قد يُسفِرُ تقدُّم الزمن عن أمورٍ لا يتوافر عليها تقادمه، ولكنّ ذلك لا يعني تفضيل ما تقَدَّم منه على ما تَقادَم. ولا يلغي الزمنُ الفكرةَ، والفكرةُ قدْ تُلغيه، وتتجاوزُه. في مفهومِ الحداثة الشعرية، يجبْ ألا تكون الحقبةُ الزمنية – ولم تكن يوماً – هي العقدةُ الوحيدة التي قامتْ عليها أسُس التنظير لما يُعرف بالشِّعر الحديث منذ منتصف القرن الفائت. ذلك أنّ الموهبة الفذّة للشاعر هي التي كانت الكفيلة وحدها بتبيان شجاعته في تجديد الشعر العربي المعاصر واقتحام أسواره برغبة التغيير الايجابي ونقله نوعياً إلى ضفاف مغايرة لواقع نظرية التقليد الشعري المتواتر منذ العصر الجاهلي. وهو ما حاول فعله الرُّوادُ الاوائل منذُ مُنتصف القرن الماضي مع السيّاب ونازك الملائكة ورجال مجلتيّ “شعر والآداب”: أدونيس وخليل حاوي وجبرا ابرهيم جبرا، محمد الماغوط ونزار قباني الخ، ما عكسَ جودةّ الخطاب الحداثي في تلك الفترة للانطلاق في تجربةٍ رائدة ومحاولةِ ترسيخها في سيرورة الأدب العربي،  فلا تقتصرُ على الجانب التِّقاني في شكلِ البيت الشِّعري واخراجهِ الطِّباعي، وإنّما في لبِّ المفهوم النظري للحداثة كتجربة حضارية، يردفها بالضرورة معطَى تطبيقيّ في النصّ موازٍ لذلك المفهوم، ما يعني تبلورَ تحوُّلٍ شعري جديد له حضوره وقوتُه في حركية الشعر العربي دونَ التفَلُّتِ منَ الموروث القومي أو الانساني، هما اللذان لا غنى عن استيحاء رموزهما واسقاطها تلميحاً أو تصريحاً على قضاياهم بتخييلٍ ناجِع: الحلّاج تمّوز وعوليس وسيزيف وأدونيس وعشتروت، قدموس وأليعازر والمسيح الخ.

وإذْ لمْ تُسعِفِ الأقدارُ جميعَ أولئك الرواد، روّادُ الرعيل الأول، بالعمر المديد، فإنهم كانوا في حالة صراع دائم مع الوقت لأجل الوصول الى تلك المشهدية الشعرية المنشودة. ولم يكن الشعراء بعدهم أو ما يمكن تسميتهم بالرعيل الثاني بأقلَّ اندفاعاً عن الأوّل على متابعة البحث في ضرورة ترسيخ قاعدة نقدية للشِّعر الحديث تنطلقُ من إبداعاتهم، إذ مارسوا كتابة الشعر من النقطة التي توقف عندها أسلافهم وتكلفوا عناء متابعة الطريق الحداثي كإقرارٍ ضمنيّ أنَّ الحداثة وقعَتْ وفُتِحَتِ الأبوابُ لها برغم التباين النظري بين منظريها المعروفين كأدونيس ويوسف الخال وكمال أبو ديب ورشيد يحياوي وغيرهم، ممن اضطربتْ لديهم مفاهيم الاقتراب من المفهوم الغربي للحداثة وعلاقته بالشعرية العربية، وهو ما أدّى بالطَّبْع الى زيادة العزوف عن البحث في تحقيق – أقلّهُ – مقارباتٍ نقدية للشِّعر الحديث من قِبَلِ الرعيل الثاني، ولو كان الأخير قد غاصَ على تجارب فردية ناجحة خاصة به.
بعد ذلك، وقعت الشعرية العربية في المحظور فانفلتتْ راهنا في تدبيجِ المقالات التي تتكرر فيها المفردات نفسها والمصطلحات المأخوذة مما كتبه الرواد الحداثويون، كالفضاء اللامحدود والآفاق الجديدة أو التحرر من قيود الماضي وما الى ذلك مما تمتلىء به صفحات الجرائد أو دفّاتِ الكتب هنا وهناك،  والتي لا تعدو كونها في خانة المُصَفّقين لنهج الحداثة في الشِّعر دونما إنتاج فكري أو أدبي مُثمِر منها يعضدُ تلك المسيرة الشاقّة فعلاً. وقدْ يقولُ الشاعرُ الحداثي اليوم وعلى سبيل فَرْزِ المهام وانفصالها أدبياً أنَّ تحقيقَ قراءةٍ نقديةٍ لشعر الحداثة هوَ من جوهرِ الحقلِ المعرفي للنّاقد تأسيساً على ثقافة هذا الأخير المتّسعة ومحاكاتهِ الفنّية (المُفترضَة) وملكَتِهِ في تناولِ النص بمنهجيةٍ تعبُرُ به الى أقصى ما يمكن استخلاصهُ من مُمكناتِ النصّ الشعري بمنظور أكاديمي ترفده ذائقة انطباعية تستلهم الشعور وبما هوَ – أي النّاقد – عينٌ نافذة تعيدُ إنتاج دلالات النص الشعري واعادة تكييفها وفاقَ استجابةِ القارئ وتفاعله، ما يعني – وهذا ديدنُ الشّاعر ومنتهى آماله – الفوزَ باهتمام المتلقّي والطّمع في استقراره إعجاباً ووجداناً داخل الفضاء العام لقصائده وتعلُّقِهِ بها. هذا ما قد يقوله الشاعر الحَدَاثي اليوم لأسبابٍ متعددة، ظاهرها الحق وباطنها بعض الباطل، كأنْ يُخفي معاناته الفكرية في تخلُّفِهِ عنِ استلهامِ المعنى الحقيقي لحداثته في النصّ وفهمِ تلكَ الحداثة كتجربةٍ خاصة من ضمنِ المشروع الجديد للشعرية العربية ليروغَ عندئذٍ إلى التلَطّي وراءَ فرْزِ المهام بينَهُ وبينَ النّاقد كما ورد أعلاه.

كلُّ ذلك ينافي آفاقَ المشروع الحداثوي ووضوحَ التزامه بالتجديد كصورةٍ مجرّدة ومعنوية تقتربُ منَ النهوض بحركة الشعر (محلياً وعربياً) الذي نريده كما يتعارض مع وجوب أن يبادر إلى التصريح عما يريده في تجربته كشاعر من خلال النص كفرْض عَين تماماً كما فعلَ أربابُ الرعيل الأول من شعراء الحداثة. فالسياب والملائكة ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا ونذير العظمة وخليل حاوي وعصام محفوظ وفؤاد رفقة والماغوط وأنسي الحاج جميعهم. نعم جميعهم نظّروا للحداثة عدا نظمهم الشعر بشكلٍ أو بآخر فكتبوا وتحدثوا طويلا وبوضوح عن مظاهر القصيدة وتَمَرْحُلِها من العامودي فالتفعيلي فالحُرّ فالنَثري، وعمّا يريدونَ من إسهاماتٍ مؤثّرة في حركة الشعر العربي. وليس أدلّ على ذلك من محاضرة يوسف الخال عام 1957 في الندوة اللبنانية التي عرض فيها لعملية الابداع في المشروع الشعري الحديث دون مواربةٍ ولا مُسايرة والتي عادَ وأكّدَ عليها فيما كتبهُ لاحقاً عام 1982 (أي بعد عقودٍ من انطلاق قطار التحديث الشعري) معبّراً عن سعادته بلقاءِ خالقه: وفي يده اليُمنى حركة شِعرية غيّرتْ إلى الافضل مسيرَ الشِّعر العربي! مُتمّماً بذلك الشّطر الخاص به من مهمة ترسيخ مفهوم نظري للشِّعر الحديث بموازاة استكمال شطره الآخر الذي هو في صلب وظيفة النّاقد دونَ حرجٍ منهُ ولا خوف ومتصدّياً بفروسيّة لمسؤولية ما يأتي به إلى حاضرة الشعر العربي هو وأقرانهُ في أنقى وأجملِ وضوحٍ أخلاقي لكلِّ منْ يحملُ فلسفةَ الابداع في الشِّعر أو غيره من الفنون أمام القارئ أو الناقد أو المجتمع وهذا هو المُنتظَر والمطلوب بالضرورة اليوم من غالبية من يكتبون شعراً اقترفوا فيه من الاضطراب الفني والإبداعي (الثقافي) ما اقترفوا، والذي رانَ بثقله على صفاءِ الذوق العام للقارىء العربي راهناً واستقرارها أدبياً. ما جعلهم من مقلدي الحداثة أو فلنقلْ مُريديها وأتباعها وليسوا أبداً تلامذتها النجباء الذين حافظوا وطوّروا من مظاهرها النظرية وأدواتها ومن ثم تطبيقاتها التي تبلورُ شاعرية الشاعر في فهمه وادراكه لزمنه ووعيه لتجربته دونَ الانقطاعِ عن تُراثهِ كبُعْدٍ ميتافيزيقي في الممارسة الشعرية،  وهذا شأنٌ اقتنعَ بهِ كُثُرٌ من رواد الحداثة الشعرية في العالم ومارسوه في شعرهم وفيما كتبوه من نقد أيضاً.

أما المأمول، فليسَ تعزير الشاعر مهما كانت رؤيته الشعرية ومفهومه للإبداع، بل مطالبته بتقديم تفسير لما يطرحه وما يعتبره جديد فنياً في الشكل أو المعنى، وأنه ذو جدارة وحاجَةٍ يمكنُ تلقُّفُها ودَرْسُها منْ قِبَلِ النّاقد في مسيرة الشعرية العربية وإلا فإن الفيصل سيكون لفوضى التأليف والنشر كما يحدث الآن ولاحقاً أيضاً، إذا لم ينصرف عشرات وربما مئات (الشعراء) اليوم لبنانياً وعربياً عن مُطارحة الشِّعر مع الرداءةِ، فيُزِيلوا تعدِّياتهم عليه معَ اعطائهم حقَّهُم في التوجُّهِ الى أنواع أخرى كالكتابة نثراً. فلماذا لا يتجهون إلى النّثر في النصّ؟! ولمَ التمسُّكُ بلقبِ شاعر ولا شِّعر؟! ما الذي يشكو منه لقبُ ناثر أو أديب مثلاً؟ نَثْرُ العرب كان صفوةً في التألق والغنى البلاغي بل وطابعهِ المدنيّ بمعناه التفاعلي أدبياً مع المُتلقِين ويرقى إلى الشِّعر في كتاباتِ مُخضرمي اللّغة العربية منذ القرن الثاني الهجري كما كان تخييلياً ينافس الشعر في مبناه وصوره وغاياته، ولا يُكَمِّلُهُ أبداً ولذلك اتفَقتْ العرب على أنه لا يمكنُ الجمعُ بينَ الابداع شعراً ونثراً في شخصٍ واحد فإمَّا هوَ شاعر، وإمَّا هوَ ناثِر تماماً كأبي منصور الثعالبي الذي عاشَ سنواتٍ بين القرنين الرابع والخامس الهجريين وعَدَّهُ البعضُ رأسَ النَّاثِرين عندَ العَرَب على الاطلاق، مع أنَّهُ نظمَ الشِّعر وكانَ فيهِ أقَلَّ جودةً وإجادة فلمْ يتمّ أخذُهُ في حَيِّزِ الشُّعراء المُجيدِين المعروفينَ والفحولِ الموصوفِين في عصره وهوَ لم يحتجّ ولم يثُرْ على ذلك!

(( النهار اللبنانية))