قصائده المهربة صدرت في السويد وطنه الثاني وحملات لتحريره في زمن كورونا

غوي مينهاي الكاتب والناشر الصيني – السويدي المسجون في الصين (موقع الكاتب)

 

قد لا يكون مستغرباً أن يلجأ بعض سجناء الرأي أو الفكر إلى الشعر خلال فترة “إقامتهم” الجبرية في الزنزانات، لا سيما إذا طال مكوثهم بين الجدران الصلبة، فيعبرون عن معاناتهم المريرة القاسية في قصائد حية وعفوية. والقصائد هذه التي يكتبونها بالسر في أحيان، وبعيداً من أعين السجانين كما في سجون الأنظمة التوتاليتارية، لا تكون بمثابة رد فعل على القهر والعزل بل تكون فعلاً حقيقياً، وجدانياً ووجودياً، يجسّد عمق التجربة التي يقاسونها، ويمثل حقيقة مواجهتهم القمع والظلم اللاإنساني. ولعل الكاتب والناشر السويدي، الصيني الأصل، غوي ميناهي الذي يقبع في أحد السجون الصينية منذ سنوات، شاء أن يختبر الشعر بصفته أداة مقاومة وفعل وجود، ونجح في كتابة قصائد تشهد على قسوة السجن ورهبة الأسر. وكان ميناهي دأب على تهريب القصائد بالسر لتنشر في صحف سويدية وعالمية منذ نحو عام. وارتأت دار كونيتز أولسون في استوكهولم أن تجمع القصائد في ديوان، بالتنسيق مع ابنة الكاتب والناشر أنجيلا، وصدر الديوان أخيراً بعنوان جميل وساطع هو “أرسم بإصبعي باباً على الجدار”، ولقي رواجاً ورحبت به الأوساط الأدبية والإعلامية في السويد، وأقيمت حفلات قراءة جماعية لقصائد منه، في الهواء الطلق والصالات، في يوم مولد الكاتب والناشر السادس والخمسين.

كاتب صيني سويدي

غوي ميناهي، كاتب وناشر، سويدي، صيني الأصل، يكتب بالصينية وينشر كتبه في دار في هونغ كونغ، معروفة بإصدارها كتباً عن الحياة الحميمة لبعض الزعماء الصينيين، مستفيدة من جو الحرية الذي طالما تمتعت به هونغ كونغ. في العام 2015 صدر حكم ضد ميناهي حول قضية تتعلق بالحق العام، فاختفى في العام نفسه مع زملاء له خلال إجازة كانوا يقضونها في تايلاند. ثم ما لبث أن ظهر في سجن صيني وأطل على شاشة التلفزيون الرسمي يعترف بأنه متورط في حادث سير(ملفق) يعود إلى العام 2003 سقطت ضحيته شابة. إلا أن السلطات الصينية ما لبثت أن أعلنت الإفراج عنه في العام 2017 أي بعد 14 سنة سجناً. وهذه فترة ليس بطويلة في نظر النظام الصيني. ثم عاودت السلطة توقيفه في العام 2018 وكان يستقل قطاراً إلى بكين برفقة بعض الديبلوماسيين السويديين، وأعادته إلى السجن. وطوال هاتين السنتين ظل محتجزاً من دون محاكمة. وفي ظل انتشار فيروس كورونا، اغتنمت السلطات الصينية الفرصة لتحكم عليه في 4 فبراير (شباط) 2020 بالسجن عشر سنوات، والتهمة تزويد قوى أجنبية بمعلومات استخباراتية. وهذه تهمة جاهزة، بدون مضمون واضح أومحدد. والسؤال الذي لا بد من طرحه: ما هي المعلومات الاستخباراتية المهمة التي يمكن أن يمتلكها شخص كان مسجوناً ومراقباً؟ وأفادت المحكمة أيضاً بأن غوي طلب استعادة هويته الصينية بينما تحرّم الدولة الهوية المزدوجة. ولم يكن على الدولة السويدية إلا أن تقوم بحملة من أجل استرجاعه بصفته مواطناً سويدياً. وما يجدر أو يجب ذكره، أن غوي مينهاي كان يعمل في الفترة التي اختُطف فيها على إنجاز كتاب عن الحياة الشخصية الحميمة للرئيس الصيني شي جينبينغ، بعنوانٍ مبدئي هو “شي ونساؤه الستّ”. وقد أثارت فكرة تأليف مثل هذا الكتاب حفيظة الدولة ذات القبضة الحديدية.

 

ومنذ سجن غوي مينهاي لم تنثن الحكومة السويدية وابنته أنجيلا عن التحرك والمطالبة بإطلاق سراحه. وقد اكتسبت قضيته بعداً إنسانياً وسياسياً عالمياً، وطالب العديد من الدول وزعماء العالم، الصين بإطلاق سراحه.
مجزرة تيانانمين
حصل غوي على الإقامة الدائمة في السويد وعلى الجنسية السويدية عام 1990 بعد المجزرة الشهيرة التي ارتكبتها السلطات الصينية ضد الطلاب المعتصمين في ساحة تيانانمين عام 1989. وبعد 11 عاماً قضاها في السويد، تبدى له هو المتابع الدؤوب للأوضاع الصينية، أن الصين بدأت تشق طريقها نحو مستقبل واعد لا سيما في ظل مناخات الانفتاح واتساع نطاق حرية التعبير في الصين، فقرر العودة بهويته السويدية حاملاً مشروع تأسيس شركة سويدية تعنى بتكنولوجيا تنقية الهواء، لكنّ المشروع لم ينجح. وعلى الرغم من تفاؤل الكثيرين راحت موجة الانفتاح الصيني على المعارضين وذوي الأفكار المختلفة تضمحل وتتلاشى. انتقل غوي في بداية العام 2000 إلى برلين وواصل تأليف الكتب عن السياسة الصينية. لكنه منع في 2008 من العودة إلى الصين جراء مواقفه النقدية التي تضمنتها كتبه.

 

قد يكون صدور ديوان غوي الذي كتب قصائده الـ 11 في السجن، مناسبة لإطلاق قضيته عالمياً ودعمه في عزلته، خصوصاً في زمن انتشار وباء كورونا وانغلاق المجمتعات العالمية على نفسها وانصراف الدول إلى مواجهة هذه الجائحة الخطرة. ولئن ترجم الديوان من الصينية التي يصر غوي على الكتابة بها، إلى السويدية وصدر في السويد، فإن قصائد عدة منه ترجمت إلى الفرنسية والإنجليزية ولا سيما قصيدته البديعة “لوسيا”. وفي هذه القصائد يبدو واضحاً أن الشاعر يعبر عن هويته المزدوجة وحنينه إلى السويد أرضه الثانية، وإلى حياته هناك وجو الحرية التي تنعّم بها، عطفاً على تطرقه إلى أوضاع السجن والظروف الصعبة التي يعيشها والوحشة التي يعانيها والتي يصفها بالظلمة التي يرقد فيها. وكما هو معروف حفظ غوي القصائد غيباً في السجن ثم كتبها عندما نقل لوقت قصير إلى إقامة جبرية كان مسموحاً لابنته أن تزوره فيها، فأعطاها القصائد بالسر. وتحفل القصائد بحالات من الألم والانفعال والأسى وتنفتح على ذكريات الحياة اليومية في السويد، حياته هو وحياة أسرته. وعلى الرغم من أن غوي كاتب سياسي وباحث، فهو في ما كتب من شعر، بدا على مقدار كبير من الشفافية والعذوبة والغنائية الخفيفة. وتفيض قصائده بالصور الشعرية الطالعة من مخيلته الجريحة. ومن يقرأ قصيدته “لوسيا” التي حاولتُ ترجمتها كاملة ثم عدلتُ، نظراً إلى كونها منقولة من الصينية فإلى السويدية فإلى الفرنسية (أو الإنجليزية) ما يجعل ترجمتها ضرباً من المغامرة العبثية.

في هذه القصيدة ترد الجملة التي حملها الديوان عنواناً وهي: “أرسم باصبعي باباً على الجدار” ويضيف: “أرسم على العتبة فتاة جميلة ترتدي ثوباً أبيض وشعرها فاتح اللون”. وإذا كان من عادة الشعراء المساجين أن يرسموا أو يتخيلوا نافذة على جدار زنزانتهم، فالشاعر رسم باباً وكأن حلمه ليس في أن يرى الشمس تشرق كل يوم أو أن يبصر زرقة السماء والقمر أو النجوم في الليل، بل أن يخرج من السجن عبر هذا الباب. أما الفتاة الجميلة فهي ليست سوى ابنته أنجيلا ملاكه الحارس. وهو يتذكر في سياق القصيدة الأغنية التي كانت تؤديها له ابنته في الصباح الباكر. وفي السجن يصف نفسه بـ”الفتى التائه في العالم /  يرسم باباً تلو باب على الجدران”. ولعله يستعيد طفولة ابنته ليستعيد طفولته من قعر الذاكرة الأولى.

وفي وسط السجن القاسي يكتشف أن النهار “هو النهار الأشد قصراً” وأن “الليل هو الليل الأشد طولاً”، وأن ما حوله “عالم جليدي بلا نهاية”. وعلى غرار السجناء الذين يفقدون مفهوم الزمن يقول: “الزمن يلتف حول عنفي مثل حبل”. ويصف نفسه وحيداً “في الليل الشتائي القارص /ليس لدي سوى بيجاما/ نظاراتي أخذوها/ ولا قلم لدي ولا ورق”. ويضيف: “منذ وقت طويل أنا هنا/ أضجر أمام الجدار”. ويضيف في مقطع آخر: “في الليل الأسود الحزين/ أذرف دموعاً سوداء”. لكن الأمل لا يخبو في قلبه هو الحالم بالحرية فيقول: “إنني على يقين من أن الظلمة ستكف عن الانتشار في الأرض والوديان”، و”أن شمساً مستديرة ستشرق في سماء وردية”.

ابنة الشاعر

في المقدمة التي كتبتها ابنة الشاعر أنجيلا للديوان تقول إن والدها يصف السجن في قصائده بكونه “مكاناً تُستأصل فيه الذات، فبين الجدران الباردة لا يوجد أي أحساس إنساني. وفي حال من الاحتجاج الصامت بنى لنفسه أمكنة أخرى بالكلمات، الكلمات التي كان يحفظها بدقة تامة ويعتني بها، فهو لم تكن لديه أوراق ولا أقلام. ومِن خلال الشعر استطاع  والدي أن يشعر بأنه إنسان، وبأنه كاتب وسويدي. وفي هذه القصائد لا يكتشف القارئ سجين رأي فقط، بل شخصاً مفكّراً، وكاتباً مرهف المشاعر، شخصاً يحرقه الشوق إلى البيت والوطن”. وتروي الابنة كيف أن أباها قال لها عندما سلمها القصائد بالسر إنه فهم أخيراً السبب في انعدام جودة ما كان يكتبه سابقاً. وأضاف: ” كان عليّ أن أعثر على صوتي. ومن الغريب فعلاً أن يعثر أبي على صوته في المكان نفسه الذي تسعى فيه السلطة إلى سحق هذا الصوت، عوضاً عن رعايته”. وأصر والدها عليها كما تقول، أن من المهم جداً أن تخرج القصائد إلى العلن وأن تُنشر في كتاب.

 

 

 

 

https://www.independentarabia.com/node/