القِماط

علي ناصر كنانة

 

 

 

(1)

هو ذا الشهرُ التاسعُ

والساعةُ ما حانتْ بعدُ..

يوشوشُ الوجودُ دونَ أنْ أراه:

أحسُّ أنّ ذا هوَ النهارْ.

وحين يوصدُ السكونُ بابَ داريْ:

أشعرٌ أنها تنامْ.

أرفسُها.. أحتجُّ..

فالموعدُ قد تأّخرَ..

وخلفَ قبوِها

يمامةُ الوجودِ تهدلُ

تهزُّها نسائمُ الحنينْ.

أحزنُ أحيانأً بهاجسٍ غريبْ:

هل هي ضجّةٌ تهتفُ باختناقي؟

كأنهم يستحضرونَ هِمّةً عظيمةً

في ذروةِ انتظاري.

لعلَّهُ الوهمُ!

وربما يستحضرونَ من طقوسِهم

أهزوجة القدومْ.

يومانِ أو ثلاثةٌ

وأخلعُ البوابةَ العتيدةْ.

أصرخُ ملءَ رغبتي..

لو تفهمُ “القابلةُ” البكاءْ:

أريدُ أن أهجرَ رحمَ أميْ

أريدُ أن أبصرَ وجهَ أميْ

أريدُ أن أمضغَ ثديَ أميْ

أريدُ أن أعومَ في الفضاءْ

أريدُ أن أخبَّ في الصحراءْ

أريدُ أن أركبَ مهرةَ البحرِ

أريدُ أن أحوزَ لذّةَ الهواءْ

أريدُ أن احتضنَ النساءَ

في كأسٍ من النبيذِ

ثم أصحو.

أريدُ..

أريدُ، من قرنيهِ، أمسكُ الوجودْ.

ظننتُها تعتقُني

–       وقد سئمتُ سجنَ رحمِها –

لأمسكَ الوجودَ بالمشيئةِ القصوى:

أرضعُ وقتما شئتُ

وأبكي وقتما شئتُ

وأحبو حيثما شئتُ

وأكبرُ كيفما شئتُ..

أحيا.. أركضُ.. أمشي..

أجلسُ.. أغنّي.. أصرخُ..

أحكي.. أصمتُ.. أشربُ..

أحلمُ.. أكتبُ.. أرحلُ..

أعشقُ.. أكرهُ.. أشكُّ..

أؤمنُ.. أسالُ.. أرفضُ..

وقتما..

حيثما..

كيفما شئتُ.

*

 

(2)

…  وقبلَ أن أبلَّ من حليبِها ريقاً

وجدتُني مقيّدَ الأطرافْ..

وحولَها يهمِسنَ: قمِّطيهْ.

ما أفظع اللفائف!

ودونما جدوى بكيتُ..

وحِلْمةً نديّةٌ تُحشرُ في فمي لأقبلَ السكوتْ..

وصرتُ أشكرُ الخراءْ!

فكلّما تبرّزتُ

نعمتُ لحظةً بنشوةِ التعرّي.

ما أفظع!

يهمِسنَ: قمِّطيهْ..

لتنموَ الساقانِ دونما اعوجاجْ!

وكلّما شاكستُها

تشدُّ خرقةَ القماطْ!

وددتُ لو تعيدُني لرحمِها

لأشتكي إليهْ!!

*

(3)

وأينما خطتْ طفولتي

تتبعُني الأصواتُ: لا:

–        هذا “كخّه”

–        ذاك “حرامٌ”

–        ذا “عيبٌ”

–        تلكَ “أحّو”

أينما رحتُ

وجدتُ الـ “لا” قِماطاً!

وحين أشتكي،

لُقمتُ حلْمَةً مزيّفةْ..

وددتُ لو تعيدُني أمي

إلى اللفائفْ!!

*

(4)

قلتُ هيَ.. “مدرسةُ النواظم”..

تضجُّ بالتلاميذِ وبالمشاغباتْ.

في ساحةٍ أليفةٍ جذلى

يحلّقُ الهواءُ تحت جنحِ نشوتي،

يأسرُني المرحْ.

ومن صفيرِ الرجلِ الضخمِ

اليلاعبُ العصا جفلتُ..

ومثلما يهرولُ التلاميذُ

هربتُ من شراسةِ المعلّم المراقِب:

اصطفاااااااااااااف:

استـــــعدْ

استـــــرحْ

لا تتحركْ.

استــــعدْ.

تهزُّنا العصا كما يهزُّها

فتنشرُ الرعبَ على الوجوهْ.

وإذْ تأبطتُ “قراءتيْ” الجديدةَ.. الملوّنةْ،

خالفتُ طابوراً من الأطفالِ مسرعاً

إلى البوابةِ الكبيرةْ..

قلتُ:

أريدُ ان أخرجَ من هناكْ!

عبرتُ ساحةً هادئةً

أزهو بألفةِ الوجودْ

لكنما السياج أتقنَ اصطدامَهُ بوجهيْ.

هل قُمِّطتْ مدرستي بسورْ؟!

كرهتُ أن أعودَ مثبطاً لبابِها الكبيرةْ..

ثأرتُ من فظاظةِ الجدار:

قفزتُ دونما وجَلْ..

وددتُ لو أطيرُ

فوقَ باحةِ البيتِ أحطُّ..

وكانت لي حمامتانِ حرّتانْ.

*

(5)

لا تألفْ لهوَ الشارع:

(نخافُ عليكَ من الأوساخْ).

لا تصطحبَ الأكبرَ سنّاً:

(فالبعضُ له نظرٌ شاذ).

لا تعشقْ بنت الجيران:

(لا تحرجنا.. عيبْ!).

لا تلبسْ ما يمقتُهُ الناس:

(فالناسُ لسانٌ لا يرحم).

لا تصرخْ في وجهِ ذويكَ:

(احترمْ الأقربْ).

لا تسألْ عن أشياءٍ لا تعنيك:

(ما زلتَ صغيراً).

لا تمشِ مرَحاً:

(فالمختالُ يعاقبُهُ الربُّ).

لا تصرفْ ما في جيبكِ:

(فليس هنالك ما في الغيبْ).

لا تنشدْ أغنيةً في الطرقات:

(فذلكَ إزعاجٌ للحي).

لا تتعاركْ:

(تلك وقاحةْ).

لا تلعبْ

(فالدرسُ أهم).

لا تجلس في مقهى:

(ليس مكانك).

لا تبعد عن دارك:

(خوفَ ضياعك).

لا تسبح في الشطِّ:

(كي لا تغرق).

لا..

لا..

ويحزُّ العنقَ قماطُ الـ “لا”.

حملتُ الكتْبَ

وهرولتُ لبوابةِ مدرستي

مندفعاً لعناقِ الساحةِ بالشكوى.

*

(6)

هي الحياةُ عنفوانْ..

محلِّقاً

أرومُ هيبةَ السماءْ.

لكنما السقوفُ عاقبتْني

ولم أجدْ جناحيَّ

وكانَ ريشي يملأُ الوسائدْ!!

 

هي الحياةُ عنفوانْ..

وعندما اشتهيتُ الضفةَ الأخرى

تحطّمَ الجسرُ

كأنما الله أرادَ..

ما أمكر الضفادع!

وحيثُ كنتُ في الشطِّ

أعومُ حانقاً برغبةٍ جسورْ

شعرتُ أنّ ساقيَّ

تغوصانِ إلى القاعِ

كأنما الحيتانُ كلُّها

تآمرتْ لتمنعَ العبورْ!

 

هي الحياةُ عنفوانْ..

وحيثُ تحفلُ العيونُ بالتوّهجِ الأثيرْ

تفرزُ حبّةَ اللؤلؤِ من خلائطِ الوجودْ

وتخلقُ الأشياءَ أشخاصاً ملوّنينْ

وتنتقي لجِيدِها قلائدَ الزمانْ

وإذا تجاوزتْ حدودَها العيونْ

وأبصرتْ خرائطَ الظلامْ

عادتْ لدارِها بلا عيونْ

هل تعلمينَ كيف تُفقأُ العيونُ

في مجاهلِ الشرقِ ويهلكُ الأوانْ؟

 

هي الحياةٌ عنفوانْ..

الصوتُ أنغامٌ وأغنياتٌ،

صرخةٌ في جسدِ الصمتِ،

ولعنةٌ في حضرةِ الخرابْ..

وحيثُ هزَّني الثغاءُ في الشوارعْ

وأفواجٌ من الناسِ، رأيتُهم،

أقدامُهم إلى السماءْ،

وأفواجٌ، كما الديدان، يزحفونْ..

أردتُ أن أصرخَ بالقطيعْ….

لكنّما بمعدتيْ

أحسستُهُ، لسانيْ،

يُسحَبُ أو يُطحَنُ للأخيرْ:

من فتحةِ الشرْجِ

رأيتُ شُرْطياً يجرّهُ بعنفْ.

وما لمحتُ بعدها سوى ضبابْ!

أيقظَني أحدُهم

وما شعرتُ أنَّ لي لساناً

وقد غادرَني الجسدْ

هل تُقبلُ الحياةُ بالغيابْ؟

شممتُ كافوراً

وللجدرانِ سحنةُ القبورْ..

وددتُ لو تعيدُني أمّي لرحمِها

لأشتكي من خدعةِ الوجودْ!!

*

8/2/1988

جبهة الحرب – حافات هور الحويزة