كامل الكلمات، قفزت من السيارة لأستلقي على العشب الذي كان ممتداً على طول الطريق.

عرفت مغزى الموضوع تماماً. فقد كانت الرسالة تفضح حقيقة ظروف والدتي في العمل. بعبارة أدق، حاول الرجل أو من يقف خلفه، إخباري بأن أمي جوليا، امرأة متورطة بمراسلة أغلب رجال المدينة والريف، من خلال استغلالها لوظيفتها كمديرة مكتب البريد، لتقوم باستعمال جميع عناوين الرجال في المنطقة لأغراض خاصة بها.

شعرت برغبة عارمة لتمزيق تلك الرسالة التي سلمنّي إياها الرجل المجهول، إلا أنني كبحت جماح تلك الرغبة، مؤثراً الاحتفاظ بها. وضعت تلك الرسالة في جيب قميصي، وواصلت طريقي بالعودة إلى القصر.

لا أعرف نوعية الهدير الذي كان يخرج من أعماقي آنذاك، ولكنه في كل الأحوال أقوى من هدير محرك السيارة التي كنت أقودها.

أفكاري كانت تفقس أفكاراً وراء أفكار. وروحي تلوذ بظلام شعرت بأنه يجتاحني من كل الجهات. فيما دماغي راح يبرد ويسخن حسب تفسيري لكل كلمة وردت في تلك الرسالة اللعينة. ليت ذلك الشخص كان معي في السيارة، لأستفسر منه المزيد. إلا إنه قام بحرقي كاملاً، عندما وضعني في الموقد وفرّ هارباً، دون أن يستنشق دخاني ولا أن يلتمس ناري ولا أن يعرف شيئاً عن ثمالة السمّ الذي نقلته لي بالعدوى تلك الكلمات التي وردت في رسالته.

“زولا. ألم تكن أنت من كتب لأمكَ تلك الرسائل، وبخط يدك أيها الأحمق المغفل؟”.

سألت نفسي. وأنا استجمع قوايّ لأتذكر المزيد، مما كانت تمليّه عليّ أمي في أثناء مهمتي التي ورطتني بها بكتابة المئات والمئات من تلك الرسائل. اعتبرت الأيام القديمة تلك، بمثابة طاعة تجلب للنفس الراحة. كنت أخدم أمي في عمل أوكلتني به. أما الآن، فالقلق سيد الموقف دون منازع.

هناك أيام يلتصق المرء بها إلى حدّ الضيق من تعفن جلده بآثارها. وهناك أيام تدفعك للفرار من جلدك، حتى لو كان جلداً لتمساح لا تستطيع اختراقه أقوى نبال الحديد.

فالبلبلة التي تجتاح العقل في بعض الأحايين وفقاً لتقديرات الأطباء النفسيين، ربما تعادل أعلى الدرجات التي تقاس بها الزلازل عند ريختر. فكيف إذا ما اعتقد المرء باستلام تلك الرسالة من السيد ريختر نفسه؟!!

هكذا تصورت وضعي الذي زجتني به أمي بعد قراءة تلك الرسالة.

انعطفت بسيارتي نحو المفرق بسرعة، وقبل وصولي إلى القصر، رأيت شقيقتي أديث وهي تمتطي حصانها الذي تحبه، منطلقة على صهوته بمحاذاة البحر، تمنيت لو كان باستطاعتي إيقافها، لكن أقدام حصانها أقوى من تلك الرغبة التي كانت تعتريني آنذاك.

حاولت الانعطاف بسيارتي نحو الشاطئ، وعدلت عن تلك الفكرة على الفور، ربما لتأكدي بأن الرمال ستطمر العجلات حتماً، ولا يمكن اللحاق بحصان أديث بين تلك الطرق الصخرية الشاقة المشجرّة.

أيضاً.. أدركت بأن أختي لا يمكن أن تنقذني، ولا أن تواسيني على ما أنا فيه من شراسة ذلك القلق الذي استبدّ بي. لذلك دخلت بوابة القصر. تركت سيارتي في العراء، ورحت أهرول تحت قرص الشمس اللاذع، كما لو كنت راغباً بتطهير نفسي من شيء فاسد علق بها فجأة.

عندما كلمت سائس الخيل عن معرفته بمسار نزهة أديث، أجابني بالنفي، معلقاً، إنه لا يعرف شيئاً عن ذلك البتة.

“طلبت مني إعداد حصانها. وفعلت كل ما يوفر لها الراحة والأمان. وانطلقت دون أن تخبر أحداً إلى أين؟”

أجابني سائسُ الخيل ببرود.

آنذاك أدرك بأن شقيقتي، ربما تملك رغبة للاستفراد بنفسها لبعض الوقت.

أديث هي الأخرى رسالة بكلمات مسمارية مبهمة، أي شخص، لا يعرف قراءة شيء منها، ولا لمن كُتبت أصلاً، ولا في أي اتجاه ستذهب. حبرها غامق. وصندوقها مغلق. بل محكم الإغلاق تماماً، كما هو عهدي بها. واليوم يأتي من يزيد الطين بله فيما يتعلق بأمي.

(( هل الأخرى بريد مغلق لا يتبخر شيء منه أو ينضح؟!))

قلت ذلك في نفسي، وأنا أغوص في ملفات الماضي، حيث كانت يدي تخط لها رسائلها، وعقلي يتقلب بين أكوام من معان ٍ وعبارات وتعابير كانت مجهولة بالنسبة لي آنذاك.

تحديث الماضي، لا يعني القيام بتفسيره على ضوء معطيات الحاضر فقط، بل بزرع الألغام بين صفحاته. وكل صفحة ستنجو من تلك الانفجارات، ستستمر بيننا على شكل قصة تدخل خيالنا، لنداعبها إلى أمدّ ما من الزمن.

أوقفت سيارتي بعيداً عن الرمال.

كنت متقداً برغبة الهرولة على امتداد البحر. للسباحة أو ربما للغرق. لا أدري. كل ما انتابني آنذاك، كان مردّهُ الرغبة بالتخلص من فكرة استجواب أمي لي في حال عودتي للقصر.

وصلت إلى الشاطئ متعباً نفسياً. وقبل أن أستريح، بدأت ببروفات استجوابيه. قمت بطرح بعض الأسئلة على أمي. هكذا تخيلت! وقبل أن أستمر بالتحقيق إلى نهايته، أحسست بشجاعتي تخذلني. ضحكت مرتمياً بثيابي على الرمال بين حشود بشرية كانت تمارس السباحة وعرض الأجساد العارية تحت أشعة الشمس على رمال الشاطئ في ذلك البلاج الواسع.

لم أعرف إلى أية سلالة تنتمي أفكاري في شجرة هذه العائلة، فلكل فرد منها لغزهُ الخاص به وحده. ولكل كيان منا نسختان: واحدة تشبهه في النهار، وأخرى تشبهه في الليل.

لم تمكني حرارة الطقس من التمتع بتلك الأجواء. فقد كان عليّ نزع ثيابي والتمدد على الرمال، وإلا أصبحت منظراً شاذاً وسط أولئك العراة.

فعلت ذلك على الفور. جلست بين المظلات مُطلقاً نظري نحو بحر هادئ في يوم صيفي فوار بعطور أجساد النسوة الفتية وهي تتطايرُ من حولي، لتُخدّر ما كان هائجاً في داخلي من أفكار لا تصلح لمكان مثل ذلك أبدا.

إحساسي بالوحدة وسط حشود اللحوم الساخنة، دفعني للتفكير بالانسحاب من ذلك المكان المزدهر بالصخب. ولكنني لم أفعل ذلك. ربما رغبة مني بتدمير وحدتي التي أحسست بعدم ضرورتها، كأن تبقى ظلاً دائماً لحياتي.

ذلك ما شعرت به في تلك اللحظات. إلا أن شيئاً فرض بعض التغييرات، وذلك عندما بدأت عينا فتاة كانت منبطحة على بطنها في الجوار، بغزوي والتوغل في حواسي سريعاً.

لحظة السقوط في النظرات، عادة ما توقف المرء حتى من الحركة. وذلك ما حدث معي على الشاطئ بالضبط؟!

” الأرنب الذي في داخلك يا زولا، كيف ستنقذه من هذا القنص البصري الحاد؟

هل يمكن الفرار من هذي الأعين، بعد أن ثقبتكَ بضوء بروجكتر بقوة ألف واط أو أكثر؟”.

ما أن انقلب جسد الفتاة، لتفرش صدرها للشمس، وهي تقوم بتعديل قطعة القماش المفروشة على الرمال، حتى رأيت بخاراً يتصاعد من نهديها. ربما هو بخار مخي. أو هو بعض دخان محرك الشهوات. كل ذلك لا يهم. فعندما رأيت الفتاة مبتسمة ومتجاوبة مع انشغالي بها. أو ذلك ما ظننته، أدركت بأنني سقطت كآيلٍ في فخ على حافة جبل عملاق. أو كأنني دريئة تلقت كل رصاص الحرب العالمية الثانية في لحظة واحدة؟

ولأجل أن اخفف من اضطراباتي، نظرت في ساعتي محاولاً عدم الاكتراث، وكأنني على موعد مع جرم من أجرام السموات، وأنتظر ارتطامه برأسي في لحظة ما. ولكن حركاتي تلك لم تثمر شيئاً. فقد أدركت الفتاة كمية الحرائق التي بدأت بالتهام مناطق جسمي الواحدة تلو الأخرى كسندوتشات بالفلفل الأحمر.

ولذلك، فما كان منها إلا وضعت سماعتي “ماك آب” على أذنيها وأخذت بتحريك رأسها شمالاً ويميناً طرباً، ومن ثم لتحتسي البيرة من علبة معدنية زرقاء، كانت قد حملت مجموعة منها إلى الشاطئ.

كانت تلك الفتاةُ تعيش طقسا للتجلي. فيما أنا، فقد كنت في حالة تعرّض لزلزال شديد.

قمت للابتعاد عن مكان الزلازل. لكن.. وقبل أن أرتدي قميصي، وجدتها تنهض مسرعة لتحول دون ذلك.

–  إلى أين يازولا؟

باغتتني الفتاةُ بالسؤال الذي نزل على رأسي كجبل هملايا.

شعرت بنفسي، كما لو أنني داخل زنزانة تضيق وتضيق بي إلى حدود المحو.

–  جيد أن تعرفي زولا!!

قلت لها بريق ناشف وأنا انطق تلك الكلمات بصعوبة.

–  لا. لم أعرفك أنت بالضبط. ولكنني نجحت بالتخمين على ما يبدو.

فقد يتنبأ. المرء برؤية أشخاص أو أشياء، توافق ذاكرته الباطنية وينجح. ذلك لا يعني أن المتنبئ يصل إلى هدفه الصحيح في كل الأوقات. على كل حال يسرني أنك اعترفت بنجاحي في مهمة لم أقصدها، أو أشغل بالي بها طويلاً. شيء جيد أن أراك بطريقة عرضيّة في هذا المكان دون تخطيط. هل تشرب البيرة؟

سألتني الفتاة وهي تقدم لي علبة معدنية.

–  وكيف عرفتني بأنني زولا؟

سألتها شارداً وأنا أتناول منها علبة البيرة وأقوم بفتحها.

–  ليس هذا هو المكان المناسب للحديث بالتفاصيل عن مواضيع حساسة. قل لي ما رأيك بالابتعاد عن الشاطئ. أقصد بتغيير المكان؟

–  أنا متلهف لسماع المزيد على الرغم من كوني سأفقد…

–  ستفقد ماذا يا زولا؟ المتعة برؤية الأجساد العارية التي أمامك؟

سألتني وهي تنظر إلى فخذيها وصدرها.

–  بما أنك تعرفين نوعية الحطب الذي يحترق في مواقد الآخرين، فلا حاجة للاستغراق بالتفاصيل. ما يهمّ النار، أن تحافظ على توقدها. وخبرتك في هذا المجال كما تبدو جيدة جداً.

قلت لها ذلك، وأنا أدلق البيرة المُصقّعة في جوفي، محاولاً إطفاء الاستفزاز قبل حمض الأدرينالين الذي ملأ جسمي.

–  على مهلك يا زولا.. هل لي أن أطلب منك شيئاً قبل مغادرة الشاطئ. إنها رغبة لا تقاوم؟

سألتني بجديّة صارمة، ثم استطردت قائلة:

أن ندخل البحر سويّة قبل مغادرة هذا البلاج.

–  وما المانع؟

أنا جاهز لتنفيذ رغبتك بطيب خاطر.

أحببتها، فيما كنا نهرع نحو تلك المياه لتغمرنا ونحن نمسك بأيدي بعضنا.

لم تُعجب صور حوريات البحر… لا عقلي ولا خيالي، سواء أكان ذلك في القصص أو في أفلام السينما أو في الأساطير الغابرة، وكل ذلك بسبب ذيولها التي أفقدت السيقان والأفخاذ مالهما من أهمية إستراتيجية عريقة. بمجرد أن تذكرت ذلك وأنا أمام الفتاة بين أمواج البحر، حتى تخمدُ صور تلك الحواري في ذهني وتلاشى منه تماماً.

“ذيول!

كان هذا ما ينقصنا. هأهأ!!؟”

قلت ذلك في نفسي شارداً.

–  زولا. رأيتك حذراً مني وكأنني سمكة قرش؟

سألتني الفتاة بامتعاض ممزوج بحزن.

–  لا أبداً. ولكنني مرتبك فقط.

أجبتها وأنا أشق المياه بقدمين مكبلتين بسلاسل من حديد، متجهاً نحو اليابسة.. مما دفع الفتاة لاقتفاء أثري صامتة. ربما تلقت صدمةً مفاجئة. أدركت بأنها ندبّت حظها قائلة لنفسها بتأنيب عنيف:

“يا له من شاب معقد تسكن كهوفه المخاوف”

ولمَ لم تقل ذلك؟

أليس من حقها توبيخ نفسها على اختيارها الفاشل لي؟

وأنت يا زولا.. كيف يحق لك أن تزجّ بالحبّ في قضية طارئة من هذا النوع؟

هل أصبحت متنبئاً بأحوال النساء وعواطفهنّ؟

كف عن الهذر والتزم الصمت، لتعرف ما وراء تلك الفتاة قبل أن تغرب الشمس!!

ما أن رأتني الفتاة أرتدي ثيابي، حتى سارعت بتجفيف شعرها وتسريحه، ثم ارتداء بنطلون الجينز والقميص الأسود الشفاف. بعدها وضعت المنشفة في حقيبتها، وهي تنظر نحوي، لتبلغني استعدادها بالانطلاق.

نهضنا متقدمين بالمشي. وعندما بدأت خطواتنا تتعثر بين رمال الشاطئ، حاولتُ إسنادها بيدي، إلا إنها رفضت تلك المساعدة السخيفة كما اعتقدت أنا بذلك. كانت الشمس برتقالة في طريقها إلى السقوط على مائدة الجانب الآخر من العالم في تلك اللحظات.

–  سيارتي في الموقف.

أسمعتني تلك الجملة باقتضاب، وهي تشير نحو سيارة سبور زرقاء مركونة بين عشرات السيارات الواقفة على بعد أمتار قليلة.

–  هلاّ ألقيت بنظرة على الغروب الجميل؟

قلت لها لنزع فتيل انفجار ما شعرت بوجوده في داخلها، وأنا أنظر نحو البحر الذي بدأت الشمس بتلوين مياهه بلونها.

–  تمتع بشهوة الغروب وحدك.

أجابتني وهي تدفع المفتاح في ثقب باب السيارة بارتباك واضح، كما لو تقوم بعملية سطو على خزينة أحد البنوك. قبل أن أدخل سيارتها، قامت بإبعاد حقيبتها لتفسح لي المجال. ألقتها على المقعد الخلفي، ثم أشارت لي بكفها أن أفتح الباب وأدخل. وفعلت ذلك بهدوء، مترقباً زوال الكآبة التي تفشت على وجهها كالطفح الذي يسببه جدري الماء.

–   هل من مكان محدد في ذهنك، لنذهب إليه؟

أم لا وقت لديك فتريد العودة للقصر؟

سألتني بتشنج، وكأنها تبرهنّ على معرفة كل شيء عني. فسألتها بحذر:

–  هل لي بمعرفة اسمك أولا؟

–  ماتيلا. ماتيلا جيمس إذا كان ذلك ضرورياً.

لفظت اسمها بتذمر وهي تبتعد بالسيارة خارج المرآب العام للبلاج.

–  لم تقل أين تحب أن نذهب؟

سألتني مرة أخرى وهي تلتقط سيجارة من علبتها وتشعلها.

–  لا أعرف بالضبط. هل في ذهنك مكان محدد مثلاً؟

أجبتها بسؤال دون اكتراث، مستسلماً لقيادتها. ربما فعلتُ ذلك من أجل إرضاء غرورها.

ولا أدري إن كان الاستسلام لفتاة طارئة في ظرف غامض من ذلك النوع، عمل سيء أم خطأ يجب تفاديه؟

حاولت الابتعاد عن وضع نفسي تحت أكوام من التفسيرات قدر الإمكان، على الرغم من بعض المخاوف التي حاولت إفساد متعتي منذ اللحظات الأولى مع ماتيلا. كل ذلك بسبب تلك الدمى اللعينة التي سجنتني معها الخادمة اللعينة فوجي في البرميل الأبنوسي.

تحدث للمر ء أشياء صبيانية كثيرة، ولكنها قد تلقنه دروساً قاسية في نهاية المطاف.

ذلك ما شعرت به، فيما كانت ماتيلا تسحق الطريق بعجلات سيارتها نحو المجهول. لم أعرف إلى أين هي ذاهبة بي. بل وأحسست نفسي، كما لو أنني مثل المقود الذي تحركه ماتيلا بأطراف أصابعها دون خوف أو احتراس. شيء جميل أن يتهور المرءُ في بعض الأوقات.

لماذا فكرت بذلك؟

لا أعرف. ولكنني اعتقدت بأن التهور يمنح العقل فرصة للتأمل وإعادة جدولة أفكاره من جديد. هل كان ذلك ضرورياً لأقنع ذاتي بمثل تلك التخرصات التي نشبت نشوب النار في حقل من الهشيم؟

ربما. فكم من الأراضي تُحرق، لتستعيد التربة خصوبتها مرة أخرى؟

–  أتعرف إلى أين سنصل بعد قيل يا زولا؟

طرحت ماتيلا السؤال، فيما كنت محتفلاً بأفكار كانت تستولي عليّ.

–  وليكن ذلك لجهنم؟!!

أجبتها وأنا أجفف العرق الذي اجتاح جبهتي في تلك اللحظات.

–  إذاً أنت واحد منهم. أقصد من الرجال الذين لا يرون في المرأة إلا جهنم مستعرة؟!!

ردّت ماتيلا مستفسرة، فيما كانت أسارير وجهها تنفرج ببطء.

–  لا.. ولكنني قصدت المكان. وهذا يظهر ثقتي بك.

قلت لها ذلك، فيما كانت السيارة تنحرف عن الطريق العام، لتدخل في طريق فرعي غير معبد بالإسفلت. حاولت تأنيب ضميري على العجالة التي أكدت لها ثقتي العمياء بها، لكن اهتزاز جسدي على المقعد من جراء تلك المطبات على ذلك الطريق الوعر الذي راحت السيارة تسلكه وسط الظلام الآخذ بالتراكم، حال دون الاستمرار بتأنيب الضمير.

–  لم تسألني كم من الوقت ستستغرق رحلتنا للمكان الذي نتجه إليه؟

قالت ماتيلا وهي تضغط على الفرامل، لتوقف السيارة على صخرة كبيرة تطل على البحر.

ثم أردفت وهي تفك حزام الأمان عن صدرها قائلة:

–   لا تحتاج للرد على ذلك السؤال. فها نحن قد وصلنا. هيا تفضل بالنزول يا زولا.

أصابني شبه ارتباك من ذاك التعامل غير المتوقع. وجدت نفسي خارج السيارة. كان صوت البحر مع أصواتي الداخلية يشكل خليطاً عجائبياً من موسيقى غامضة، لم أعهدها في حياتي من قبل. لكن يد ماتيلا الناعمة التي امتدت لتمسك بساعدي، سحبتني بلطف نحو منزل صغير كان مقاماً فوق تلك الصخرة، وهو ما بدد المشاعر الموسيقية السابقة كلياً، ليستبدلها بخوف، شعرتُ بأنه راح يزحف كالسلحفاة بين مختلف حواسي.

عندما فتحت ماتيلا الباب ودخلنا العش البحري وهي ممسكة بساعدي، سرعان ما أخذت المصابيح بالاشتعال التدريجي بخفوت، وهو ما منحني فرصة أولى للتمتع بتفاصيل المكان:

صالون صغير يتوسطه بيانو، بالقرب منه سرير وطاولة عليها الكثير من الأسطوانات والكتب والشموع وعلب التبغ والأزهار الجافة، هذا بالإضافة لثعبان داخل زجاجة كبيرة مليئة بسائل أصفر اللون. فيما هناك أريكة من الريش ملتصقة بزجاج النافذة الكبيرة المطلة على البحر، يجلس عليها شخص يحمل بيده كأساً. وعلى الجدار الخلفي، لوح خشبي أشبه بسبورة صغيرة، وعليها عشرات من قصاصات الورق المكتوبة. رسائل كما تأكدت فيما بعد.

–   ما رأيك بهذه المملكة الصغيرة. إنها خارج حدود الصخب. تعال لأعرفك بالمسيو رون.

ألم تسمع به من قبل؟

بالتأكيد قد لا تتذكر هذا الرجل. ولكنك يمكن أن تكون قد خاطبته بطريقة ما، حتى قلبت عالمه رأساً على عقب، لتصنع منه في نهاية المطاف شخصية من طراز خاص. رجل أمر باعتقال نفسه في هذا العشّ البعيد عن الناس، ليعيش عزلة عظيمة مع الكلمات. ويتعايش معها فقط.

كلمات ماتيلا وضعتني في مأزق. شعرت بأن الفتاة تقوم بالضغط على زر معين من الذاكرة، من أجل أن أستعيد شيئاً من الأيام القديمة. وبالتدريج. وإلا فما معنى كلمات ماتيلا التي صبتها في أذني كما الرصاص السائل؟

حاولت إقناع نفسي بما يناقض ما كان يتناثر في ذاكرتي من أفكار، وبأن المسألة لا تعدو أن تكون غير رغبة مشتعلة لفتاة نحو فتى طارئ تريد امتحانه جسدياً!

لذلك تصنعت التجاهل. وقررت طرد تلك الأفكار التي نهبت دماغي. نظرت إلى الفتاة وقلت:

–  ماتيلا. أنت تصلحين للعمل في السينما. هل فكرت بذلك يوماً؟

قبل أن أكمل ما أردت تفريغه من نفسي، رأيت الرجل ينهض متجهماً، وهو يحتسي كأسه بهدوء، ثم يلتفت إلى ماتيلا سائلاً بذهول ومشيراً بأصابعه نحوي:

–  من يكون حضرته هذا الذي جئت به إلى هنا يا ماتيلا؟

–  ليس هذا هو الوقت المناسب لطرح الأسئلة يا رون.

(أجابته ماتيلا بهدوء)

–  ولكنني أريد معرفته الآن، لأقوم بعزف أغنية “شجرة الكلمات” تشريفاً له إذا كان ضيفاً عظيماً.

قال رون ذلك، وهو يقترب من البيانو ويجلس على الكرسي الخاص به.

ما أن رأت ماتيلا رون جالساً، حتى تراجعت عن موقفها بمضض.

فقالت له:

–  نعم يكون بإمكانك العزف والغناء يا سيد رون.

لم ينتظر الرجل الكثير من الوقت ليستجيب، سقطت أصابعه على مفاتيح البيانو كما الغيوم، فيما راح صوته الشجي بالارتفاع وهو يغني:

روش.. يا ربّة الكلمات.

الشمس روح تتلألأ في أنفاسك

القادمة عبر المجهول.

روش المقيمة في الألحان،

حيث يطفو البرتقال في مياه العيون.

وترتدي العطور ثيابنا.

روش.. الأرض البعيدة.

روش.. يا موجةً تجلس على كرسيّ

الرسائل.

ما أن سمعت باسم روش، حتى شعرت بأنني أشبه بوريد فتح من نهايته، ليتسرب منه الدم بذلك التدفق المريع.

فـ ((روش)) هو الاسم المستعار الذي كانت تذيل به أمي رسائلها إلى الرجال فيما مضى من الزمن!!

–  أهذا هو أنتَ يا رون؟!!

يا إلهي. كم من الرسائل كتبتها إليك بخط يدي؟

لقد كان لاسم رون وقع موسيقي لا يمكن نسيانه. وربما استعادتي السريعة له. وبشكل فوري، يعود لذلك الإيقاع الموسيقي الذي سبق وان تدربت عليه جميع حواسي. أدركت ذلك وأنا أختنق، محاولاً الفرار من المكان الذي زجتني به ماتيلا عن عمد، أو عن طريق تلك الصدفة الخرافية اللعينة. شعرت بها وكأنها تتضامن معي رأفة بالاشتعال الذي حصل لي نتيجة جلبها لي إلى هذا المكان.

رأيت أثر ذلك في عيني ماتيلا، حيث كان الحزن ينزّ منهما. قد أكون مخطئاً بتصوري، فربما سبب تأثرها الحقيقي هو صوت رون الشجي وكلمات الأغنية.

لا أعرف بالضبط. ولكن قوة ضغط الأفكار عليّ كانت عنيفة. وجدت نفسي أشبه بصفصافة وحيدة تلتهمها النيران في تلك اللحظات العصيبة من وجودي في ذلك المنزل المعزول الذي أوصلتني إليه ماتيلا لغاية ما في نفسها.

–  هل لك أن تشرب كأساً؟

سألتني ماتيلا دون أن تناديني باسمي؟

–  لا متشكر لضيافتك. عليّ الذهاب الآن.

أجبتها بكلمات متقطعة محاولاً الفرار من جلدي.

–  كما ترغب. سأقوم بمرافقتك إلى حيث تركت سيارتك قرب الشاطئ.

أجابتني باقتضاب، ثم استطردت وهي تلتفت إلى رون وتسأله:

–  أتريد شيئاً من المدينة؟

–  لا لا تشكرين. لا ينقصني شيء.

ودعنا السيد رون. وما أن وضعت قدميّ خارج العشّ البحري، حتى تنفست الصعداء. شعرت بذلك ماتيلا التي تركتني حرّاً بالسير نحو السيارة. وما أن أصبحت بداخلها وبدأت الدواليب بالدوران لتقطع الطريق الوعرة، حتى سألتني قائلة:

–  أعرفتْ من يكون رون؟

–  لا. ومن أين لي أن أعرف شخصاً مثله؟

أجبتها باستنكار.

–  إنه أبي. من ضحاياك يا زولا. أقصد من ضحايا امرأة استعارت اسم روش ليكون بديلاً عن جوليا اسم أمك.

قالت ذلك ماتيلا، وهي تمد يدها في حقيبتها لتسحب رزمة من الأوراق وتناولني إياها قائلة:

–  دقق بهذه الرسائل. أليست كلها مكتوبة بخط يدك يا زولا؟

وأضافت ماتيلا مستطردة:

–  ليست هذه الأوراق فقط. هناك العشرات من الرزم التي كُتبت للعديد من الرجال باسم روش، وهي أمك!!

نظرت لتلك الرسائل دون أن أستلمها من يد ماتيلا التي أنارت مصباح السيارة الداخلي. عرفت خط يدي فوراً. فأخذني الألم العاصفُ شجرةً تتهاوى في قاع الجحيم. حاولت تمالك نفسي والسيطرة على أعصابي دون جدوى. فقد انفجر في ذاتي بركان غامض من الصور والتداعيات. أحسست بتعذيب حقيقي تمارسه جوقة من الأبالسة في روحي. ومع ذلك أنزلت زجاج نافذة السيارة، لأترك رأسي خارجاً، وهو ما استدعى ماتيلا إلى القيام بخفيف السرعة شيئاً فشيئاً حتى أوقفت السيارة قائلة:

–  لا يحق لك تعذيب نفسك يا زولا. لقد كنت مستخدماً استخداماً سيئاً، هذا هو المنطق بالضبط. كنت صبياً مأموراً ومضغوطاً عليه من قبل سلطة لم تستطع مقاومتها آنذاك، ولا الاحتجاج عليها.

–  ولماذا لم يتصرف رون بطريقته إزاء مهزلة من ذلك النوع؟

سألتُ ماتيلا وأنا أضغط رأسي بيديّ.

–  ماذا تقصد بالتصرف؟

أجابتني سائلة مستغربة.

–  أن يتصرف لإيقاف تدفق تلك الرسائل. أو أن يعرف مصدرها على الأقل !

–  لا أعتقد بأن رجلاً يرفض السباحة في بركة من العواطف. بركة حتى لو كانت آسنة. فكيف يكون الحال بالنسبة لأبي؟ إنه رجل بقدر ما يملك من طاقة موسيقية طاغية، بقدر ما كان يملك من مشكلات وصراع مع زوجة متسلطة، لم تنظر إليه إلا كأصبع من النقانق. كان لأمي خيارات تتصادم مع خيارات أبي. أما أنا فقد كنت بمثابة دقيق حار يخرج من بين قطعتي الرحى.

–  هل قابل رون أمي؟

سألتها بلهفة وتوتر وأنا أتوقع سماع الأسوأ.

–  قابلته فقط؟

ردت ماتيلا مستفسرةً بتهكم وهي تغرق بضحك استفزازي رفع درجة النرفزة في جسدي إلى الحدود القصوى.

–  أبي وأمك كانا على وفاق تام. على وفاق كامل بأن لا يلتقيا حتى في الحلم.

أجابت ماتيلا ثم تجهمت فجأة.

–  ما قصدك بذلك؟

–  لم ير وجهها. ولم يعرف بأن السيدة جوليا هي روش صاحبة الرسائل الغرامية الساخنة التي كانت تصله في نهاية كل أسبوع. وعندما اقترب ذات يوم من الوصول إليها، أبعدته عن طريقها. أقصد قامت بتضليله في محاولة لإنقاذ حياته من الموت ونجحت. ألم تره حيّاً ويعزف الموسيقى في عشه البحري؟

–  وما علاقة الموت بما تتحدثين عنه؟

–  أنت لم تسبر أعماق والدك جيداً يا زولا. أشك بحقيقة أن يكون والدك غرين على غير درايّة بما كانت تفعله أمك جوليا.

كان الاثنان يعملان بصمت.

جوليا تحطم القلوب.. وغرين يحطم الأسعار.

لقد أتقن الاثنان عادة الصيد. فوالدتك تصطاد الرجال الواحد تلو الآخر، وأباك يقوم بتصفيتهم للاستيلاء على ممتلكاتهم بأرخص الأثمان.

طموحه كان منصباً على أن يوسع مقاطعاته، حتى لو تطلب ذلك منه القفز فيما وراء البحار. لم يكتف والدك بما ورثه من أهله، كأنه يريد الكرة الأرضية كلها!

إنها روح الإقطاعية التي لا تهدأ حتى لو امتلكت المقابر بموتاها.

 

لم أستطع تحمل سماع المزيد. خنقتني الفضائح على حين غرّة. فصرخت طالباً من الفتاة التوقف. وفعلت ذلك على الفور.

نزلت من السيارة وأنا في دوار شامل. حاولت الهرولة بعيداً عن السيارة وعن ماتيلا والفضائح والكلمات السوداء، وحينما لم أستطع الانفصال عن جسدي، غمرني موج من الغثيان، فسقطت أرضاً، وكأن ستارة ضخمة قد هبطت من السماء، لتغطيني تماماً. آنذاك تذكرت الصندوق الأبنوسي الأسود الذي سبق للخادمة فوجي وأن وضعتني فيه بهدف معاشرة الدمى.

بعد مرور دقائق على ذلك السبات الذي غمرني، تمزق السكون، لأخرج من برزخ رعب رون إلى رعب آخر، وذلك عندما وجدت جسدي منكمشاً في حضن ماتيلا التي كانت عيناها مثل ساعتين ملأتهما المياه.

وأين.. في غرفة ضيقة لرجل آخر، كان يهذي داخل قبو، وهو محاطٌ بتل من رسائل أخرى، عرفتُ بأنها كُتبت بخط يدي أيضاً.

(( يتبع))