الحرب والـغـربـة وظـلال سـوداء

عرض وتقديم: عبد محمد بركو

 

يعتبر الشاعر أسعد الجبوري واحداً من شعراء الحداثة، تميز باتجاهه السوريالي منذ ذلك الحين.

تحدث عنه الناقد السوري محمد جمال باروت في كتابه “الشعر يكتب اسمه” الصادر في دمشق عام 1981م.

ولقد صدر له على التوالي: ذبحت الوردة، هل ذبحت الحلم – 1977، صخب طيور مشاكسه – 1978، أولمبياد اللغة المؤجلة – 1980، ليس للرسم فواصل. ليس للخطيئة شاشة – 1980. نسخة الذهب الأولى – 1988.

ومنذ مجموعته الأولى حافظ هذا الشاعر على صوت خاص به في سياق العربية الجديدة، رغم أننا نلحظ مؤثرات الشاعر جورج إيزنبرج تبدو في قصائده الأولى بشكل أو بأخر.

وعبر مجموعته الجديدة “طيران فوق النهار” الصادر عام 1995، يمضي الشاعر في إثراء تجربته الخاصة في سعي دؤوب لصياغة لغة تحمل الكثير من الرؤيا عبر مخيلة خصبة تطير بأجنحة الغيم، غير أبه لأنه يشوش المعنى ويفككه ما دام يرتب على هذا التشويش والتفكيك معان جديدة وكثيرة يخرق بوساطتها السائد والمألوف في قصيدة نثر تغلب عليها حذلقة الصنعة ومهارتها، عبر لغة موحية وحادة، يقول في أولى قصائد المجموعة “نيويورك ملجأ لأيتام الملائكة”:

الروح غرفة

فيما الغيمة أنت

وجذعك الجدار

القصيدة طارت من غلافها

وثمة كلب يخربش  الأفق بصوته

ويوغل الشاعر في المحو مهدماً المجال المعرفي لمنظومته الشعرية، ويعيد لملمة ما هدمه كيفما اتفق، مكتفياً برائحة مذعورة تفوح من حطام المعنى:

هنا.. /

المؤلف والطاحونة في قاعة المؤتمر

هنا تماثيل القطط تقرقر

تحت أبط الجنرال

والشرق فرن لأزياء تتفسخ

ماذا سأدخل بعد خروجها من الجملة

المكان هروب

يسوق اللغة بمطر من فضيلة الأفعال

التي خذلتها المآتم.

تتابع قصيدة “نيويورك ملجأ لأيتام الملائكة” مليئة بالرموز والإسقاطات الكثيرة التي تصور لنا تفاصيل نيويورك ومن خلال هذه القصيدة  يتضح لنا موقف الشاعر الفكري والاجتماعي والسياسي من أمريكا، فيصرخ الشاعر مندداً:

نيويورك.. /

عربة مدفع فضائي

خلفها جوقة من أبواق الإلكترون

فيما الحب

قلنسوة تنتحب فوق صلع

أمريكا.

ويلتفت الشاعر إلى وطنه العراق في مقارنة تفرض نفسها، متنبئاً بقتامة المستقبل:

أيها العراب

أنت لم تسمع غير نواح القبائل

والأيام المقبلة

إرتجاجات دماغ

وتنضح هذه بالمرارة والألم، حيث تنعكس فيها جليه معاناة الشاعر الذي يعاني اغتراباً مزدوجاً، فهو هارب من بلده يبحث عن الطمأنينة والهدوء فيجد نفسه مرعوباً حتى الموت في أمريكا:

رعب أمريكا بين القامات

يعم حويصلة العصفور

فثمة بين الشاعر وأمريكا هواء منكسر. خنق الليالي التي عاشها هناك، ففي أمريكا يتغير المشهد بكامله عما تكتنز به مخيلة الشاعر من دفء الشرق وحميميته – ورغم ما آلمه من سوء حال بلاده – سيظل يتنسم هواءها من بعيد بأمل وحنين، ففي أمريكا كل شيء مستعار وغريب ومرعب:

السماء… /

ورق

والثمار أثداء كلاب تتدلى فوق

الشفاه

فهل ستقفل عائداً كالبخار

إلى الصور القديمة.

وفي قصيدته الثانية “تحت سماء نصف مكتملة”  ورغم بعد الشاعر المكاني عن بلاده، إلا أنه يبدو متأثراً بكل منعكسات وإرهاصات حروبها، فهو واحد من ملايين الناس الذين أكلت هذه الحروب أجسادهم وشوهت أرواحهم وأرّقت نفوسهم وفتحت في أدمغتهم دوامات لا تنتهي من الهستيريا والكوابيس لذلك يتساءل الشاعر وفمه يقطر دماً:

من أين تبدأ الحرب يا إلهي… /

من الاقتدار المهني أم من المتاهة

من طفولة النار أم من المغامرة

من المياه الساكنة أم من البوط الملصق

على واجهة الحب والأغاني

لماذا تبدأ الحرب؟!

فالحرب هي نقيض الشاعر وتمتلئ هذه القصيدة بالصور الموحشة فـ”القلب بجورب عسكري” “والعائلة ترتاد بانسيون الحرب”، “وعياراً نارياً يتسلق قبلتي” وكنتيجة مباشرة لما سبق: تكدس الموت في خزائن الجسد.

ونحن على الغبار نتكئ.

أمام هذا المشهد المرعب، يوظف الشاعر أسلوباً سوريالياً ساخراً، ولكنه في هذه المجموعة أقل تطرفاً في فنتازيته، فلم تعد الكتابة لمجرد الشعر وهواجسه، بل أصبح الشعر صدى لويلات الحروب التي عاشها شعبه، لذلك تخلصت لغة الشاعر من كثير من أسماء الأعلام والأماكن الأجنبية والمصطلحات العلمية والطبية التي تزدحم بها مجموعاته السابقة.

الحرب والغربة في شعر أسعد الجبوري، فأصبح يجنح إلى الوضوح، وهو يعرف أنه لن يفهم كما ينبغي بلغة سوريالية بحتة، فغموض مآسي الحروب وحده يكفي، فكيف لو أضيف إليه غموض الشعر لتاه القارئ تماماً.

وفي هذه المجموعة ينجح الشاعر بإيجاد توازن في النص بتخليه عن كثير من طلاسمه السوريالية، ويوحي عنوان قصيدته “تحت سماء نصف مكتملة” بأن قذائف الحرب ونيرانها وضحاياها، وكل هذه الأهوال التي تحسسها الشاعر تجعل من هذه السماء سماء غير مكتملة، ممتدا برؤيته لاستشراف آفاق المستقبل.

فهل من فم للغريق على الشاطئ

كي نلقي إليه بحبل

الرماد.

وهل من أمل لغريق ملقى على الشاطئ؟ حتى ينقذه الشاعر بحبل من رماد!!

وفي قصيدة “سيقان السكرتيرات” وهي ثالث وأخر قصائد المجموعة، يبعثر الشاعر نفسه في مملكة المرأة، وكأنه يفر إليها من أهوال الحروب التي عصفت ببلاده وهزت دماغه وقلبه، فالمرأة / الولادة، في المفهوم السيكولوجي، قلعة يتمرس بها الشاعر في مواجهة الحرب / الموت.

وإن كنا نستهجن على الشاعر أن يعبر عن المرأة والغريزة بمفردات حسية مثل: نهود – شمبانيا – ويكسي – أفخاد – الجينز… الخ، فهذه المفردات مستهلكة أولاً وتضعف البنية الفنية للنص ثانياً، ورغم ذلك لا تخلو هذه القصيدة من لمحات شفافة:

اكتبي أيتها السكرتيرة

لا ينتمي الشاعر لدمعه

إلا وقت الغروب.

أو

أجمل الأختام.. /

فم

السكرتيرة.

 

هامش: طيران فوق النهار – أسعد الجبوري – لم يذكر مكان ودار الطبع – 80 صفحة من القطع المتوسط – 1995.