أعماله فتحت أفقا حديثا للسرد التاريخي وتعمقت في الوجود الانساني

 

خسر العالم الأدبيّ أمس الكاتب والروائيّ السويديّ بير أولوف إنكويست (Per Olov Enquist)، عن عمر يناهز الـ85 عاماً. ويُعد إنكويست أحد أبرز الكتّاب السويديّين المعاصرين، هو الذي عُرف بميله إلى الروايات التاريخيّة والتعمّق في نزعات النفس البشريّة. ويحفل سجلّ إنكويست المولود سنة 1934 في منطقة هيوغبوله في أقصى الشمال السويديّ، بروايات حقّقت نجاحاً عالميّاً وتُرجمت إلى لغات عدّة، وقد تكون أبرزها “زيارة طبيب صاحب الجلالة”، “بلانش وماري”، “رحيل الموسيقيّين”، “حياة أخرى” (سيرة ذاتيّة)، “مكتبة كابتن نيمو”، “الجبل ذو المغارات الثلاث” وغيرها.

ولمع نجم إنكويست ابتداءً من ستّينيّات القرن العشرين في أوروبا بأسرها وليس في السويد وحدها، فاحتفت به ألمانيا وفرنسا مراراً هو الذي اشتُهر بميله إلى السوداويّة أو التشاؤم القاتم في نصوصه بالإضافة إلى نزعته الفلسفيّة. وإنكويست الذي تلقّى تربية دينيّة صارمة تأثّر إنتاجه بموجة “الرواية الجديدة” (nouveau roman) التي ظهرت في فرنسا وكان ألان روب غرييه وناتالي سارّوت ومارغريت دوراس من روّادها.

ولُقِّب إنكويست ببطريرك الأدب الاسكندنافيّ هو الذي تميّز بأسلوبه الوثائقيّ البوليسيّ في أحيان متعدّدة. وكتب مسؤول قسم الثقافة في صحيفة “داغنز نيهيتر” السويديّة بيورن فيمان “أهمّية إنكويست في الحياة الثقافيّة السويديّة منذ ستينيّات القرن العشرين لا جدال حولها. لقد شكّل نموذجاً للكاتب الملتزم اجتماعياً والذي أثّر في أجيال من الكتّاب الشباب. فكرة غيابه تترك فراغًا كبيرًا لا يمكن تصوّره”.

ومن أبرز محطّات حياة إنكويست الأدبيّة قراره اعتزال الكتابة والنشر العام 1991، لكنّ هذا القرار لم يدم طويلاً، فخرج الكاتب السويديّ عن صمته العام 1999 في رائعته “زيارة طبيب صاحب الجلالة” التي نالت صدًى عالميّاً إيجابيّاً وجوائز متعدّدة منها جائزة اندبندنت للأدب الأجنبيّ العام 2003.

عمل إنكويست كذلك على نصوص مسرحيّة وقد يكون عمله المأخوذ عن مسرحية الكاتب الروسي أنطون تشيخوف “الشقيقات الثلاث” التكملة المنطقيّة لما أخذ على عاتقه أن ينجزه من مشروع أدبيّ، فهو أراد تقديم نماذج بشريّة ضمن سلسلة متكاملة، فجاء عمله هذا أوائل القرن الحادي والعشرين ليسلّط الضوء على كتاباته في هذا المجال.

ونال إنكويست الذي امتدّ إنتاجه الأدبيّ على مدى نصف قرن جوائز أدبيّة متعدّدة منها مثلاً جائزة أوغست سنة 1999، التي تُعتبر أبرز المكافآت في مجال الأدب السويديّ ويُنظر إليها على أنّها نوبل الصغيرة، فنال هذه الجائزة مرّة أولى عن كتابه “زيارة طبيب صاحب الجلالة” الذي حققّ شهرة عالميّة وساهم مساهمة كبيرة في ذيوع صيته. وحاز جائزة أوغست سترندبرغ للمرة الثانية عن سيرته الذاتيّة “حياة أخرى” التي نشرها في السويد سنة 2008.

ويُعتبر هذان العملان من أبرز ما وضع إنكويست وبخاصّة “زيارة طبيب صاحب الجلالة” الذي يروي فيه قصّة حبّ بين طبيب الملك الدنماركيّ كريستيان السابع والملكة، فتدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في الدنمارك ويزخر السرد بتفاصيل البلاط الملكيّ والمؤامرات الدائرة فيه والألاعيب السياسيّة السائدة آنذاك.

وعانى إنكويست طيلة حياته من إدمان الكحول وحاول تخطّي هذا الإدمان والشفاء منه، فتوقّف عن الكتابة جرّاء ذلك مدّة طويلة. ويخبر في إحدى مقابلاته التي أجراها العام 2011 إنّه بعد توقّفه عن الكتابة مدّة طويلة، طلب من أحد الذين يقدّمون له الرعاية أن يستعمل حاسوبه ليكتب بعض الجمل، فاكتشف حينذاك أنّه لا يزال يستطيع الكتابة وأنّه لا يزال كاتباً، فقال في هذا الشأن: “أفظع ما يعاني منه كاتب، ليس أن يكتب إنّما ألاّ يكتب.”

خسر العالم الأدبيّ واحداً من بطاركة الأدب السويدي المعاصر بير أولوف إنكويست، ولا يمكننا في هذا الموضع إلاّ أن نستعيد جملة وردت في أحد مؤلّفاته يقول فيها: “ذات يوم سنموت جميعنا لا محالة. إنّما في الأيّام الأخرى، فلنعِش”. واللافت ان إنكويست لم يترجم له إلى العربية أي كتاب مثله مثل الكثيرين من الكتاب السويديين.

https://www.independentarabia.com/node/11