الأديبة الإنجليزية دوريس ليسينغ (اندبندنت عربية)

طفلان في دوامة الهجرة بعد خمسة وعشرين ألف عام من سنة كورونا!

كان أدب الإنجليزية المولودة في إيران والمترعرعة في روديسيا دوريس ليسينغ يبدو على الدوام، لا سيما في الجانب الروائي منه، كثيراً ومتنوعاً. إذ توجد الرواية التجريبية، والروايات الطويلة والقصص القصيرة. لكن توجد أيضاً وبخاصة الروايات السيكولوجية الحميمة التي تكاد تكون كتابات باللغة الذاتية، إضافة إلى الأجزاء العديدة التي أصدرتها حول سيرتها الذاتية، ناهيك بما أصدرته حول سيرة والديها بشكل خاص، بل مرة حول سيرة جارتها “يوميات جارة طيبة” التي تتندر بكيف أرادت نشرها تحت اسم مستعار، فكان أن رفضها ناشرها المعتاد جاهلاً أنها كاتبتها.

وتوجد بشكل خاص ومفاجئ روايات تنتمي إلى ما يمكن اعتباره الخيال العلمي بما في ذلك روايات الكوارث “وما بعد الكوارث” كما كانت هي تؤكد مبتسمة، لا سيما لمناسبة الحديث عن واحدة من رواياتها الأكثر غرابة وابتعاداً عن السياق المعتاد لما كتبته ونشرته طوال مسارها الروائي الطويل، الذي قادها إلى الفوز بجائزة نوبل.

أبعد من أي خيال آخر
ما بعد الكارثة؟ أجل بالتحديد. وبخاصة بصدد الحديث عن تلك الرواية التي أصدرتها في عام 1999 بعنوان “مارا ودان”. والحقيقة أن ليسينغ تبتعد زمنيّاً في هذه الرواية بأكثر كثيراً مما وصل أي كاتب خيال علمي سابق عليها: ما لا يقلّ عن خمسة وعشرين ألف عام! إلى زمن جاء تالياً لحرب كونية وعصر جليدي قاتل دمّرا كل ما كانت الإنسانية قد بنته، وأديا إلى استشراء الأوبئة والكوارث كما إلى ظهور أنواع عملاقة من حشرات راحت تأكل الأخضر واليابس.

وتنقلنا الكاتبة في رفقة ولدين هما شخصيتا الرواية الرئيستان، مارا ودان، إلى قارة تنتمي إلى ما بعد الكارثة، هي عبارة عن قارة جنوبية تدعى إفريك (وكانت تسمّى أفريقيا). والبطلان أخ وأخت طفلان: هي مارا في السابعة حين تبدأ الأحداث، وهو دان يصغرها قليلاً بحيث تشعر دائماً بمسؤوليتها عنه، لا سيما في رحلة هجرتهما نحو الشمال في صفوف الزاحفين بعيداً عمّا يصيب ذلك العالم.

والحقيقة أنّ الطفلين يزحفان شمالاً بشكل ارتجالي ومن دون تخطيط، من دون أن يعرفا إلى أين سيقودهما ذلك، بعدها وجدا نفسيهما وسط مؤامرة قصور عائلية مبهمة بعض الشيء!

والحقيقة، أن الرواية إنما تحكي لنا الحكاية الملحمية لتلك الرحلة وشيئاً من مصير الأخوين، بلغة بيئوية واضحة حتى وإن كانت ليسينغ ستصرّح بأنها ليست من محبذي أدب الأفكار، أي الأدب الذي يكون مبنياً على رسائل فكرية أو اجتماعية. غير أن ذلك لم يمنع روايتها هذه من أن تُعامَل من جانب النقاد والقراء على السواء بكونها تحمل رسالة من خلال المعاناة التي يعيشها دان ومارا في رحلتهما. لا سيما في تلك الصفحات الرائعة، رغم عدم قابليتها للتصديق! حيث نجد دان ومارا ينضمّان إلى جيشين لا يتوقفان عن القتال ضد بعضهما بعضاً، هو ضابط كبير في أحد الجيشين، وهي جندي في الجيش الآخر، بيد أن ذلك سيكون عرضيّاً في رحلتهما التي سيواصلانها مواصلين البحث خلالها عن المعرفة: معرفة تاريخهما وأصولهما وتاريخ تلك المدن والحضارات التي يعبران بها، ولم يتبق منها سوى الأطلال ورائحة العفن والعدم!

ومن الواضح أن الكاتبة في “نسويتّها” المعلنة ترجّح على الدوام كفة مارا جاعلة منها أكثر قدرة على طرح الأسئلة الخاصة مقابل عمومية أسئلة دان. فهي تبدو معنية أكثر، مرحلة بعد مرحلة من عمرها ومغامرتها، بمعرفة مَنْ هم أهلها؟ ولماذا يتعمّد الناس الذين تمر وأخوها بهم إنقاذهما والحفاظ على حياتهما؟ مَنْ كان يعيش في الأزمان البعيدة في تلك المدن؟ ثم لماذا حدث لتلك المدن أن اندثرت؟

أسئلة الحضارات الغابرة
واضحٌ من خلال مثل هذه الأسئلة أن ما هو مطروح أمامنا إنما هو أسئلة الحضارة المعاصرة لنا. أسئلة تلك الأحداث والظروف التي تأخذ حضاراتنا الراهنة إلى الكارثة.

وفي يقيننا أن دوريس ليسينغ لو عاشت بضع سنوات أخرى، أي إلى أيامنا هذه وإلى عصر كورونا، كانت ستعمّق من أسئلتها وتبسّطها. لم تكن لتجد نفسها في حاجة، من أجل طرحها، إلى الابتعاد في الزمن خمسة وعشرين ألف عام. لكنها في الوقت نفسه، ما كان من شأنها أن تعترف بعد كلّ شيء بأن أدبها أدب احتجاج أو غضب! فـ”الأفكار لا تصنع كاتباً. وبالتالي لا تستطيع أن تصنع رواية”. فالرواية، كما ترى هي حالة متقدّمة من العمل الصحافي، إذ هي تعطي معلومات دقيقة ووافية عن أجزاء وعن مجتمعات غريبة عن بعضها ومتحاجزة في أحيان كثيرة.

وفي السياق نفسه، ترى كاتبتنا أن كثراً من الكتّاب الذين يهربون من الوقائع الاجتماعية لعصرهم، ليسوا إلا أنصاف كتّاب. إنهم “الكتّاب المأزومون الذين يخضعون إلى جلسات تحليل نفساني عيادي لدى متخصصين. هم يتوقفون عن الكتابة ويذهبون إلى المحلل النفساني على اعتبار أن المدى الكتابي عندهم قد انغلق”. وهي تروي لنا كيف أنها جرّبت مرة أن تذهب إلى متخصصة نفسية لتطلع على هذه الظاهرة الرائجة لدى الفنانين، “لكن المتخصصة لم يسرّها أبداً أن أكون غير مأزومة، إذ إنني خيّبت ظنّها”.

من إيران إلى روديسيا فلندن
ولدت دوريس ليسينغ، من أبوين إنجليزيين في مدينة خورمشهر الإيرانية. بعدها سكنت العاصمة الإيرانية طهران سنتين من طفولتها المبكرة حيث كان والدها يعمل موظفاً في المصرف الإمبراطوري الفارسي. ففي تلك الفترة كانت إيران مقسّمة إلى مناطق نفوذ متعددة، منها التابع للاتحاد السوفياتي ومنها التابع لإنجلترا. ووالدها هو من طلب الذهاب إلى إيران، لأنه من محاربي الحرب العالمية الأولى القدماء.

وهي تقول لنا إنه لم يستطع العودة إلى حياة طبيعية بعد انتهاء الحرب وعودته إلى عائلته وبيته في إنجلترا. إذ إنه بعدما قضى وقتاً من حياته في المستعمرات البريطانية لم يعد يطيق الحياة في لندن، وهو إذ لم يشعر إلا بمرارة كبيرة وبعدم استقرار، قرّر أن يكون مزارعاً في أفريقيا. إذ هو ينحدر من سلالة فلاحية إنجليزية. و”لكن الزراعة والحياة الزراعية في أفريقيا تختلف عن الحياة الزراعية في إنجلترا والمناطق المعتدلة، كما تقول مضيفة، لقد ذهب إلى روديسيا ليعيش في عالمه المستحيل. حاول أن يكون مزارعاً، لكن آخر اهتماماته كان أن يكسب مالاً. وهذا ما جعل أمي تعيش حالة بؤس وإحباط دائمَين، فهي كانت طموحة وممتلئة برغبات الحياة العادية الطبيعية، وفي روديسيا مات أبي وعادت أمي أدراجها وعدت أنا معها. ثم افترقنا بعد فترة وجيزة هنا في لندن”.

والحقيقة أن هذا يقود ليسينغ إلى الحديث مفصلاً عن كتبها، فتقول مثلاً إن واحداً منها هو سيرة لشخص يواجه الشيخوخة والموت من دون أن يكون لديه من يعرفه أو يتعرف عليه. إنها الشيخوخة الفعلية التي يعيشها سكّان أوروبا في المدن الكبرى أو الصغرى أيضاً، حيث تشكل الشيخوخة إحدى السمات المأساوية للحياة الأوروبية القائمة على التفرد والاغتراب والتمزّق وغياب الهوة بين الأجيال ذات المردود العملي اليومي. وهي تعرف أن هنالك هوة بين الأجيال في بلدان غير أوروبية، “إلا أن تلك الهوة لا تترك الشيوخ لعزلتهم الرهيبة”. وهنا تصل إلى كتابها القديم “أولاد العنف” فهو بجزء كبير منه مستوحى من حياتها “في المستعمرات البريطانية في أفريقيا وآسيا”، وليس من حياتها هي فحسب، بل من حياة والدها بصورة خاصة. إذ هي تعتبره شخصية روائية من الدرجة الأولى.

https://www.independentarabia.com/node/