الكاتبة المغربية الفرنسية ليلى سليماني (دار غاليمار)

سجال ثقافي فرنسي حول نصوص كتبتها “نجمة” الرواية الفرنكوفونية

“يوميات العزلة”، نمطٌ من الكتابة يتكرّس مع حجرٍ إلزاميّ فرضته جائحة كورونا على العالم. الصحف العالمية باتت تُخصّص مساحةً للكتّاب والمبدعين بهدف توثيق تجاربهم في فترةٍ حرجة تعيشها الإنسانية.

روائيون ومسرحيون وشعراء في إيطاليا كما في فرنسا وأميركا وبريطانيا كتبوا، ومازالوا يكتبون، يومياتهم من داخل الحجر الصحي، علماً أنّ اليوميات تختلف عن الأنماط الأخرى، لكونها تغفل عنصر “الخيال”، الذي يُعدّ أساساً تقوم عليه الكتابة إبداعية. لكنّها من الأهميّة ما يجعلها وثائق إنسانية تقف على الحدّ الفاصل بين التاريخ والأدب.

يوميات الأدباء التي تصلنا اليوم بلغاتها الأصلية والمترجمة، تتجاوز مفهوم الكتابة الشخصية الحميمة لتُشكّل سرداً مرتبِطاً بحدثٍ تاريخي سيعود إليه قرّاء الغد للغوص في مُناخات كورونا، وتداعياتها. وعلى الرغم من التفاعل الإيجابي (العالمي) مع نصوص الكتّاب “المحجورين”، أثارت يوميات ليلى سليماني، الكاتبة المغربية-الفرنسية، سخطاً واسعاً في فرنسا.

ففي “يوميات الحجر الصحي” (صحيفة لوموند)، قاربت صاحبة “أغنية هادئة” (جائزة غونكور) بين عزلة العالم وعزلة الأميرة النائمة، التي كُتب لها أن تنام بدلاً من أن تموت. وبانتظار تحقّق المعجزة/ القبلة، قالت سليماني إن “عزلتنا هي بمثابة استراحة لنا. علينا أن نبقى جميعاً داخل منازلنا حتى يأتي يوم ننهض فيه من استراحتنا، كي يُقبّل واحدنا الآخر كما قبّل الأمير الجميلة النائمة”. ثمّ أضافت: “أنا أحبّ الوحدة، ومعتادة على البقاء في بيتي، وقد لا أخرج منه على مدار أيام متتالية. وعندما أكتب رواية، أسجن نفسي لساعاتٍ طويلة في مكتبي. لا أخاف الصمت، ولا يُفزعني غياب الآخرين. وأنا أعرف كيف أرتاح في غرفتي. الحجر/ العزلة؟ هو مكسب غير مُتوقّع لكلّ كاتب”.

رخاء الحجر

حتى الآن، لا مشكلة مع ما كتبته سليماني. فالعزلة ترف الكتّاب، وإن كانت العزلة الاختيارية تختلف في جوهرها عن العزلة الإجبارية. لكنّ غضب القرّاء، ومنهم كتّاب ونقّاد معروفون، انصبّ عليها بسبب استفاضتها في وصف بيتها الريفي، الذي لجأت إليه مع عائلتها الصغيرة لقضاء “عزلتها”، أو الأصحّ إجازتها.تُسهب سليماني في وصف بيت النورماندي، وحدائقه التي تزهر فيها الورود والنباتات بألوانٍ ربيعية بديعة. “هذه الليلة لم أستطع النوم. في غرفتي، أتأمّل الفجر من خلف النافذة، أستقبل الفجر مُشرقاً على التلال…”، وقد أرفقت نصّها بصورةٍ لها وهي تقف مبتسمةً على شرفةٍ جميلة وسط  الطبيعة الزاهية.

هذه اليوميات جاء وقعها ثقيلاً على كثير من الفرنسيين المسجونين داخل شققِ تُقاس بأمتار قليلة. فبعضهم وصف نصّها بالمهين، وبعضهم الآخر بالوقح، بينما عتب آخرون على صحيفة “لوموند” التي سمحت بنشر مثل هذه اليوميات “الطبقية”. ولاقت تغريدة الصحافي فرنسوا كينيل الساخرة تفاعلاً ملحوظاً، وكتب فيها: مرحبا أيها الفقراء. كلّ شيء على ما يُرام داخل الـ15 متراً التي يتقاسمها ثلاثة أشخاص؟ إن كنتم تريدون الاسترخاء والتخفيف من عبء الحجر الصحي، ما عليكم سوى قراءة يوميات الكاتبة التي تستجّم في منزل عائلتها الريفي الجميل. اتفقنا؟”.

 

من لا يعيش في فرنسا، قد يستغرب الهجوم العنيف على سليماني، في حين أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تعجّ بصور الفنانين والمشاهير الذين يستعرضون ثراءهم من خلال قصورٍ باهظة يحجرون أنفسهم داخلها. لكنّ أدبيات الكتابة تفرض على الكتّاب أسلوباً خاصاً في التعاطي مع قضايا المجتمع، لأنهم الموكلون أساساً بالتعبير عن المناضلين والفقراء والمقهورين.

“هذا ليس الوقت المناسب لمثل هذه الكتابة. يوميات سليماني مُستفزّة وغير لائقة”، هذا تعليق كتبته إحدى الغاضبات من نصّ سليماني، بينما قال أحد الصحافيين إنّ “يوميات سليماني- الكاتبة البرجوازية- تكشف جنونها الطبقي في حين يموت الآلاف من الناس من الوباء، ومن الجوع، ومن الضيق داخل أقفاصهم أو بيوتهم”.

ومن النقّاد من تساءل عن جدوى الكتابة عن “الأنا الاجتماعية” (الخارجية) في يومياتٍ يُفترض أنها تصوّر “الأنا النفسية” (الجوّانية)، بينما هاجمها كثيرون بسبب خيانتها معنى الكتابة الذي لا ينفصل عن الهمّ الإنساني العام. وسألها أحد المعترضين على نصها المنشور في “لوموند”: “ماذا يعني أن تشعر الكاتبة بأنها أميرة متوجة على عالمٍ ينهار؟ أنت ماري أنطوانيت التي تريد أن تُطعم شعبها الكعك في حين أنه يفتقر إلى رغيف الخبز”.

ربما الضجة التي أثارتها “يوميات” ليلى سليماني في “لوموند”، تجاوزت أصداء روايتها الصادرة حديثاً بالفرنسية عن دار “غاليمار” بعنوان “بلاد الآخرين”، وهي الثالثة لها بعد “حديقة الغول” و”أغنية هادئة” (غونكور،2016). وهذا مرتبط طبعاً بزيادة الوعي الطبقي عند الفرنسيين المهمومين بقضايا المساواة والعدالة الاجتماعية.

الكاتبة ليلى سليماني، المولودة في المغرب لأبٍ صيرفي ميسور وأم طبيبة، هي أيضاً الممثلة الشخصية للرئيس ماكرون في الفرنكوفونية، وواحدة من أكثر ثلاث شخصيات مؤثرة في فرنسا، إلى جانب لاعب كرة القدم كيلان مبابي والمصمم العالمي هادي سليمان. هذا كلّه يجعلها تحت المجهر، وعرضةً للمساءلة الاجتماعية. ويبقى السؤال أخيراً، هل غضب الناس سيتلاشى مع انتهاء مرحلة كورونا، أم أنّ يوميات سليماني المتهمة بتعزيز الفوارق الطبقية ستُلازمها كوصمةٍ لا تُمحى؟

https://www.independentarabia.com/node/