“ابنة الحظ”

الحلقة السادسة من مغامرة تقودها حمى الذهب في كاليفورنيا القرن ال19

الكاتبة التشيلية ايزابيل أليندي (دار النشر)

 “ابنة الحظ” هي الحلقة السادسة في سلسلة روايات الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي المؤلّفة من خمس عشرة حلقة، حتى الآن، وشكّلت رواية “بيت الأرواح” الصادرة في العام 1982 حلقتها الأولى، وشكّلت رواية “ما وراء الشتاء” الصادرة في العام 2017 حلقتها الخامسة عشرة. وهي رواية صدرت بالانجليزية في العام 1999، وجرت ترجمتها إلى العربية في العام 2019، على يد المترجم الفلسطيني الراحل صالح علماني (دار الآداب)، أي بعد عشرين عامًا على صدورها. ولعلّ الملاحظة الأولى اللافتة للنظر في الرواية تكمن في ضخامتها، حجماً وزماناً ومكاناً وشخصيات؛ فيقارب حجمها حوالى الخمسمائة صفحة، ويمتد زمنها على عشر سنوات، وتجري أحداثها بين التشيلي والصين وكاليفورنيا، وتنخرط فيها عشرات الشخصيات، الرئيسية والثانوية، ما يعني أنّنا إزاء عملٍ روائيٍّ ضخم.

 حمّى الذهب

تجري أحداث الرواية في القرن التاسع عشر بين العامين 1843 و1853، وترصد فيها الكاتبة ما تسمّيه بـ”حمّى الذهب” التي استعرت في كاليفورنيا، وأحلام الثروة التي راودت الكثيرين من جنسيات مختلفة، فانخرطوا فيها ليغنم بعضهم، وتعود الغالبية من الغنيمة بالإياب. وتتناول ما رافق ذلك من صراعات عرقية دامية وأنشطة بشرية، أدّت إلى استشراء شريعة الغاب، من جهة، وقيام مدن بكاملها، من جهة ثانية. وتتناول ما نما على هامش اكتشاف الذهب من تجارة الرقيق والعبودية والدعارة والتجارة وغيرها من الأنشطة البشرية. وهي تفعل ذلك من خلال شخصيات الرواية المختلفة التي كان لكلٍّ منها مسارها ومصيرها، ما يجعلنا أمام شبكة من المسارات التي تتعاقب وتتزامن وتتجاور وتتقاطع وتفترق، ومجموعة من المصائر التي تتشابه أو تختلف. وإذا كان المقام لا يتّسع للإحاطة بجميع الأسلاك السردية في الرواية، فحسبنا الإمساك بالسلك الأقوى والأطول بينها الذي تتمحور حوله الأسلاك الأخرى الأقصر، بطريقة أو بأخرى. وهو سلكٌ يتمظهر في علاقة ملتبسة بين طرفين اثنين؛ تُشكِّل إلزا سوميرز، الفتاة التشيلية البريطانية الأصل، أحدهما، ويُشكِّل كلٌّ من خواكين أندييتا، الشاب التشيلي الفقير، وتاوتشين، الطاهي الصيني، الطرف الأخر.

على رابية ثيرّو أليغري المطلّة على ميناء بالبارايسو التشيلي، تنشأ إلزا في أسرة آل سوميرز البريطانية المؤلّفة من ثلاثة إخوة، هم جومير، مدير مكتب الشركة البريطانية للاستيراد والتصدير، جون القبطان البحري، وروز الأخت العازبة الطالعة من تجربة عاطفية عاصفة كان لها تأثيرها على ما تبقّى من حياتها. فإلزا التي يعثر عليها في علبة صابون مغطاة بسترة رجل، أمام باب الشركة في 15 آذار 1832، يتمّ تبنّيها من قبل الأسرة المذكورة، وتوليها روز اهتماماً خاصًاً، وتجد فيها فرصة لممارسة أمومة مفقودة، فتقوم  بتربيتها تربية أرستقراطية صارمة تتناسب مع مكانة الأسرة الاجتماعية، وتحرص على تعليمها اللغة والعزف والرقص والثقافة، وتزويدها بالمهارات اللازمة لسيّدة المجتمع الأرستقراطية.

ذات جمعة من مايو ( أيّار 1848)، وقد بلغت إلزا السادسة عشرة من عمرها، تقع عيناها على خواكين أندييتا، الموظّف الفقير في الشركة البريطانية التي يديرها جومير، فيقع في قلبها ، وينخرطان في علاقة حبٍّ عاصف يحلمان بأن تتكلَّل بالزواج، حتى إذا ما أصابته “حمّى الذهب” كما أصابت كثيرين غيره، يُقرّر السّفر إلى كاليفورنيا للحصول على الثروة والعودة لتحقيق حلمهما المشترك. غير أنّ الرياح تجري بما لا يحلمان، فهو تنقطع أخباره عنها، وهي تظهر عليها أعراض الحمل. وفي محاولة منها لتدارك الفضيحة، تقرّر اللحاق به، يساعدها في ذلك تاو تشين، الطاهي الصيني، فيتدبّر أمر تهريبها إلى عنبر السفينة إميليا بواسطة كيس، مقابل عقد من اللؤلؤ، على أن يفترقا عند الوصول إلى سان فرنسيسكو. والمفارق في هذه العلاقة الثلاثية أنّ كلّ طرفٍ فيها يباشر مساراً معيّناً غير أنّه لا يستطيع التحكّم بمجرياته، ما يجعل الأقدار تقول كلمتها الأخيرة في المصير الذي يؤول إليه. على أنّ ثمّة تشابهًا في نشأة كلٍّ منهم؛ فإلزا لقيطة يُعثر عليها في علبة صابون أمام مبنى الشركة، ولا تعرف أسرتها الحقيقية، وخوكين لا يعرف أباه الحقيقي ويعيش مع أمّه العجوز في ظروف بائسة، وتاو باعته أسرته بسبب الفقر. ويكون على كلٍّ منهم أن يأخذ أمره بيده لكنَّ القدر كان له رأيٌ آخر.

رحلة البحر والبر

في رحلة البحث عن حبيبها المفقود، في شقّيها البحري والبرّي، تتعرّض إلزا لكثير من المخاطر، وتشارف الموت غير مرّة، غير أنّها تتمكّن بمساعدة تاو، وبفضل نزوعها إلى المغامرة، وإصرارها، وكبريائها أو حبّها، من الوصول إلى نقطة معيّنة تتحرّر فيها من التزامها إزاء المبحوث عنه، وإزاء نفسها.

في الشقّ البحري من الرحلة، بين بالبارايسو وسان فرنسيسكو، تَمرض، وتُجهض، وتقترب من الموت. غير أنّ اهتمام تاو بها واستخدام خبرته في الطب الصيني تُنقذها من مصير محتوم. وفي الشقّ البرّي منها، بين سان فرنسيسكو وسكرامنتو وحوض النهر الأميركي، تتعرّض إلى مخاطر قطّاع الطرق واللصوص والجوع والمرض والثلج والنوم في العراء، وتتنكّر في زي رجل، ويشاركها تاو في قسم كبير من هذا الشق، وتجمع بينهما اهتمامات مشتركة، وأفكار إنسانية، ونزوع إلى الحرية، وعلاقة تتطوّر من الصداقة إلى الأخوّة إلى الحب. وتتكلّل بالارتباط لاحقاً. في هذا البرّ الأميركي، وفي إطار بحثها، تضطر إلزا لمزاولة الكثير من الأعمال كي تبقى على قيد الحياة؛ تطهو، تعزف، تكتب، تداوي، وتساعد تاو في معالجة المرضى. وتلتقي بكثير من الأشخاص، الطيّبين أو الأشرار، وتكتسب خبرة في التعاطي مع كلٍّ منهم. غير أنّها لا تعثر على ضالّتها المنشودة باستثناء أخبار متفرّقة عن قاطع طريق مشهور، تنطبق عليه مواصفات حبيبها. وبعد أربع سنوات من البحث المتقطّع، تتغيّر شخصيّتها، تغيم صورة المبحوث عنه في ذهنها، وتكتشف أنّ ما أقدمت عليه قد يعود إلى الكبرياء لا إلى الحب، حتى إذا ما أُعلِنَ عن قتل قاطع الطريق، وجرى عرض رأسه للجمهور، يصطحبها تاو للتأكّد من شخصيّته، فتعرف فيه خواكين، وفي هذه اللحظة بالذات، تتحرّر منه، وتقدم على البرّ بوعدها بالزواج من تاو. وهكذا، يمتدّ هذا السلك المحوري في الرواية، على المستوى الزمني، طيلة أربع سنوات، بين رؤيتها خواكين وتعلّقها به، ذات جمعة من أيار 1848، في ثيرّو أليغري قرب بالبارايسو التشيلية، وبين رؤية رأسه في إناء زجاجي وتَحَرُّرِها منه، في تموز 1853، في سان فرنسيسكو الأميركية. وما بين التعلّق والتحرّر من مخاض عسير وتشرّد وعذاب وأهوال صقلت شخصيتها، وجعلتها تعرف ما تريد، وتُقدم عليه بكلّ ثقة بالنفس. وبذلك، تكون “ابنة الحظ”، بامتياز. ويمتدّ، على المستوى المكاني، من التشيلي إلى الصين إلى كاليفورنيا. وتنخرط في أحداثه وأحداث الأسلاك الأخرى التي تحفّ به شخصيات كثيرة.

إلى جانب هذا السلك المحوري، ثمّة أسلاك أخرى في الرواية، تطول أو تقصر، تحدث قبله أو معه، لا بعده. ويتعلّق كلٌّ منها بشخصية معيَّنة، ويعكس جوانب من هذه الشخصية. وفي هذا السياق، توازي شخصية تاو شخصية إلزا في حضورها كمًّا ونوعًا ما لم تتفوّق عليها. فتاو هو الابن الرابع في أسرة صينية فقيرة تقيم في قرية من مقاطعة كوانغتونغ، على مسيرة يوم ونصف اليوم من مدينة كانتون الصينية، وُلِدَ لأبٍ يعمل في الأدوية المستخرجة من النباتات، بعد أن خسر أرضه على أيدي المرابين والمقامرين. لا تطلق الأسرة عليه اسمًا بل ترقّم أبناءها بالأرقام. وإذ تتوالى عليها المصائب، تقوم  ببيعه من قافلة تجّار تبيعه ،بدورها، من طبيب تقليدي مشهور بوخز الإبر (جونغ يي)، في مدينة كانتون، وهو في الحادية عشرة من عمره، فيطلق عليه اسمه، ويعلّمه مهنته، حتى إذا مات معلّمه، يسافر إلى هونغ كونغ حيث يمارس مهنة الطب، ويتزوّج من فتاة أحلامه. غير أنّ القدر يكون له بالمرصاد، فتموت ابنته بعد الولادة، وتلحق بها الزوجة بعد فترة، ثمّ يضعه حظّه العاثر على متن سفينة شراعية، بعد أن تمّ تخديره، ليعمل طاهيًا وطبيبًا. وفي هذه الأثناء، يلتقي بإلزا، ويكون بينهما ما سلفت الإشارة إليه. هذه الشخصية تمثّل الفطرة الإنسانية، الساعية إلى الخير، النازعة إلى الحرية. وتتمكّن، بمساعدة إلزا، من القيام بكثير من الأعمال التي تجسّد هذين السعي والنزوع.

في السياق نفسه، يمثّل خواكين، قبل سفره، شخصية الشاب الفقير، صاحب الأفكار الليبرالية، الناقم على السلطة بكل تجلّياتها، المتطلّع إلى حياة كريمة تنقذه وأمّه من البؤس والحرمان. وإذا كان حضوره قبل سفره في النص مباشرًا، فإنّ حضوره بعد السفر هو حضور غير مباشر، من خلال تفكير إلزا به وبحثها عنه والأخبار والإشاعات التي نُسِجَتْ حوله، ما يجعل الغموض يُحيط بالظروف التي أحاطت بمساره، وآلت به إلى مصيره المشؤوم. وهناك روز التي دفعت حياتها ثمنًا لتجربة عاطفية عاصفة، ووجدت في تبنّي إلزا فرصة لممارسة أمومة ضائعة، وتتحلّى بالجرأة والثقة بالنفس والاستقلالية والحس الاجتماعي الرفيع والذوق الفني المرهف. وهناك جون القبطان المغامر، صاحب العلاقات المتعدّدة، المتحرّر من القيود والضوابط الاجتماعية، وهو الوالد الحقيقي لإلزا الذي أخفى عنها، بالتواطؤ مع أخته روز، حقيقة أبوّته لها، الأمر غير المفهوم والمبرّر روائيّاً. وهناك باولينا، ابنة الإقطاعي التشيلي أوغسطين دل بايي، وزوجة فيليثيانو رودريغث، رجل الأعمال المحدث النعمة، التي تتكشّف عن رؤية تجارية ثاقبة، وتمثّل التمرّد والاستقلالية وقدرة المرأة على خوض مجال الأعمال. وهناك جاكوب تود، المراهن البريطاني الذي يقوده رهان خاسر إلى التشيلي لبيع الكتاب المقدّس، فيجد نفسه، من حيث لا يرغب، في موقع المبشّر البروتستانتي المزيَّف الذي ينفق تبرّعات التبشير على نفقاته الخاصة، فتلاحقه تهمة الاختلاس، وتعزله اجتماعيّاً في التشيلي، وتطارده إلى لندن. غير أنّ المدينة الناشئة في سان فرنسيسكو، بفعل حمّى الذهب، تتيح له وللكثيرين سواه بدايات جديدة بمعزل عن ماضي كلٍّ منهم. وهناك شخصيات أخرى لا يتّسع المجال لذكرها.

تضع إيزابيل الليندي روايتها في ثلاثة أقسام، يختصّ كلٌّ منها بمدّة معينة، تتراوح بين سنة واحدة، في الحدّ الدنى، كما في القسم الثاني، وخمس سنوات، في الحدّ الأقصى، كما في القسم الأوّل. غير أنّها تتساوى في عدد الفصول المحدّد بسبعة لكلٍّ قسم، تتراوح عناوينها بين: اسم شخصية (مس روز، الابن الرابع، تاو تشين، خواكين)، أو جماعة (الانكليز، آنسات، الباحثون عن الذهب، الخاطبون، فتيات سبنغ سونغ، حمائم مدنّسة)، أو مدينة ( بالبارايسو، إلدورادو)، أو حدث ( الحب، الوداع، الخبر، السر، الرحلة، خيبات أمل، صفقات تجارية)…وهي عناوين تُشكّل تكثيفًا مناسبًا للفصول المختلفة. على أنّ هذا التقسيم لا يقوم بأي وظيفة فنيّة في النصّ، فوجوده أو عدم وجوده سيّان. أمّا اللغة السردية التي يتمظهر فيها هذا التقسيم عناوين ومتونًا فهي لغة رشيقة، سلسة، على جمال صياغة، ما يسجّل للمترجم، فتبدو الرواية عربيّة أكثر منها معرّبة.

“ابنة الحظ” عالم روائي قائم بذاته مفتوح على التاريخ والجغرافيا والرحلة والمغامرة والغرابة… ولا بد للمتوغّل فيه من أن يعود بكثير من بالدهشة والمتعة والفائدة.

https://www.independentarabia.com/node/