سائق الحرب الأعمى

رواية

أسعد الجبوري

الفصل الخامس

((5))

نهضت في الصباح من فراشي فزعاً على أصوات أعيرة نارية، لأرى زجاج نوافذ الغرفة مطلية باللون الأحمر. لم أكن أتوقع في يوم من الأيام رؤية منظر من ذلك القبيل. التفت نحو المصابيح المعلقة في الخارج، وإلى تلك التي كانت معلقة بالأشجار، فوجدتها مهشمةً، وكأن حرباً جرت وانتهت بسرعة البرق!!.

جلست على حافة سرير النوم ساكناً وأنا أحاول منح ذهني شحنة من التوقد. إلا إنني فشلت بتفسير حالة التشويش التي كنت غارقاُ تحت تأثيرها. بعدها عدت للاضطجاع على السرير.

(( هل فقدت عقلك يا زولا؟ ))

قلت ذلك وأنا أنظر للساعة المنتصبة على الطاولة المحاذية للسرير. كانت عقاربها منفلتة وهي تدور كما لو إنها مروحة تدور في صيف ملتهب.

(( قم نحو المرآة يا زولا.. وانظر إلى شكلك فيها. فقد تكون أنت الآخر قد تغيرت، أو طرأ عليك ما لم يكن في الحسبان؟؟!! ))

طرحتُ على نفسي السؤالَ، مع رغبة جوانية بالضحك. وفعلت ذلك. غادرت سريري ووقفت أمام المرآة. فوجدت نفسي كما هي دون تغيير أو أعطال. ولكن دون ألوان هذه المرة.

((زولا.. أنت بالأبيض والأسود فقط. وهذه المرآة تظهر صورتك كغريب أو تائه عن ركب قافلة عابرة!))

ما هذا الهذر التافه؟!!

صحت في نفسي وأنا ممسك بقبضة باب الغرفة، ولكنني سرعان ما خرجت منها ببجامتي الزرقاء. وما أن وقعت عيناي على الخادمة فوجي، حتى أشرت لها بأن تقترب مني.

لكنها لم تلب طلبي وفقاً للعادة!

أشاحت الخادمة بوجهها مبتعدة بسرعة كبيرة، مما اضطرني للهرولة خلفها من الطابق العلوي نحو الأسفل.

وما أن تمكنت منها وأمسكت بيدها، حتى اجتاحت جسدي موجة من الحر.

فالتفتت نحوي باكية ومطرقة برأسها نحو الأرض وهي تقول :

–  سوف لن تراني بعد الآن يا زولا. السيد غرين خسر كل ما كان عنده من ممتلكات. وهو لا يصدق ما جرى له أبداً.

قال والدك بأن بورصة الخليج العربي قد ابتلعت كل ما كان عنده من الثروات. خسر كل شيء عبر الإنترنت برمشه عين!

هكذا كان.. وهكذا لعلع الرصاص، بعدما فتح السيد غرين النيران على الطيور وعلى المصابيح الموجودة في الحديقة في هذا الصباح.

لم أجد في نفسي سوى السخرية من تلك الثرثرة التي نطقت بها الخادمة فوجي.

بل ضحكت بصوت عالٍ. لأرى أمي قادمة من عمق الممر المؤدي ما بين الصالون والدرج، وهي شبه متشنجة. تقدمت نحوي بخطوات ذابلة لتأنيبي على تلك الضحكة قائلة:

–   لم أر غبياً يضحك في يوم سقوط مملكته مثلك يا زولا؟

أحاسيسك ملبدّة. فأنت لم تستيقظ من نومك إلا على أصوات الأعيرة النارية التي أطلقها والدك على الطيور التي عادة ما ترتاد ساحة القصر الأمامية مع بزوغ كل شمس. فعل ذلك بعد سماعه أخبار تداعيات انهيار مؤشرات البورصة في أعقاب غزو العراق للكويت. ولو كان أمامه أحد منا في تلك اللحظات، ربما نالته رشقة سريعة من طلقات مدفعه الرشاش.

قالت لي ذلك أمي، فيما كانت تبتعد عني نحو السيارة التي كانت تقف بانتظارها. فيما تقدمت مني الخادمة فوجي بعض خطوات وهي تقول متحسرة بألم.

–  يبدو أن والدك لم يخسر كل شيء في البورصة فقط. بل نالته صاعقة، لتحرق له دماغه بعد سماعه لتلك الأخبار المروعة في ذلك العالم البعيد عنا.

لا أعرف ما الذي حدث بالضبط، ولكنه أصبح خاسراً ومديوناً بمبالغ، لا تستطيع تسديدها حتى أثمان القصر والحقول والصومعة والأثاث فيما لو قرر بيعها معي أنا فوجي !

–  ستبقى ثروتنا في قبر أديث ! أم أصبح هو الآخر تحت طائلة الحجز أو البيع؟

طرحت ذلك السؤال على فوجي بسخرية مريرة.

–  كلا. قبر أديث الوهمي بقي للعائلة. لأن السيد غرين تركه خارج صفقات البيع والشراء والمراهنات، كما سمعت عن ذلك منه قبل شهور.

–  وأين أبي الآن؟

سألتها بقلق وأنا أحس بدمي وكأنه ورق يتشقق.

نُقلَ إلى المستشفى. أعتقد بأنه تعرض لشلل كما سمعت ذلك من الطبيب الذي رافقه في سيارة الإسعاف إلى هناك.

خاطبتني الخادمة فوجي بتلك الكلمات، موضحة لي ما حدث في القصر. ثم استطردت قائلة بشيء من التأنيب أو اللوم القاسي :

–  أنت لا تعرف ماذا جرى. طبعاً !!

ومن أين لك أن تعرف شيئاً عن الكارثة الماحقة التي حدثت للعائلة، إذا كان السهر ومرافقة الفتيات هو اختصاصك الوحيد؟!

ألم تكن في حضن ماتيلا، تلك الفتاة الساقطة التي رافقتك آخر الليل للقصر، وهي تسحل جسمك مثل جثة هامدة؟!!

–  كفي عن بث سمومك يا فوجي؟! لا أريد سماع تفاهات من ذلك القبيل !!

هل فهمتِ يا.. ؟

قلت لها ساخطاً، وأنا أتخبط داخل مزيج من مشاعر متناقضة وملتهبة.

لا أعرف كيف كانت موازين قوايّ في تلك اللحظات. ربما لأن هوّل الصدّمة لم يسحقني بعد. أو ربما لأنني سعدت بما قد حدث، متأثراً بالصور التي حاولت ماتيلا تثبيتها في ذهني، وكلها تتعلق بنزعة أبي الاستعمارية التي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن ظروف وأحوال سقوط كبرى مستعمرات التاريخ.

لكن.. وكما يبدو، فأن العاصفة قد رفعت الإسفلت من على الأرض. لتقذف به على وجه غرين الذي لم يقدر حتى اللحظة الأخيرة على مجابهة ذلك الانهيار الذي أحرق كل ما رسم لعوالمه من خرائط عبر السنوات الماضية.

ما أن وضعت نفسي داخل السيارة ككيس بطاطس متعفن، وانطلقت نحو المدينة، حتى أصبحت أمام أبي غرين. رأيته مسجى على سرير المستشفى. شعرت آنذاك بشبق تدميري ينتابني من الأعماق، ويمتد مثل ضوء أحمر نحو أبي الذي كان ممدداً مثل قطعة سيراميك ملفوفة بأغطية بيضاء مخططة بالأزرق.

عيناه تتحركان وكأنهما حبتان من زجاج. فيما كان فمه الملتصق بأنابيب الهواء، أشبه بمغارة تحاول ابتلاع العالم بأراضيه وجباله وحيواناته وأوكسجينه.

لا أدرك حقيقة ما كان يجري في أعماقي في ذلك اليوم.

ولا لمَ كنت متحمساً لرؤية أبي وهو يتخبط بخسائره.

فيما مضى، شهدتُ على انتصاراته وبهلوانياته وبذخه ونزواته وطوطميته التي بلا حدود، لكن أن أراه محطماً إلى تلك الدرجة، فهو أمر ما كنت لأتوقعه، ولو بصعوبة.

كانت أمي تجلس إلى جانبه مثل كونتيسة تهيئ نفسها لمراسم الدفن. هكذا شعرت بذلك المشهد السينمائي. كأن المرأة مستعجلة للتخلص من تلك المهمة البروتوكولية، لاستعادة حريتها بالتواصل مع قطب آخر، بعدما فقد جسدها الحرارة مع غرين تماماً.

هل كان الكلام ممكناً في تلك الظروف؟

كانت عندي رغبة أن أخرج من الصمت وحالة الذهول لأكون ناطقاً،. ولكنني ترددت. بعدما شعرت بعدم جدوى مخاطبة شجرتين يابستين -أبي وأمي-  على أرض محروقة !!

هكذا استبد ّبي الصمتُ، عندما وجدت نفسي أدخلُ برزخاً سديمياً، لأشيدّ فيه قلاعاً خاصة بيّ في تيه لا حدود له.

أليس هو اليأس الذي أخذت غصونه تخرج من جسمي، وتسحبني معها من ذراعي، رغبة بالانفلات من القمقم القديم؟

أليست تلك حاجة تجتاحني من أجل أن أطلق العنان لحيوية كنت أفتقدها منذ خروجي من رحم أمي التي أراها متجمدة الآن أمامي كتمثال وراء صندوق زجاجي مصفح؟!

نظرتُ إلى ساعتي، فوجدتها تذوب حول معصمي، وكأن الزمن يريد معاقبتي هو الآخر!

ولكن.. معاقبتي على ماذا مثلاً؟

لم أرتكب من الذنوب سوى ذنب كتابة تلك الرسائل بخط يدي، ولا شيء آخر. ولكن أليس صحيحاً، إنه وكلما طال عمر الكائن البشري، كلما تضخم ملفُ ذنوبه؟

هكذا قلت. فأنا في مقتبل العمل. لا جرماً اقترفت، ولا جناية ارتكبت في هذا العالم.

أنا صغيرٌ صغيرٌ صغيرٌ، وقد لا أشكل لأي مخلوق كارثة ولو سريالية افتراضية

نعم. نعم. فما زلت في أول العمر، وما كل هذا التفكير الذي يخامر شخصاً بمستواي، ليس إلا خطيئة وسخفاً.

لماذا كان على أمي أن تفعل كل ذلك؟

تُشغل الرجال وتعذبهم بغرام وهمّي؟

لقد كانت أمي تقوم بتوريطهم، ومن ثم تحطيم علاقاتهم الزوجية بمختلف من العواصف والأحجار. هل لأنها كانت تعاني من مرض ما؟

أم كانت تحاول التعويض عن حبّ فقدته؟

أم هي تريد خلق حالة “أسطورية” سخيفة على غرار ما تفعله ابنتها أديث، لتنسف رموزاً وأنداداً، ممن كانوا يشكلون نوعاً من التحدي، ربما لها ولزوج كان مشغولاً ببناء مستعمراته على جثث الجياع والأنقاض الاجتماعية؟!

ما علاقة خط يدي بكل ذلك؟

حاولت الصراخ.. لكن صوتي تعثر داخل حنجرتي، كما لو أن دبّاً قطع عليّ الطريق ليبتلعَ تلك الصرخة على الفور.

في تلك الأثناء.. رأيت بأن الرسائل التي خططتها بيدي، وقد تحولت إلى مجموعة أوراق تشبه ألواحاً جليدية بدأت بالذوبان في داخلي.

قلت:إنها البشارة التي ستنقلني من حالة التصدع في عالم الذنوب الوهمية ووخز الضمير المؤثر، إلى حالة مضادة أخرى، سيتم فيها تشذيب النفس من حبر ماضٍ رخيص اتسختُ به دون إرادة مني.

نهضت من على الكرسي دون التفوه بكلمة واحدة، ومعي نظرة امتعاض حادة أطلقتها أمي صوبي قبل خروجي من غرفة العناية المشددّة التي كان يرقد على سريرها أبي. فيما رأيت سطوعاً لغضب خافت ينطلق من عيني أبي باتجاهي. لا أعرف كيف بمقدور رجل مهشم مثله أن يفعل ذلك. كأن أبي يريد أن يعلن عن رفضه لأية شفقة تتعلق بوضعه الصحي. بل وربما سمعته وهو يشيعني بنظراته تلك:

((سأتعافى وأنهض لالتهامكم كلاباً وقططاً وجرذاناً وعقارب وبغالاً))

أجل. أعتقد بأنني سمعت تلك الكلمات وهي تصدر منه مع قرقعة أمعائه التي كانت تتغذى على ما كانت تضخه الأنابيب من سوائل في شرايينه. أو ربما خُيّل لي بأنني سمعت استنكاراً مثل ذلك على نوعية الطعام الذي كان يزرق في جسده زرقاً، بعدما كانت موائده محتشدّة بالبط والسمك وكل ما يشتهيه البطن من صنوف الأطعمة والمشروبات والفاكهة.

أستطيع أن أتخيل كل شيء بسرعة البرق. إلا أن ذلك الخيال، لا يمنحني القدرة على تخيل أو تخمين فكرة أن يتخلى أبي عن الإيمان بالصورة التي رسمها لنفسه عبر عقود من الزمن.

لقد احتكر أبي الزمن لنفسه وحده.

ذلك ما فهمته من قبل، وأدركه الآن تماماً. فهو كورال ضخم لأوركسترا تجتمع بعصا واحدة غلبت عليها تسمية المايسترو.

وصلت إلى الباب الخارجي للمستشفى. ولم يكن بالإمكان إلا مواصلة السير. ولكنني تذكرت عربتي. قطعت شرودي للعودة نحو المرآب العام. فتحت باب السيارة، وانطلقت خارجاً، لأجد ماتيلا وهي تعترض طريقي بسيارتها. استغربت من الصدفة أو الموقف. كنت منهكاً دون رحمة وأحاول الاهتداء إلى أقصر الطرق المؤدية للخروج من المدينة وباتجاه القصر بالضبط.

لذلك حاول تفادي سيارة ماتيلا، إلا إنها أشارت لي بيدها. فهمت أنها تريد مني القيام بأن أتبع سيارتها.

حاولت التردد والعصيان. ولم أرفض.

انطلقتُ بسيارتي خلفها وسط شوارع المدينة، وإلى أن استقر بنا المطاف أما مطعم صغير متواضع المساحة في حي ليس بتلك الأهمية أو الفخامة.

نزلنا من سيارتينا. تصافحنا ببرود. وسألتني عن أوضاع أبي الصحية وكيف هي الآن.

لم أطل في الإجابات. أخبرتني عن رغبتها الشديدة لتناول شيء من الطعام. فأطرقت رأسي قليلاً، ثم وافقتها على تناول شيء في المطعم الذي اقترحته هي. أمسكتني من يدي ودخلنا مطعماً صغيراً، كل ديكوره من الخشب المحروق. قادنا الجرسون لطاولة صغيرة وجلسنا أمام بعضنا صامتين لبعض الوقت.

–  أنا سأطلب سجقاً مع اللبن في هذا المطعم اليوناني المختص بطبخ اللحم بالتوابل الحارة. فما الذي تريد تناوله أنت يا زولا؟ هل سبق أن تناولت السجق من قبل؟

طيب. لا تفوت الفرصة بتذوق ذلك.

سألتني ماتيلا وهي تهدّم جدار الصمت الذي دام بيننا لبضع دقائق. ويبدو أنها مصممة على أن تطعمني سجقاً حاراً.

–  هل هو غرامك بالطعام.. أم هي لذتك بالفلفل الذي تريدين من وراءه تحريك شيء ما؟

أجبتها وكأنني كنت مضطراً لتناول وجبة مشتركة.

–  لا بإمكانك تناول أي نوع من الأسماك المطبوخة بالفلفل والكاري الهندي كذلك؟

–  ألا يقدم المطعم لحوم الأفاعي؟ سألتها بتهكم؟

–  نعم يقدمها، ولكن مع السمّ الحادّ أيضاً.

أجابتني معلقة وهي تستغرق بالضحك.

عندما حضر الجرسون. وربما هو الشخص الوحيد الذي يقدم الخدمة في ذلك المطعم، طلبت ماتيلا منه أن يحضر لنا وجبتين من السجق مع اللبن. بعد ذلك سألتني عن وضع أبي الصحي وما يترتب علينا عمله، فأهملت الإجابات عن ذلك بالثرثرة وتناول موضوعات أخرى، إلى أن أحضر لنا الجرسون الطعام. تناولناه بسرعة خاطفة. بعد ذلك طلبت مني ماتيلا الذهاب لدفع الحساب. فنهضت بانشراح. وأنا أضع يدي في جيب بنطالي الخلفي لتناول المحفظة.

وما أن وقفت أمام الرجل الذي يجلس وراء صندوق الحساب، لدفع الفاتورة، حتى وقعت عيناي على بعض الرسائل المعلقة في خزانة زجاجية كانت مثبتة على الحائط خلف الرجل. وكل تلك الرسائل كانت بخط يدي وموقعة باسم أمي المستعار: روش.

ضربني الارتباك. فأعطيت النقود وتركت باقي الحساب هارباً من المطعم، لتلحقني بعد ذلك ماتيلا إلى الشارع الفرعي صارخة:

–  هل أفزعتك الرسائل التي رأيتها يا زولا أم ثمة شيء آخر؟

–  إنها المرة الثانية يا ماتيلا. المرة الثانية التي تحاولين فيها استفزازي!!

كأن الله خلقك من أجل توسيع مساحات اضطرابي، لأغرق بالذنوب عقاباً على ما فعلته أصابعي في صغري.

أأنت جنية أم ماذا؟

–  نعم. وعليها أن تطعمك وجبة من الحقيقة كل يوم. ألمْ تكن غير جائع وأكلت الآن؟!

–  نعم. أكلت. أكلت!!

–  ووالدك أيضا كان جائعاً ذات يوم، فانتزع ممتلكات الرجل الذي رأيته وراء صندوق الحساب في المطعم، فأكله بلحمه وعظمه ولم يبق له من ممتلكاته الطويلة العريضة سوى ذلك المطعم الحقير الذي لا تتعدى مساحته سوى بضعة أمتار، ربما لا تصلح أن تكون له قبراً.

أتعرف لمَ لا يقدم ذلك الرجل في مطعمه غير الوجبات الحارّة المُسمدّة بالتوابل؟

لأنه يعتقد بأن التوابل تنسجم مع وضعه النفسي.

ربما بهدف أن يتذوق الآخرون ولو طعم ” الشطة” الحادة اللاذعة، فيشعرون بمعاناة افتراضية كتلك التي يعيشها صاحب المطعم، بعدما فعلت به المغرمة روش ما فعلت.

هل لديك بعض الوقت لنقوم بجولة في المدينة. لا أعتقد بأنك ستعترض على مشروع من ذلك النوع. لذلك ستنضم إليّ في سيارتي. ونشق المدينة وحيدين، ونحن نرصد حركات الآخرين من وراء الزجاج. لدي بعض الموسيقى التي قد تعجبك. ولكنها بالتأكيد ليست موسيقى جنائزية من النوع الذي تطلقه أجراس الكاتدرائيات.

عندما أصبحت داخل عربة ماتيلا، شعرت بغضب قضى على الإنهاك الذي كنت أعاني منه قبل ساعات من الآن. أكان انتعاشاً بفعل اكتشاف ضحية جديدة من قرابين رسائل الغرام الافتراضي لوالدتي؟

لم أكن سعيداً بمثل ذلك القدر الحميم. كانت الفتاة تحدثني. كنت معها وبعيداً عنها في آن واحد.

آه لو يكون بالإمكان إقناع تلك الجنية بتفاهة دوري بتحطيم عائلتها.

خط يدي لم يكن هو السبب. روش هي التي فعلت ذلك بأفكارها.

غرين هو الذي بلع ما كان للرجل من ممتلكات.

ما علاقتي أنا بالأمر، سواء إن فتح ذلك الرجل مطعماً لبيع السجق بالتوابل الحارة أو بالقنابل الإستراتيجية الحارقة؟

ألا يعدو الأمر مهزلة دراماتيكية، ولا تتعلق بشخصيتي مطلقاً؟

فأنا لم أقترف ذنباً للمشاركة في مسرح قاعدته من نار وستارته من دخان وأفكاره كلها من نسيج رمادي حارّ بعض الشيء.

أنا زولا المُغرر به سابقاً. وصورتي القديمة يجب أن تسقط، أو تمحى حتى لو بالحرق. ولكن كيف لأب حذّر لعوب حاذق سمسار أن يخسر كل ما يملك برمشة عين؟! ”

سألت نفسي ذلك السؤال، وشعرت بأن شصّاً حاداً، يصطادني من حنجرتي، بعدما وجدتها تتمزق فعلاً في ذلك الحين. وهو ما دفعني لإطلاق آهٍ حادة خرجت من أعماقي دون ترتيب مسبق.

–  ما قصة تلك الآه يا زولا؟

سألتني ماتيلا بلغة الأستاذ المستفسر، وكأن آهتي العمياء استفزتها في الصميم.

–  لا شيء. يبدو إنها زفرة ساخنة لمياه راكدة كانت في مكان سرّي ما في داخلي. أرجو أن لا تعتبري ذلك معصية كذلك؟

–  أبداً. صديقي ماسفيلد يطلق يومياً الكثير من تلك النوبات يومياً، دون أن أسأل عن معنى ذلك الغبار الذي يخرج منه.

–  وتعتبرين ذلك غباراً يا ماتيلا؟

سألتها بذهول.

–  غباراً وليس زلزالاً بالتأكيد!!

أجابت وهي تنعطف بسيارتها نحو الكورنيش البحري الذي كان مزدحماً بأرتال من العربات. فيما صوت الموسيقى الداخلية كان بمثابة رذاذ يغذي أواخر ما في رأسي من مقاطعات.

مقاطعات تقول يا زولا؟!!

هأ. يبدو أنك فقدتها هي الأخرى بفعل الخيالات التي باتت تكتسح دماغك الأرمل. ولكن هل عندك تشبيه آخر لما يجري بينك وبين نفسك في البرزخ الذي رمتك به الشيطانة ماتيلا؟

ألا تدرك بأنها فتاةٌ تقود حرباً غامضة ضدك وبالضدّ من سلالتك التي قذفتك من رحمها يا زولا؟

عليك اختراع الشجاعة، والتمسك بقبضتها. أجل التمسك بقبضتها بقوة، حتى ولو أدى ذلك لتفسخ أصابعك وتساقط أسنانك بما فيها ضرس أوسن أو ناب أو رحى العقل اللعين. فأنت واقع في بئر، والبقية واضحة لا تحتاج لضوء كاشف”.

قلت ذلك في نفسي وأنا أمسك كأساً مليئة بالبيرة في المقهى البحري الذي اختارته ماتيلا من أجل تلك الاستراحة القصيرة التي قررتها هي بنفسها أيضاً، مما اعتبرته بمثابة نوع من عمليات غسل لدماغي، الفكرة واضحة بالنسبة لي، وربما لا تقبل الجدل. فأنا طرطور هذه الفتاة ولا أصلح إلا لتناول الرعب على وجبات دون احتجاج!

على امتداد الطاولات في ذلك المقهى البحري، كان الماضي حاضراً في تلك الشموع. إنه الآخر يحرق نفسه مثلي، دون مراعاة إلى كمية الدمع التي تتساقط منه تماماً. فالماضي برج يطيرُ منه الحمام، ليعود إليه مرة أخرى، باعتباره حماماً زاجلاً، يحاول ربط الناس برسائل أيام متوفاة تسمى التاريخ.

–  ماتيلا من ذلك الصديق؟ قلت اسمه…. ماسفيلد؟!!

نهضت من على الكرسي وأنا أضع قدمي على سياج المقهى الحديدي الفاصل ما بين شرفة اليابسة والبحر. قلت لها ذلك بشيء من التنكر للشخص ومستنكراً في الوقت نفسه تلك العلاقة.

–  ماسفيلد تقصد؟ أجابتني ماتيلا مستنفرة.

–  ومن غيره؟

أجبتها بامتعاض.

–  ماذا دبّ في حواسك يا زولا؟ أنت تسألني كما لو تكون مشرفاً على حياة فقمة في حديقة حيوانات؟

ردّت ماتيلا بشيء من التعالي والتذمر، وكأنها تطلق بالوناً للاختبار.

–  أنا أسأل فقط. فأنت ما تزالين بالنسبة لي أشبه بجزيرة مجهولة، وعلى المرء التفكير بما يراوده ويلح عليه. لا أعتقد بأنك تعارضين ذلك؟

–  كأسك يا زولا.

أجابتني برفع الكأس مبتسمة وهي تطلب مني العودة إلى الطاولة. وما أن عدت إلى موقعي متشنجاً، حتى بادرتها بالسؤال:

–  ماسفيلد. من هو بالضبط يا ماتيلا؟

–  تريدني أن أصفه لك؟

حسناً إنه شخص كان مشرداً، ثم وجد له في الكومبيوتر مأوى. ذلك هو تعريفي لهُ بكل بساطة.

عندما غادرنا المقهى، شعرت بأن ماتيلا قد جعلت جسمي كتلة قش مضغوط، ورمتني على قارعة الطريق. نعم. ولم يبق أمامها من مهنة إلا أن تشعل فيه عود الثقاب.

أحسست بالفزع في بداية الأمر، ولكنني وجدت نفسي أتوكأ على ذراع الخادمة فوجي، وهي تساعدني على تخطي درجات السلم نحو الطابق العلوي. أوصلتني إلى هناك، ومن ثم غطت جسدي بشرشف رقيق من القطن، قبل أن تطفئ النور وتغادر الغرفة.

ذلك ما حصل. تركتني فوجي في مملكة تتنازع عرشها وحوش من مختلف الماركات والصنوف والغابات.

هل عضني أحدٌ من تلك الوحوش، أم افترستني النمور بالكامل؟

لا أدري. لكن الشيء الوحيد الذي أتذكره، إنه في صباح اليوم التالي، جاء من يوقظني للاستعداد للحرب، وهو ما جعلني مذهولاً ونصف مخبول.

فبعد قراءتي للتبليغ العسكري الخاص بضرورة التحاقي بالجيش، قامت بلادي أمريكا بتشكيل تحالف دولي، لطرد صدام من الكويت وتحريرها من الغزو.

لم أكن أعرف من هي الكويت أصلاً، ولا أين تقع تلك الكويت؟

لكن علينا أن ندخل الجحيم من أجل أن نخرجها من هناك حيّة ترزق؟!

–  هل تحرير نفسك من جحيم العائلة.. أم تحرير الكويت من صدام أهم؟

صرخت بنفسي وأنا أرمي الشرشف القطني عن جسدي بعيداً. ولو كان بمستطاعي أن أقذف السرير من غرفة النوم، لفعلت. أحسست بأن روحي التي كانت أشبه ببطارية نفذت كل طاقاتها دفعة واحدة داخل القصر العائلي، سوف تُعيدُ لها الحربُ القوة من جديد.

قفزت إلى الأرض من فوق سريري منشرحاً، وأنا أصرخ : الحرب هي الفرصة يا زولا. فقد تجد فيها ما ترغب به. أمنا أمريكا التي لم تستطع إنقاذك من البطالة والذبول والعراك النفسي بعد تخرجك من الجامعة، لم تتخل عنك في محنتك الآن. ها هي تتقدم منك بخطوات ثابتة لتنزع عن صدرها السوتيان، من أجل أن ترضعك ضروعها حليب الحرب طازجاً مثل رمال الخليج هناك.

أمنا أمريكا مالكة الأثداء المكنونة المتورمة بالحليب المسروق ومشتقاته السّامة. صاحبة الشهوات الكبرى التي تشبه المطاحن، تريد لك حياةً مشرقة بين المدافع.

عندما نزلت إلى الطابق السفلي مبتهجاً ونشيطاً، رأتني أديث التي كانت جالسة في الصالون وبيدها كتاب. فصاحت بي ساخرة:

–  ما لي أراك ككنغور يخرج من جيبه الدخان يا زولا؟

–  اتركي شقيقك بحاله دون ثرثرة لا طائل من وراءها.

ردّت عليها أمي بما يشبه التعنيف وهي تراقب الأخبار على التلفاز باهتمام.

–  يبدو أن الحرب مقبلةٌ، وستنهش في لحومكم.

ردت عليها أديث بسخرية.

–  ذهاب زولا للحرب، لا يدفع أحداً منا للتكلم عن الأحداث بسخرية ووقاحة. تعلمي التهذيب أولاً، بعد ذلك تفلسفي على هواك.

علقت الأم بالكثير من القلق.

–  ستفعل أمنا أمريكا كل ما يضخم صفحات تاريخها. فهي لا تتوانى عن سحل أجسادنا نحو المطاحن، لتجعل منا دقيقاً، ما دام التاريخ هو الهدف. أتعرفين لماذا سيحدث ذلك؟

لأن والدتنا أمريكا لا تزال متخلفة عن العوالم الأخرى. تشعر بنفسها ناقصة عن الشرق والغرب الأوروبي، أمنا دولة حديثة العهد بلا أساطير. والأفظع من هذا وذاك كله، أنها مقاطعات لمهاجرين، لا يتنازل أحد منهم عن تاريخ أساطير البلاد القادم منها مع سفن العبيد الأولى، تلك التي حملتهم إلى القارة الجديدة. هذا الضعف الذي يتنامى داخل منظوماتها السيكولوجية والاجتماعية، هو ما يدفعها لقتل أساطير الغير، أو تغييبها بواسطة الهيمنة على الآخر، لحذفه من التاريخ الحضاري، أو لتجزئته أو لحصاره أو للتقليل من هيبة الماضي عليها.

–  أنت تثيرين تقززي يا أديث. والحديث معك لا يقود إلا للصدام.

أجابتها أمي بتلك الكلمات، وهي تمسكني من ذراعي خارجة بي نحو الحديقة.

–  اسمع يا زولا. الأبطال لا يولدون من فراغ.

كل ما قالته أديث كان صحيحاً. ولكنني لا أريدها أن تحبطك. أختك تحاول أن تصبح أمثولة لهذه العائلة، وهو ما لا يعجبني أبداً. وإذا ما قدر لك أن تذهب للحرب، فلن يكون أمامك إلا أن تكون بطلاً أسطورياً. لا أعرف كيف سيكون ذلك، ولكنني متأكدة من أنك ستصنع شيئاً مهماً أو مهولاً، سيدخل في سجل أمريكا وستتحدث عنه الأجيال فيما بعد.

–  ولكنك لم تفعلي ذلك من أجلي من قبل. تركت ابنك زولا يعيش في الظل بعيداً !!

أجبتها متهكماً.

–  ماذا تقصد يا ولد؟

زجرتني أمي وعيناها فوهتان لبندقية صيد.

–  –  ماذا أقصد تقولين؟!!

أقصد بأنني لا أريد تكراراً لتلك التجربة. كأن يمسني الخداع مرة أخرى، فأكون كاتباً لتلك الرسائل كنت تبعثين بها لعشاقك بخط يدي!

–  عليك أن تنسى الماضي يا زولا.

أجابتني أمي متضرعة وهي تعصرُّ ذراعي بقبضتها.

–  إذا ما أردت ذلك، فعليك نسيان الحاضر أيضاً، لنكون متساوين في الجريمة.

قلت لها ذلك، وأنا أحاول الفرار نحو الحقول التي كانت أمامي. ولكن يد أمي لم تجعل تلك الرغبة في حيز الممكن.

–  إذا فعلنا ذلك سوية، كأن تنسى الماضي أنت، وأنسى الحاضر أنا. أما مستقبلنا سيكون في قبضة أديث. سنتركها تعبث فيه على هواها!

أيعجبك ذلك يا ولدي؟

سألتني باستكانة امرأة على وشك الانهيار.

–  ولمَ لا؟ فأديث تلبست صورة أمنا أمريكا تماماً. ألم تصنع لجسدها قبراً وهي ما تزال على قيد الحياة؟

وربما يمكن التخمين أكثر وابعد:كأن يتحرك القدرُ برفسة من حافر حصان غير مروض، لتدفع بجثة أديث للاستقرار في ذلك المكان اللعين.

–  زولا. أنت ترعبني حقاً !!

قالت لي ذلك أمي بحزن عميق، وهي تترك ذراعي عائدة للقصر. فيما بقيت أنا مفكراً بجمع الماضي والحاضر والمستقبل في سلّة واحدة.

هل يمكن أن يحدث شيء من ذلك القبيل مثلاً؟

لم تختف تلك الأفكار عن رأسي سريعاً، إلا بعد أن جلست على العشب متأملاً قبر أديث الافتراضي الذي راح يتسع ويتسع ليحتل آخر نقطة من العين.

 

(( يتبع))