بائع الليل

عبد الحميد الصائح

أنا الباطِنيّ ، مٌهَدّدٌ بالوُضوحْ
أنا المُخْتَفي
أرْفَعُ صَولَجاني فَيَتَوَقَّفُ البَرْقُ عَنِ اللّمَعانْ
والشّجَرُ عَنِ التَرَقّبْ.
كَمْ رَكَضوا لِيَنْسِجوا عَباءَتي
و كَمْ قِرأتُ لَهُمْ الغَيْبْ
وَرَضيتُ لَهُمْ أنْ يَلِدوا القَصَصْ ويولَدوا مِنَ السّباتْ.
بِيدي ، مَداخِلُ الطُرُقِ المُقْفَلَةْ ،
تَسْتَقْبِلُ أرْواحَ المُحاصَرينَ؛
الخائِفينَ مِنَ العَدَمْ
لَيْسَ لي كِتابْ،
فَقَطْ ، تِلكَ الأحلام التي أُنْتِجُها في الظَلامْ
بأدواتٍ بَسيطَةْ،
يُفَسِرُها السّحَرَةُ ويَبيعونَها مَعَ العَلَفْ..
هُناكَ أقِفُ مِثْلَ مَطَرْ
أنا المَطَرْ
مِثْلَ لَيْلْ أنا اللّيْلْ
مِثْلَ الجوعِ والشهوةِ والموتْ
أنا الجوعُ والشَهْوَةُ… والحياةْ
أرْفَعُ صَولَجاني، فيتوقّفُ البَرْقُ عَنِ اللّمَعانْ
فَكَيْفَ تُهَدّدُني أيّها الوُضُوحْ
وَكَيْفَ تَراني أتعفّنُ ،وأتَلاشى ،
ويُصْبِحُ الصُبْحُ على عالَمٍ بِدوني..
كيفَ تهدّدني، وأنت لاتُدرِكُ كُنهي ، شكلي و جِنْسي ، أتباعي وَضحاياي ، قَداسِتي ومٌجوني ، خَسائِري وأرباحي ، ما أكتبُ وما أمحو ،. كيف ؟
وأنا بائعُ اللّيلِ ،
نسج المحاصرون الخائفون من الغَيْبِ ثيابي
ومن الظلال أغطيتي
ومن البكاء نشيدي
فكيف كيف؟
وبِمَ بَعْدَ ذلك تَسْتَعين؟
ولا هُناكَ هُناكْ
لا أحدَ هُناكَ ،
سواي ..
أنسجُ القَصَصْ ،
وأحضّرُ أرواحاً جَديدةً
وأخْرى مُسْتَعْمَلَةً ،
لحَربٍ قادِمةْ.

 

2

الحَرْب

 

الْحَربُ القَديمَة ُجُثةٌ لمْ تُدْفَنْ بَعْد ،
لأنّ الذينَ يَحفرونَ التاريخَ؛ بلا مَعاوِلْ.
أخْفَوا الشمسَ والقَمَرَ في المَكْتبات
وأوْقَفوا تَعاقبَ الليلِ والنّهارْ
وقطَّعوا أوصالَ المُذكّراتِ التي تَركَها القَتْلى
وأودَعوا الجُثّةَ الضَخْمَةَ لدى حارس ِالمَقبرة .
ريثما يُنتج الإنسانُ مَعاولَ مناسبةً في المستقبل ،
.ولأن حارسَ المَقْبَرة ، يَبيعُ التَنفسَ
بعد أن يسْرقَه من المَواليد الجُدد ،
أولئِكَ الذينَ تُعيدُهمُ الملائكةُ الى السّماءْ على وَجهِ السرْعة،
تُساوِمُ الحَرْبُ القديمةُ حارسَ المقبرةْ
فتَتنفس ببطءْ
لتنتفضَ الأرضْ
ويبدأ الحَجَريُ رِحْلَتَه الدّامِية ،
ينزف وهو يتذكر ،
ويُشيِّع قتلاه سلالة بعد أخرى ورُبما نَفسَه ؛
موزّعاً بينَ الدّمِ الذي على ثِيابِه ومَشاهدِ الحَرْبِ القَديمةْ:
المَوتِ المُمَجدّ ،
مَصادرَ إلهيَة ٍ للنّار ،
لعبةِ المَوتِ بأوضاع ٍوقوانينَ مختلِفَةْ،
عويلِ الخديعةِ ،
الشهيقِ الذي لم يَخرُجْ ،
والزفيرِ المحمّل باللعنات،
نسورِنا التي تأكُلُ بَعْضَها
صورِنا التي هي صورُ آبائنا،
ومدنُنا التي تحترق ثم تحترق مرة أخرى.
وأخيرا ،
اللعبة التي لاتَنتهي ،
ونحنُ، الخاسرونَ أو الرابحونَ لافَرقْ،
لأنّ ذلك لايُمْكِنُ حَسْمُه؛
طالما الحَرْبٌ جُثّةٌ لَمْ تُدفَنْ بَعدْ.
10.05.2019

3

توتَميتو *

 

لمْ يطارِحْ قبْلها امرأةً .
لم تُطرِبْهُ يوماً أجراسُ اللذّة
حتى أصْبَح ماؤهُ لقاحاً ضدَّ المَوتْ،
يُجدّدُ الخلايا ويوقِفُ الشَيْخوخَة.
لم تعرف البَغيُ الأولى التي أذاعتْ السرْ
بعد عودتها الى صباها، ونيلها الخلودَ من ليلةٍ عابرة ،
انها قلَبَتْ بذلك الخرائطَ ودوائرَ المال ومراكزَ البحوث
ونظريات نشوء الخلق والسياسةَ والاقتصاد.
أعادَ البشرُ مراجعةَ ما أنجزَ من طبٍ وأدبٍ وفنون
وتَعاليمَ وأدْيانٍ ومَقابِرَ ومؤسساتٍ رياضيةْ.
تَركوا الأدعيةَ ومختبراتِ التَحليلِ ومصانعَ الأسلِحَة ،
تركتْ النساءُ ازواجَهن ، وحشَدَ قادةُ البلدان الجيوش
وتحركت أساطيلُ الخَفاءِ والعَلنْ ، تفتش عن (توتَميتو)
تبَحثُ عن ضَجْعةٍ واحدَة
أو تجهيزاتٍ بالجُملة ِمنها
سَعياً لحياةٍ أبديةْ .
كَما لمْ تَعرِفِ البَغيُ الخالدةُ تِلْك ؛
إن ماحدثَ غيّر الممنوعاتِ وأعادَ ترتيبَ المحرّماتْ،
واختَصَرَ الدساتير َ ب(الضرورات تبيح المحظورات)
لتنْعمَ البشريةُ بالخلود الأبدي ،
وتتهاوى قلاعُ الخَوفْ ، وطلبِ المغفرة.
اختفى توتَميتو بعد أن تهدد وجوده ، تاركا ملايين المؤسسات والمكاتب التي تتعاقد على نيل معجزته ، هجر الجبل موطنه وملاذ عزلته،وأصبح الحصولُ على مائه لايقدّرُ بثمن ، بعد أن قايضَ الملوكَ بممالكهم ، والتجارَ بأموالِهم ، ورجالَ الدين بإيمانهم والنساءَ بالعبوديةِ المطلقةِ له في الحياة الدنيا التي لاحياة غيرها .
من جانب آخر ، كَثر الذين انتحلوا شخصية (توتميتو) أو ادعوا انتسابهم اليه، او أنهم ممثلون عنه وهم ليسوا كذلك ، قلدوا سائلَه المَنوي وباعوهُ للمغفّلين بأسعارٍ مدعومِة، للصباحِ والمساءْ، للنومِ ولليقظة ، للمهاجرين وللعائدين ، للمرضى ولذوي الدخل المحدود ، نقلوا عنه القصص ، وطبعوا نسخاً مزورة ملونة مفترضة له،
صدّروا من مائه للدول الصديقة ، والشقيقة حسب مستوى التعاون الدولي والعلاقات بين البلدين ، فيما بقيَ الوصولُ الى توتميتو الذي تعددت وجوهه غامضاً ، وشاعت طرُقٌ شتى تدعي الوصولَ اليه ، خَلَدَ مَنْ خَلَدْ ، وتسمّمَ من حَظِيَ بالنُسَخِ المزوّرة .
وظلّ الفقراءُ وجنودُ الخطوط ِالأماميةِ
وَمن شَكّكَ بقصّته من بدايتها ،
وَحدَهم فقطْ العذارى في هذا العالم .

5/5/2020
————
• توتميتو ،هو بطل رواية الشاعر العراقي اسعد الجبوري العجائبية ( الحمى المسلحة ) لم يمارس الجنس في حياته، وعندما فعل ذلك للمرة الأولى مع امراة في كوبنهاغن، اكتشف طبيب فحصها صدفة ان الذي في رحمها ماء يجدد الخلايا البشرية ويمنع الشيخوخة ويحقق الخلود .ينشر الطبيب ذلك في مؤتمر صحفي فيصبح توتميتو هدفا سياسيا للافادة من امكانياته فضلا عن طلبات لقائه من ملوك ورؤساء وشخصيات ثرية وتجار أسلحة ومخدرات وسينمائيين وممثلات وعارضات أزياء مقابل اموال طائلة لقاء ذلك …الى اخر الرواية . النص لايغني عن قراءتها وليس له علاقة باحداثها المختلفة عن توظيفه تماما.